Home / ﻗﺿﺎﯾﺎ ﺳﯾﺎﺳﯾﺔ / موضوع الغلاف / هل تكون لغة المصالح أقوى من الثوابت السياسية؟

هل تكون لغة المصالح أقوى من الثوابت السياسية؟


الاتفاق النووي بين الولايات المتحدة والسعودية..صفقة تحتاج لتنازلات لمواجهة التحديات

“إن وجود برنامج نووي مدني في السعودية سيقود إلى سباق محموم للتسلح في مختلف أنحاء الشرق الأوسط”، “هذا الاتفاق يعد تنازلاً كبيراً لصالح السعودية، ولن يؤدي إلا إلى تعزيز طموحات إيران، كما أنه لن يفضي إلا إلى مزيد من زعزعة الاستقرار في المنطقة، إنها سياسة ليست حكيمة”.

تصريحان أولهما عبر وسائل التواصل لعضو الكنيست الإسرائيلي ووزير الدفاع السابق أفيغدور ليبرمان، والثاني لعضو مجلس النواب الأمريكي عن الحزب الديمقراطي، رو خانا، ممثل ولاية كاليفورنيا.

ويعكس التصريحان حالة من القلق والخوف الذي أثاره الإعلان عن اتفاق نووي بين الولايات المتحدة الأمريكية وبين المملكة العربية السعودية خاصة في الأوساط المنحازة للكيان الصهيوني وكذلك بين السياسيين الإسرائيليين الذين يتوجسون خيفة من أن يؤدي ذلك إلى أن تتحول السعودية إلى تهديد نووي جديد في المنطقة، وهو ما لم يثره اتفاق سابق مماثل بين الولايات المتحدة الأمريكية ودولة الإمارات العربية عام 2009. وذلك لاختلاف اتفاق الإمارات عن الاتفاق الأمريكي السعودي الذي بموجبه يمنح ترامب السعودية ما كانت تسعى إليه من دون أن يحصل في المقابل على أي تنازلات لصالح إسرائيل، كما أنه لم يتضمن “المعيار الذهبي” الذي يمنع السعودية من تخصيب اليورانيوم ومعالجة الوقود النووي المستنفد، وهما مساران يمكنانها من إنتاج مواد تستخدم في صنع رأس حربي نووي. كما لا يتضمن الاتفاق “البروتوكول الإضافي” الذي يفرض رقابة دولية أوسع حيث أن مسودة الاتفاق لا تلزم المملكة السعودية بتبني اتفاقية قياسية معززة للضمانات الدولية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ولذلك يثور القلق الإسرائيلي وربما الإقليمي من هذا الاتفاق.

في المقابل يرى الطرف الأمريكي مكاسب عدة في اتفاقه مع المملكة السعودية وهو ما أكده وزير الطاقة الأمريكي، كريس رايت، الذي يرى أن الاتفاق سيسهم في تعزيز الاقتصاد الأمريكي وتقوية الأمن القومي، وأنه “سيلتزم بأعلى معايير السلامة النووية ومنع الانتشار النووي” دون أن يوضح أية تفاصيل.

من جهة أخرى أثار الاتفاق قلقا وجدلا كبيرا بين أعضاء الكونجرس خاصة فيما يتعلق بإمكانية التخصيب وإعادة المعالجة داخل المملكة، فضلًا عن غياب التزام معزز من جانب الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

بينما قال السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة، مايك والتز أن مبادئ الصفقة قائمة، “لكننا نجري محادثات مع السعوديين بشأن تطبيع العلاقات مع إسرائيل”، مؤكدًا أن الصفقة لن تُنفذ بالكامل إلا بعد حدوث التطبيع.

إصرار سعودي وتحول استراتيجي أمريكي

ومن ثم نحن أمام اتفاق له خصوصية، يختلف عن سابقه مع الإمارات الذي فرض عليها الرقابة الدولية من جانب الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتخلي عن التخصيب وإعادة المعالجة، وهو ما لم يحدث في اتفاق  السعودية. 

كما أن الاتفاق السعودي الأمريكي له خصوصية أيضا في التوقيت بالتوازي مع مجريات الأحداث الساخنة في الشرق الأوسط وعلى رأسها الصراع العسكري والسياسي المتوازي بين إيران وأمريكا والذي اشتعل أساسا بسبب البرنامج النووي الإيراني.

