Home / فنو ن / الثقافة في لبنان بعد الحرب بعين التشكيلي سعد شيبان

الثقافة في لبنان بعد الحرب بعين التشكيلي سعد شيبان

كيف يستعيد الفنّ نبض الإبداع؟

بعد كل حرب، لا يكون السؤال الأول كيف تُرمَّم الأبنية، بل كيف تستعيد المدن قدرتها على الحلم. ففي اللحظة التي يخفت فيها صوت المدافع، يبدأ صوت الثقافة بالارتفاع، لا بوصفه ترفاً أو مشهداً احتفالياً، بل باعتباره فعلاً من أفعال النجاة، ووسيلة لإعادة صياغة الذاكرة والهوية والمعنى.

في لبنان، حيث تتقاطع الخسارات مع إرث ثقافي طالما قاوم الانكسار، تبدو الثقافة اليوم أمام اختبار جديد. أما بيروت، المدينة التي اعتادت أن تنهض من بين الركام، فما زالت تحاول أن تستعيد نبضها الإبداعي، وأن تعيد فتح المسارح وصالات العرض والمكتبات والمقاهي الثقافية، ليس فقط لاستئناف الحياة، بل لإثبات أن الإبداع قادر على أن يكون لغة للمصالحة، وجسراً بين الماضي والمستقبل.

في مشهد ثقافي يتشكّل من جديد، يبرز الفنّ والأدب والموسيقى والسينما بوصفها أدوات لحفظ الذاكرة الجماعية، ومساءلة ما حدث، وابتكار سردية تتجاوز الحرب من دون أن تنكر آثارها. فالثقافة هنا لا تعيد إنتاج الألم، بل تمنحه معنى، وتفتح نافذة على مستقبل يمكن للبنان أن يكتبه بألوانه وكلماته وأصوات مبدعيه، تماماً كما فعل في أكثر مراحله قسوة.

في هذا التقرير، نقترب من المشهد الثقافي اللبناني من خلال حديث مع الفنان التشكيلي ومؤسس معهد شيبان للثقافة والفنون، سعد شيبان، الذي يقدّم رؤيته لدور الثقافة والفنّ في مرحلة ما بعد الحرب، وكيف يمكن للإبداع أن يسهم في حفظ الذاكرة، وتعزيز التعافي، واستعادة لبنان لمكانته بوصفه مساحة للإنتاج الثقافي والفني.

لماذا تبدأ النهضة من الفنّ؟

لا تقتصر تداعيات الحروب على الدمار المادي، بل تمتد إلى البنية الاجتماعية والنفسية للمجتمعات، حيث تترك آثاراً عميقة على الذاكرة الجماعية والهوية والشعور بالانتماء. ومن هنا، تبرز الثقافة بوصفها أحد أهم عناصر التعافي، إذ تسهم في إعادة بناء الإنسان بالتوازي مع إعادة إعمار المدن، وتوفر مساحة للتعبير عن التجارب الفردية والجماعية، وفهم ما خلّفته سنوات النزاع من تحولات.

تلعب الثقافة دوراً محورياً في ترميم الهوية الوطنية، خصوصاً في المجتمعات التي شهدت انقسامات عميقة. فمن خلال الأدب والموسيقى والمسرح والفنون البصرية، تُوثَّق التجارب الإنسانية، وتُروى قصص الناس بعيداً عن الأرقام والإحصاءات، بما يرسخ ذاكرة جماعية أكثر شمولاً، ويحول دون اختزال الحرب في بعدها العسكري فقط.

ولا يقتصر أثر الثقافة على الجانب المعنوي، بل يمتد إلى تحريك عجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية. فإعادة افتتاح المؤسسات الثقافية، ودعم الفنانين والمبدعين، وتنظيم الفعاليات الفنية، تسهم في تنشيط الصناعات الإبداعية، واستقطاب الزوار، وتعزيز المشاركة المجتمعية، بما يجعل الثقافة جزءاً من عملية التعافي الشامل، لا نتيجة لها.

تجارب تاريخيّة ألهمت العالم

لم يكن التعافي الثقافي بعد الحروب حدثاً عابراً في تاريخ الشعوب، بل شكّل في كثير من الأحيان نقطة تحول أساسية في مسار إعادة بناء المجتمعات. فمن أوروبا إلى آسيا وأفريقيا، أثبتت تجارب عديدة أن الاستثمار في الثقافة لم يكن ترفاً مؤجلاً إلى ما بعد الاستقرار، وإنما جزءاً من عملية استعادة الحياة نفسها.

