Home / ﻗﺿﺎﯾﺎ ﺳﯾﺎﺳﯾﺔ / موضوع الغلاف / النووي الأميركي-السعودي: الصفقة المفاجئة

النووي الأميركي-السعودي: الصفقة المفاجئة


ترامب رهنها بالتطبيع والرياض تسقط الشروط

لا يُقرأ الاتفاق النووي المدني بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية، الذي وُقّع في 22 تموز (يوليو) 2026، كصفقة تقنية عابرة، ولا كمجرد تعاون في مجال الطاقة النووية السلمية. هو حدث مؤسس يعيد صياغة معادلات القوة في الشرق الأوسط، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التوازنات الإقليمية، حيث تصبح الرياض طرفا قادرا على فرض شروطه حتى في ملفات سيادية حساسة مثل البرنامج النووي.

والاتفاق، المعروف رسميا باسم “اتفاقية 123″، لا يعكس فقط تقاطعا في المصالح الاقتصادية والاستراتيجية بين البلدين، بل يكشف عن تحوّل عميق في فلسفة واشنطن تجاه الانتشار النووي، وعن صعود السعودية كلاعب إقليمي قادر على المناورة بين القوى الدولية الكبرى. لم يعد السؤال حول ما إذا كانت السعودية ستدخل العصر النووي، بل حول كيف ستغير هذه الخطوة خريطة النفوذ والردع في منطقة مضطربة أصلا.

تخصيب تحت الإشراف الأميركي:

تتميز الاتفاقية بخصائص نوعية تميزها عن سابقاتها في المنطقة. فهي تسمح للشركات الأميركية ببناء مفاعلات نووية مدنية في السعودية، وتفتح الباب، بعد دراسة مشتركة تستغرق عامين، أمام إمكانية إقامة منشأة لتخصيب اليورانيوم داخل الأراضي السعودية بمشاركة أميركية. وتمتد الشراكة لعقود، بقيمة تقدر بعشرات المليارات من الدولارات، وتخضع لرقابة أميركية مباشرة تحول دون أي استخدام عسكري.

يحول بند التخصيب الاتفاق من إطار تقني إلى نقطة تحول استراتيجية. في الأدبيات النووية، يشكل التخصيب الخط الفاصل بين الاستخدام السلمي والقدرة العسكرية الكامنة. فالدول التي تمتلك دورة وقود نووي كاملة، حتى لو لأغراض مدنية، تقترب نظريا من “عتبة السلاح”. ولذلك، فإن السماح للسعودية بإمكانية التخصيب ولو تحت إشراف أميركي، حتى لو نفى الرئيس الأميركي دونال ترامب لحسابات داخلية ذلك، يمثل سابقة في السياسة الأميركية الحديثة، التي لطالما سعت إلى تقييد هذا الخيار لدى حلفائها.

هنا يكمن جوهر الصفقة: فواشنطن لم تمنح الرياض مجرد مفاعلات، بل منحتها إمكانية امتلاك المعرفة والسيطرة الصناعية على جزء من دورة الوقود النووي. وهذا ما لم يحصل حتى مع حلفاء مقربين مثل الإمارات، التي وقّعت اتفاق 2009 وفق “المعيار الذهبي” الذي يحظر التخصيب بالكامل.

لماذا تنازلت واشنطن؟

يسعى الباحثون إلى الاهتداء إلى جواب على السؤال: لماذا قبلت الولايات المتحدة بما رفضته سابقا؟ الإجابة لا تكمن في سبب واحد، بل في تشابك ثلاثة عوامل حاسمة.

أولا، المنافسة الدولية على النفوذ. كانت السعودية أمام خيارات متعددة، بينها عروض من الصين وروسيا وفرنسا. وفي عالم يتجه نحو تعددية قطبية، لم يعد بالإمكان فرض الشروط الأميركية التقليدية دون ثمن. فدخول الصين أو روسيا إلى هذا الملف لا يعني فقط خسارة عقود بمليارات الدولارات، بل فقدان واشنطن لورقة نفوذ استراتيجية في منطقة حساسة.