كما أن هذا الاتفاق يمثل تحولا استراتيجيا تاريخيا يمنح الرياض مزايا تفوق غير مسبوقة، مقابل تحقيق مكاسب جيوسياسية واقتصادية لواشنطن، لكنه يظل محاطاً بضغوط سياسية إقليمية تشكل تحديات كبيرة له. وهو يعكس استمرارا في التحول الكبير في سياسة إدارة ترمب الخارجية بالانخراط في الشرق الأوسط بعد أن كان رافعا شعار أمريكا أولا، فلم يكتف بالدخول في حرب شرسة غير مضمونة العواقب في مواجهة إيران، بل يتجه لإبرام صفقات إقليمية نحو مزيد من توطيد العلاقات مع الحلفاء الإقليميين دون الالتفات لأثر ذلك على استفزاز المشاعر الإسرائيلية أو إثارة حالة من السباق النووي في المنطقة خاصة لو دخلت أطراف أخرى تطالب باتفاق مماثل. 

كما يأتي هذا الاتفاق بعد ثماني سنوات من تصريح لولي العهد محمد بن سلمان بأنه إذا طوّرت إيران أسلحة نووية، فينبغي أن يُسمح للسعودية بتطويرها أيضاً. ومن ثم فإن هذا الاتفاق يعد تتويجا لمرحلة طويلة من التخطيط والإصرار السعودي على الدخول إلى عصر استخدام الطاقة النووية.

ولكنه في نفس الوقت يثير تساؤلات عديدة عن انعكاساته على التوازنات في الشرق الأوسط ومنطقة الخليج، وكذلك على استقرار المنطقة. كما تثور تساؤلات حول النتائج المترتبة عليه والمسؤوليات أو التنازلات التي يمكن أن يقدمها كل من الطرف الأمريكي والسعودي لاستمرار هذا الاتفاق في ظل التحديات الكبيرة التي تواجهه. ويبقى السؤال الأكثر إلحاحا هل تتحول السعودية إلى دولة نووية بالمعنى الشامل وتصبح الدولة الأكبر عسكريا واقتصاديا في المنطقة؟

اتفاقية 123

في أواخر شهر يوليو الماضي أعلنت كل من الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة العربية السعودية التوصل إلى اتفاق للتعاون النووي تبلغ قيمته مليارات الدولارات، يمتد لثلاثين عاما إستنادا إلى المادة 123 من قانون الطاقة الذرية الأمريكي لعام 1954 وهو الاتفاق الذي جاء تتويجا للمفاوضات الأمريكية السعودية في أكتوبر 2025، والذي تأخر إعلانه بسبب الحرب الدائرة مع إيران، وفقا لمصادر إعلامية غربية. وتعد المادة 123 هي الإطار القانوني للتعاون في مجال الطاقة النووية السلمية بين الولايات المتحدة ودول أخرى، ويجب أن يُرسل هذا الإتفاق إلى الكونجرس للمراجعة، وفق القانون الفيدرالي الذي ينص على قيام البيت الأبيض بذلك فور توقيعه.

يذكر أن تخصيب اليورانيوم وإعادة معالجة البلوتونيوم هما المساران الرئيسيان لإنتاج المادة الأساسية اللازمة لصنع الأسلحة النووية. ولا تُنتج معظم الدول التي تتطلب مفاعلاتها النووية المدنية اليورانيوم المخصب محليًا، بل تشتريه من موردين كالولايات المتحدة أو روسيا، وتستلمه في شحنات مُغلقة تحت إشراف دولي صارم. ومع ذلك فإن تقارير إعلامية أمريكية كشفت أن بند تخصيب اليورانيوم داخل السعودية وفق هذا الاتفاق يتضمن شروطا تفرضها الولايات المتحدة لكن تفاصيل القيود المحتملة لم تتضح بعد.

كما كشفت شبكة CNN  وفق مصادرها، أن الإدارة الأمريكية وافقت مبدئيًا على السماح للمملكة العربية السعودية بتخصيب اليورانيوم دون تفعيل الضمانات الدولية الرامية إلى منع تطوير الأسلحة النووية، وأن مسودة الاتفاقية لا تُلزم السعودية أيضًا بتبني اتفاقية قياسية مُعززة للضمانات النووية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والمعروفة باسم البروتوكول الإضافي، وذلك وفقًا لطلب إعفاء قدمته الإدارة الأمريكية إلى الكونجرس العام الماضي، ورسالة من وزارة الخارجية الأمريكية إلى المشرعين في مايو الماضي.