بعد الحرب العالمية الثانية، على سبيل المثال، شهدت دول أوروبية عدة حراكاً ثقافياً واسعاً رافق جهود إعادة الإعمار. ففي ألمانيا، لم تقتصر عملية النهوض على إعادة بناء المدن المدمرة، بل شملت إعادة إحياء المسارح والمتاحف ودور النشر، إلى جانب تشجيع الإنتاج الأدبي والفني بوصفه وسيلة لمراجعة الماضي، وفهم آثار الحرب، وترسيخ قيم الديمقراطية والسلام. أما في إيطاليا، فقد خرجت السينما بما عُرف بـ”الواقعية الجديدة”، وهي حركة فنية نقلت قصص الناس العاديين ومعاناتهم اليومية، لتصبح إحدى أهم المدارس السينمائية التي أثرت في العالم.

وفي اليابان، تحوّلت الفنون والآداب إلى مساحة للتأمل في تجربة الحرب وإعادة تعريف الهوية الوطنية. فالأدب والمسرح والسينما لم يكتفوا بتوثيق المأساة، بل ساهموا في بناء خطاب ثقافي جديد يقوم على قيم السلام والابتكار، بالتوازي مع النهضة الاقتصادية التي شهدتها البلاد.

وفي رواندا، بعد الإبادة الجماعية عام 1994، لعبت الفنون دوراً مهماً في دعم المصالحة المجتمعية وحفظ الذاكرة. فقد أسهم المسرح والفنون البصرية والمشروعات الثقافية في فتح مساحات للحوار، وتوثيق التجارب الإنسانية.

تكشف هذه التجارب، على اختلاف سياقاتها، عن قاسم مشترك يتمثل في أن التعافي لا يتحقق بإعادة تشييد الأبنية وحدها، بل بإعادة بناء الإنسان أيضاً. فالثقافة لا تعالج آثار الحرب بصورة مباشرة، لكنها تمنح المجتمعات أدوات لفهم ما جرى، وحفظ ذاكرتها، واستعادة قدرتها على الإبداع، وهي خطوات غالباً ما تمهد الطريق نحو سلام أكثر رسوخاً واستدامة.

لبنان… وطن الحكاية والابداع المتجدد

في لبنان، لا تنفصل الثقافة عن تاريخ البلاد الحديث، بل تكاد تكون إحدى أكثر الأدوات حضوراً في مواجهة الأزمات. فمنذ انتهاء الحرب الأهلية عام 1990، مروراً بالمحطات الأمنية والسياسية المتلاحقة، وصولاً إلى انفجار مرفأ بيروت عام 2020 وما تبعه من أزمات اقتصادية واجتماعية، حافظ القطاع الثقافي على حضوره، وإن بأشكال مختلفة فرضتها الظروف.

وخلال العقود الماضية، استعادت بيروت تدريجياً مكانتها بوصفها مركزاً للنشر والفنون والمسرح والسينما في المنطقة. فعادت دور النشر إلى إصدار الكتب، واستأنفت المسارح نشاطها، وافتُتحت معارض فنية جديدة، فيما واصلت المهرجانات الثقافية والفنية، رغم التحديات، أداء دورها في إبقاء الحياة الثقافية حاضرة. ولم يقتصر هذا الحراك على المؤسسات الكبرى، بل شمل أيضاً مبادرات مستقلة أطلقها فنانون وشباب وجمعيات ثقافية آمنت بأن الإبداع يمكن أن يكون وسيلة للصمود وحماية الهوية الثقافية.