ثانيا، إنقاذ الصناعة النووية الأميركية. تعاني الصناعة النووية الأميركية منذ سنوات من تراجع القدرة التنافسية أمام الصين وروسيا. فبينما تبني موسكو وبكين مفاعلات في دول مختلفة بشروط مغرية، تراجعت الحصة الأميركية في السوق النووية العالمية بشكل ملحوظ. وتمثل هذه الصفقة فرصة لإعادة إحياء القطاع، عبر عقود بمليارات الدولارات، وتأمين وظائف، وتعزيز صادرات التكنولوجيا النظيفة.

ثالثا، إعادة تثبيت التحالف مع الرياض. بعد سنوات من التوتر النسبي، تسعى واشنطن إلى إعادة ترسيخ شراكتها مع السعودية، ليس فقط كحليف نفطي، بل كركيزة في الأمن الإقليمي وموازنة النفوذ الإيراني والصيني. وفي وقت تتصاعد فيه المخاوف من تمدد النفوذ الصيني في الخليج، تصبح الشراكة النووية مع الرياض وسيلة لضمان بقاء واشنطن في قلب المعادلة الأمنية الإقليمية.

بالنسبة للرياض، تأتي الصفقة في سياق رؤية 2030، التي تهدف إلى تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط. غير أن البعد الاقتصادي لا يختزل دوافع المملكة.

يمنح البرنامج النووي السعودية ثلاثة مكاسب استراتيجية:

1-أمن طاقي طويل الأمد، في ظل تزايد الطلب المحلي على الطاقة.

2-نقل تكنولوجيا متقدمة وبناء قاعدة صناعية جديدة، ما يعزز القدرات الوطنية ويخلق فرص عمل في قطاعات متطورة.

3-هامش ردع استراتيجي غير معلن، في بيئة إقليمية مضطربة.

وفي خلفية الصفقة تظل التصريحات السابقة لولي العهد محمد بن سلمان، حول احتمال السعي لامتلاك سلاح نووي إذا امتلكته إيران، حاضرة. فحتى لو كان البرنامج مدنيا بالكامل، فإن امتلاك قدرات تخصيب يضع المملكة في موقع مختلف تماما على خريطة القوة الإقليمية.

ويلفت خبراء في شؤون المنطقة إلى ملاحظة مهمة مفادها أن السعودية لم تعد تكتفي بدور “الحليف التابع”، بل أصبحت طرفا قادرا على التفاوض بفرض شروطه، حتى مع أقوى دولة في العالم. هذا التحول يعكس نضجا في الدبلوماسية السعودية، وقدرة على المناورة بين القوى الدولية لتحقيق مصالح وطنية عليا.

غياب “المعيار الذهبي”:

تختلف الاتفاقية عن “المعيار الذهبي” الذي وقّعته الإمارات مع الولايات المتحدة عام 2009، والذي يحظر التخصيب المحلي وإعادة معالجة الوقود المستهلك. ولا تتضمن الصفقة السعودية البروتوكول الإضافي للوكالة الدولية للطاقة الذرية. ويسمح البروتوكول الإضافي عادة لمفتشي الوكالة بالدخول إلى مواقع غير معلنة، وأخذ عينات بيئية من أي مكان، والحصول على معلومات أوسع عن دورة الوقود النووي بأكملها، وإجراء عمليات تفتيش قصيرة الإخطار أو حتى مفاجئة نسبياً. 

وفق مصادر أميركية، فإن رفض البروتوكول كان ضرورياً لإقناع السعودية بالاختيار الأميركي بدلاً من العروض الصينية أو الروسية أو الفرنسية. يأتي هذا الغياب متزامناً مع بند آخر في الصفقة يسمح للسعودية، بعد دراسة مشتركة أميركية-سعودية تستغرق عامين، ببناء منشأة لتخصيب اليورانيوم داخل أراضيها بمشاركة شركات أميركية. غياب البروتوكول يعني مستوى أقل من الشفافية الدولية، مما يثير مخاوف جدية لدى بعض أعضاء الكونغرس الأميركي وخبراء عدم الانتشار وإسرائيل.

وأحد أكثر عناصر الاتفاق إثارة للجدل هو غياب شرطين أساسيين في منظومة عدم الانتشار: حظر التخصيب المحلي، وتوقيع البروتوكول الإضافي للوكالة الدولية للطاقة الذرية.