وأمام المخاوف التي أثارها الإعلان عن هذا الاتفاق كتب ترمب منشورا على وسائل التواصل الاجتماعي قال فيه إن الاتفاق النووي مشروط بانضمام السعودية إلى الاتفاقيات الإبراهيمية، لكنه لم يوضح ما إذا كان هذا الشرط منصوصاً عليه في نص الاتفاق أم إذا كانت السعودية قد وافقت عليه، أو إذا كانت ستكون مُلزمة بالانضمام إلى تلك الاتفاقيات. ومن ثم فلازالت هناك أمور معلقة وغير محسومة.

أما أبرز بنود الاتفاق فتشمل:

تخصيب اليورانيوم؛ حيث تتيح الاتفاقية للمملكة العربية السعودية إمكانية تخصيبه على أراضيها لتلبية احتياجاتها من الطاقة.

بناء منشأة التخصيب داخل المملكة، ويتولى بناءها الجانب الأمريكي دون نقل التكنولوجيا الحساسة مباشرة إليها.

مشاركة الشركات الأمريكية الكبرى في تزويد السعودية بالخبرات والتقنيات اللازمة لبناء وتطوير برنامجها النووي.

تشكيل لجنة تقييم؛ مكونة من فريق مشترك من البلدين لدراسة الجدوى التجارية قبل بدء أي عمليات تخصيب.

مكاسب وتحديات

لقد جاء هذا الاتفاق بعد مرور عام على توقيع اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك بين المملكة السعودية وباكستان، كما تلاه بأيام قليلة اتفاق أحدث هزة كبيرة على صعيد الشرق الأوسط؛ وهو الاتفاق الثلاثي بين المملكة وتركيا وباكستان والذي اعتبره البعض بمثابة نواة لناتو إسلامي جديد، على اعتبار أن الدول الثلاث أقطاب دولية إسلامية كبيرة.

تعد المملكة السعودية من الدول الكبرى في المنطقة وتحظى بمكانة سياسية واقتصادية رفيعة، كما تتمتع بنفوذ عسكري بدا واضحا في تعاملها مع الأزمة اليمنية؛ إذن فلماذا اتجهت إلى التعاون النووي مع أكبر قوة عسكرية وسياسية في العالم؟ ومالذي يعود عليها؟ كذلك ما الدافع وراء تحمس الولايات المتحدة الأمريكية لإبرام هذا الاتفاق ببنوده الاستثنائية في سابقة تاريخية دون خشية رد الفعل الإسرائيلي؟!

 إذن لابد وأن هناك مكاسب كبيرة ينشدها الطرفان من جراء هذا الاتفاق رغم التحديات المواجهة له، فما هي؟

بالنسبة للمملكة العربية السعودية فقد نجحت في تحقيق مكاسب سيادية وتكنولوجية من هذا الاتفاق متمثلة في تجاوز ما يعرف ب”المعيار الذهبي” بعدم توقيعها على البند القياسي الملزم للدول بالتخلي عن حق تخصيب اليورانيوم محليا، ما يعني إمكانية قيامها بتطوير الأمر نحو إنتاج الوقود النووي على أرضها مستقبلا. كما خلت الاتفاقية مما يلزم السعودية بتبني البروتوكول الإضافي الخاص بإتاحة الفرصة للوكالة الدولية للطاقة الذرية لرقابة النشاط النووي للمملكة، وهو ما يمنحها قدرا كبيرا من المرونة السيادية لم يتح لغيرها من قبل. ويضاف إلى ذلك استفادة المملكة من فرصة تطوير البنية التحتية التي يتطلبها هذا النشاط من بناء مفاعلات متطورة بدعم من شركات أمريكية عملاقة وتعظيم استفادتها الاقتصادية من مخزوناتها الهائلة من اليورانيوم والبالغ تقريبا 90 ألف طن متري، بما يسهم في توليد الكهرباء وتحلية المياه وتنويع مصادر الطاقة. 

أما بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية فقد أقدمت على اتفاقها النووي مع السعودية لأهداف استراتيجية واقتصادية؛ فهي من ناحية تريد إنعاش الاقتصاد وتقليص مشكلة البطالة لديها؛ حيث يتيح الاتفاق تدفق مليارات الدولارات إلى قطاع الطاقة التكنولوجي الأمريكي وخلق آلاف الفرص الوظيفية عالية الأجر، ومن ناحية أخرى تحرص على قطع الطريق على منافستيها الكبيرتين وربما في الشرق؛ وهما الصين وروسيا والعمل على حسم استبعادهما من المنافسة بعد أن كانوا يحاولون تقديم عروض بديلة للمملكة لبناء مفاعلات نووية.