واليوم، ومع دخول لبنان مرحلة جديدة بعد الحرب الأخيرة، تتجدّد الأسئلة حول الدور الذي يمكن أن تؤديه الثقافة في مرافقة التعافي. فهل ينجح الفن مرة أخرى في جمع الناس حول ذاكرة مشتركة، وإعادة بناء الجسور بين أفراد المجتمع، وفتح نوافذ للأمل؟

يجيب سعد شيبان عن هذه الأسئلة من رؤيته الفنية، ويقول: الثقافة كانت ضحية، لكنها لم تكن ضحية صامتة. فقد تعرضت المسارح، والمعارض، والمكتبات، والمراكز الثقافية لأضرار مباشرة وغير مباشرة، إلا أن الفنانين أنفسهم حملوا الثقافة إلى الشارع وإلى الملاجئ وإلى الفضاء الرقمي online، فأصبحت وسيلة مقاومة وصمود بقدر ما كانت متضررة. أما المشهد، فقد تغير بالفعل. أصبح أكثر حساسية تجاه الإنسان، وأكثر انشغالاً بالهوية والذاكرة والأسئلة الوجودية. بعد الحرب لم يعد الفنّ مجرد بحث عن الجمال، بل أصبح بحثاً عن المعنى وتحدياً بين الفنان وما حوله.

تضميد الذاكرة الجماعية

يمتد دور الثقافة إلى حدّ صون الذاكرة الجماعية وحماية ما تختزنه المجتمعات من تجارب وقصص وهويات. ويشير شيبان إلى أن في أوقات الأزمات وما بعدها، تتحول الأعمال الفنية والفعاليات الثقافية إلى مساحة تستعيد من خلالها المجتمعات سرديتها، وتوثّق ما عاشته بعيداً عن النسيان. ومن خلال اللوحة والمسرح والموسيقى والأدب، تُحفظ الذاكرة الجماعية بوصفها إرثاً حيّاً يربط الماضي بالحاضر، ويمنح الأجيال القادمة فهماً أعمق لهويتها وتاريخها. فالفنّ يحفظ الخوف، والحنين، والانتظار، والبسمة والدمعة، إنه يوثّق الفقدان والنزوح والجوع والأمل… قد ننسى عنوان خبرٍ أو خطاباً سياسياً، لكن لوحة أو أغنية أو قصيدة قد تبقى في الوجدان لعقود، لأنها تحفظ الجانب الإنساني الذي لا تستطيع الأرقام ولا البيانات أن تنقله.

الفنّ جسر للتعافي النفسي

تشير دراسات في علم النفس إلى أن ممارسة الفنون أو التفاعل معها، سواء من خلال الرسم أو الموسيقى أو المسرح أو الكتابة أو السينما، تساعد على تخفيف مستويات التوتر، وتحفّز التعبير عن المشاعر المكبوتة، وتمنح الأفراد مساحة آمنة لاستيعاب تجاربهم وإعادة ترتيبها. لذلك، تعتمد العديد من برامج الدعم النفسي في المناطق المتأثرة بالنزاعات أنشطة فنية موجهة للأطفال واليافعين والبالغين، باعتبارها وسيلة تعزز الشعور بالأمان، وتنمي القدرة على التكيف، وتدعم التعافي النفسي.

اذ يعتبر شيبان أن الفنّ ليس علاجاً طبياً، بل مساحة للتنفيس، وإعادة اكتشاف الذات، وخلق الحوار بين الناس. عندما يرسم الطفل ما عاشه، أو يعزف الموسيقى لألمه، أو يشاهد الإنسان عملاً فنياً يلامس تجربته، يشعر بأنه ليس وحده. وهذه المشاركة الوجدانية هي بداية التعافي. كما أن الفنون الجماعية تعيد بناء الثقة بين أفراد المجتمع، لأنها تجمع الناس حول الإبداع بدلاً من الانقسام كما يساعد على التعايش معها، ويمنح الإنسان القدرة على استعادة الأمل، وإعادة اكتشاف الجمال، واستئناف الحياة بخطى أكثر توازناً وثقة.

وعن سؤاله عن دور المعارض الفنية والفعاليات الثقافية في استعادة التوازن بعد الحرب يجيب: المعارض والمهرجانات ليست مجرد مناسبات فنية، بل هي إعلان بأن الحياة أقوى من الدمار. عندما تمتلئ الساحات بالموسيقى، وتُعرض اللوحات في المدن، ويجتمع الناس حول الفن، تعود الحركة الاقتصادية والاجتماعية، ويستعيد المكان روحه. الثقافة والفنون تمنح المدينة ذاكرة جديدة، وتحوّلها من مساحة نجت من الحرب إلى مساحة تصنع المستقبل. ولهذا فإن كل فعالية ثقافية فنية هي استثمار في الإنسان، وفي صورة لبنان، وفي الأمل الذي لا ينبغي أن ينطفئ.