يعني هذا الغياب أن مستوى الشفافية الدولية سيكون أقل مما هو معمول به في حالات مشابهة، ويمنح السعودية مرونة أكبر في إدارة برنامجها. ومن منظور أميركي، يبدو هذا التنازل ثمنا ضروريا لمنع دخول الصين أو روسيا إلى هذا الملف. ففي مفاوضات استمرت سنوات، كانت الرياض مصرة على الاحتفاظ بحق التخصيب، ورفضت أي قيود من شأنها أن تجعلها أقل سيادة من جيرانها.

أما من منظور المنتقدين (لا سيما في إسرائيل)، فهو سابقة خطيرة قد تفتح الباب أمام مطالب مماثلة من دول أخرى. وهنا تكمن المفارقة: واشنطن، التي كانت تقود جهود الحد من الانتشار، أصبحت تقبل استثناءات عندما يتعلق الأمر بحلفائها.

قلق إسرائيل: 

لم تعلن إسرائيل معارضة صريحة للصفقة، لكنها عبرت عبر تسريبات ومواقف غير مباشرة عن قلقها العميق، خصوصا من بند التخصيب. تاريخيا، اعتمدت إسرائيل على تفوق نوعي في المجال النووي، مع حرص شديد على منع أي دولة في المنطقة من امتلاك قدرات مماثلة. ولذلك، فإن منح السعودية هذا الهامش،حتى لو تحت رقابة،  يمثل تحديا لهذا التفوق.

غير أن الموقف الإسرائيلي معقد، إذ يتقاطع مع مسار التطبيع. فواشنطن حاولت ربط الصفقة بانضمام الرياض إلى “اتفاقيات إبراهيم”، وهو ما اعتبرته إيران دليلا على الطابع السياسي للاتفاق. لكن السعودية، وفق المعطيات، رفضت إدخال هذا الشرط ضمن الاتفاق، ما يعكس تمسكها بفصل المسارات وعدم ربط الملفات السيادية بمقايضات سياسية مباشرة.

في الوقت نفسه، تدرك إسرائيل أن معارضة الصفقة علانية قد تضر بعلاقاتها مع الرياض، التي تأمل إسرائيل أن تشهد تحسنا تدريجيا. ولذلك، يبدو أن الموقف الرسمي سيظل محكوما بحسابات دقيقة توازن بين القلق الأمني والفرص الدبلوماسية.

القراءة الإيرانية:

في طهران، لم يُقرأ الاتفاق كصفقة طاقة، بل كتحول جيوسياسي موجه ضدها. الخطاب الإيراني ركز على ثلاث نقاط رئيسية شكلت جوهر القراءة الإيرانية للحدث:

أولا، ازدواجية المعايير الأميركية. فمن منظور إيراني، تمنح واشنطن الرياض ما كانت ترفضه لطهران. فبينما تخضع إيران لعقوبات صارمة وقيود مشددة على برنامجها النووي، وتواجه تهديدات عسكرية متكررة لمنشآتها، تُمنح السعودية مساراً أكثر مرونة دون “المعيار الذهبي”. ويعزز هذا التباين الرواية الإيرانية القائلة إن القضية ليست الانتشار النووي بحد ذاته، بل الاصطفاف الجيوسياسي لمكافأة الحلفاء ومعاقبة الخصوم.

ثانيا، محاولة بناء محور إقليمي يضم إسرائيل والخليج. ترى طهران أن الاتفاق جزء من استراتيجية أميركية أوسع تهدف إلى عزل إيران وتعزيز التحالفات المعادية لها. وربط ترامب الصفقة بالتطبيع مع إسرائيل يعزز هذه القراءة، إذ يجعل من القدرات النووية أداة جيوسياسية لشراء التطبيع، وليس مجرد تعاون في مجال الطاقة المدنية.

ثالثا، خطر سباق تسلح نووي في المنطقة. حذر الإعلام الإيراني والمتشددون في طهران من أن الاتفاق قد يدفع دولاً أخرى مثل مصر وتركيا والإمارات إلى السعي لقدرات مشابهة، ما يقوض أي جهود للحد من التسلح ويدفع المنطقة نحو عدم استقرار أعمق.