ورغم تلاقي إرادتي الطرفين واتفاقهما حول بنود الاتفاقية، إلا أنه تظل هناك تحديات كبيرة تهدد استكمال هذا الاتفاق أو ربما تؤجل تنفيذه على أرض الواقع وهي كالتالي:

أولا: تحديات نابعة من مواقف الطرفين وثوابتهما التاريخية. فمن المعروف دعم الولايات المتحدة اللامحدود لدولة الاحتلال الإسرائيلي وحرصها على فتح طريق التطبيع أمامها مع مختلف الدول العربية. وفي المقابل هناك موقف ثابت للمملكة السعودية مفاده رفض الحديث عن أي تطبيع قبل إيجاد خارطة طريق قابلة للتنفيذ لإقامة دولة فلسطينية، ومن ثم فإن اشتراط ترمب انضمام السعودية للاتفاقيات الإبراهيمية لتفعيل الاتفاق النووي بشكل نهائي يكون بمثابة وضع العقدة في المنشار في ظل تمسك المملكة بموقفها الثابت.

ثانيا: تحديات نابعة من القلق الإسرائيلي الشديد من هذا الاتفاق ومحاولات بعض الصقور الإسرائيلية للضغط على الطرف الأمريكي لإفساد وإفشال تنفيذه على أرض الواقع حتى مع احتمالات النجاح في التطبيع الرسمي مع المملكة كثمن للاتفاق، وذلك خشية فقدان التفوق الاستراتيجي المطلق في المنطقة.

ثالثا: تحديات نابعة من اعتراضات داخل الإدارة الأمريكية نفسها والمعركة التي يتوقع أن يخوضها ترمب مع أعضاء الكونجرس لإقناعهم بتمرير الاتفاق والموافقة عليه، في ظل تحفظات ومخاوف كبيرة أبداها نواب ديمقراطيون من هذا الاتفاق الذي يرونه بداية لسباق تسلح نووي في الشرق الأوسط في ظل ما أسموه بالتنازلات التكنولوجية التي تقدمها الولايات المتحدة في هذا الاتفاق. 

انتصار كبير للدبلوماسية السعودية

على مدار ثماني سنوات منذ أعلن بن سلمان عن رغبة بلاده في التوجه للطاقة النووية السلمية، انتظرت السعودية الفرصة السانحة لتحقيق هذا الحلم بظهور شخصية ترمب البراجماتية على الساحة السياسية الأمريكية فهو شخصية ليس لديها أية مبادئ ولا ثوابت ولايعرف إلا لغة المصالح والمكاسب الاقتصادية بالدرجة الأولى، ومن ثم نجحت المملكة في استغلال ذلك وتحقيق هذه الخطوة التي تأجل الإعلان عنها عاماً كاملاً بسبب ظروف حرب إيران. ولكن رغم نجاح المملكة في فرض شروطها السيادية ومفهومها للأمن القومي، فإنها تواجه ضغطا سياسيا كبيرا من إدارة ترمب الذي يحاول صياغة نظام إقليمي جديد في الشرق الأوسط، وهو ما بشكل تحديا كبيرا أمام تحقق الحلم السعودي.  

ولكن ذكاء الإدارة السعودية بدا في الإعلان عن اتفاق مكة بعد أيام قليلة من الإعلان عن اتفاقها النووي مع الولايات المتحدة مما أدى إلى تعزيز موقفها التفاوضي والاستراتيجي في مواجهة الكونجرس الأمريكي وإثبات قدرتها كحليف قوي للولايات المتحدة قادر على بناء منظومة أمن واستقرار ذاتي دون الاعتماد المطلق وبما يكسر من مسألة الانفراد الأمريكي العسكري بالتفاصيل الإقليمية.

كما أن اتفاق مكة للدفاع المشترك مع تركيا وباكستان يكمل ما بدأته الرياض مع واشنطن، ببناء طبقات أمنية متعددة لمواجهة أي تراجع يمكن أن يحدث في الموثوقية الأمريكية، كما يمكنها من تنويع مصادر القوة والدعم اللوجيستي والعسكري المتبادل، وتعزيز الردع الذاتي والإقليمي في مواجهة التوترات التي تشهدها المنطقة.

وعلينا أن ننتظر ما ستسفر عنه قرارات الكونجرس تجاه هذا القرار، ليبقى السؤال مثارا عمن يبدأ بالتنازل من الطرفين؛ هل السعودية أم الولايات المتحدة؟!

هذا ما تكشفه الأيام المقبلة