وتستند إيران في موقفها إلى مقارنة واضحة: بينما تخضع لقيود صارمة وضغوط وعقوبات بسبب برنامجها النووي، يُسمح للسعودية بمسار مشابه دون الالتزام بالمعايير نفسها. هذا الواقع يمنح طهران ورقة تفاوضية قوية، يمكن استخدامها للمطالبة بحقها في التخصيب، أو لتبرير أي تشدد مستقبلي في المفاوضات.

بل إن بعض التحليلات الإيرانية تذهب أبعد، معتبرة أن الصفقة تعني فشل سياسة “الصبر الاستراتيجيي” الإيرانية، التي اعتمدت على الانتظار والدبلوماسية، وتقترح أن الانخراط الذكي قد يكون أكثر فعالية من المواجهة المستمرة. ويربط هؤلاء الصفقة بجهود إعادة تشكيل المنطقة لصالح إسرائيل والخليج، مستغلة اللحظة التي تواجه فيها إيران ضغوطا عسكرية واقتصادية.

في هذا السياق، يبرز تصريح وزير الداخلية الإيراني علي زيني وند، الذي حذر من أنه “إذا بدأ سباق تسلح في المنطقة، فإن أيدينا أكثر حرية من الجميع”. وتحمل هذه العبارة دلالات واضحة على أن إيران تمتلك معرفة نووية متراكمة وخبرة تقنية، وأنه رغم العقوبات، فإن قدراتها قد تتفوق على غيرها إذا دخلت المنطقة في سباق مفتوح.

وتنقل المصادر الإيرانية عن محللين مقربين من السلطة تساؤلات حول ما إذا كان القادة الإيرانيون ما زالوا يتصرفون بحسن نية تجاه أميركا والوكالة الدولية للطاقة الذرية، في ظل هجمات وتهديدات أميركية لمنشآت نووية إيرانية. ويعكس هذا الخطاب حالة من الإحباط المتزايد، وشعورا بأن الصبر الاستراتيجي لم يعد يجدي في مواجهة ما تراه طهران نفاقا أميركيا صارخا.

وتضيف مصادر دبلوماسية إيرانية أن الأمر يمنح طهران حجة قوية مفادها أنه إذا كان التخصيب مقبولا للسعودية، فلماذا يحرم على إيران؟ ما يعزز التشدد الإيراني في أي محادثات، ويجعل التنازلات أصعب، خاصة أن طهران تعتبر برنامجها حقا سياديا سلميا.

الخوف من سباق نووي:

يتمثل القلق الأكبر الذي يطرحه الاتفاق في احتمال انتقاله من حالة استثنائية إلى نموذج قابل للتكرار. فإذا حصلت السعودية على برنامج نووي مع إمكانية تخصيب، فإن دولا مثل مصر، التي وقّعت اتفاقات نووية مع روسيا، قد تسعى لمراجعة شروطها. وتركيا، التي طورت برنامجها النووي المدني، قد تطالب بمعاملة مماثلة. والإمارات، رغم التزامها بـ “المعيار الذهبي”، قد تعيد النظر في سياستها إذا تغيرت المعادلة الإقليمية.

ويعني هذا السيناريو الانتقال من إلى “شرق أوسط متعدد القدرات النووية” قد ينافس قدرات إسرائيل النووية “المكتومة”، وهو تحول جذري في بنية الأمن الإقليمي. غير أن هذا الاحتمال ليس حتميا. فالكلفة التقنية والسياسية لمثل هذه البرامج لا تزال مرتفعة، كما أن الرقابة الأميركية قد تبقى عاملا كابحا.

وتبرز هنا ثلاثة سيناريوهات:

-الأول، بقاء الصفقة حالة استثنائية، محصورة في إطار الشراكة الأميركية-السعودية، دون أن تنتقل إلى دول أخرى.

-الثاني، انتقال النموذج إلى دولة أو دولتين أخريين، ما يخلق توازنا نوويا جديدا في المنطقة. الثالث، انهيار المنظومة التقليدية لعدم الانتشار، ودخول المنطقة في سباق نووي مفتوح.

-الثالث هو الأكثر ترجيحا إذا استمرت واشنطن في سياساتها الانتقائية. وترى طهران أن أي سباق تسلح سيعطيها ميزة نسبية، نظرا لتراكم الخبرة النووية رغم عقود من العقوبات.

ترامب والكونغرس: 

شيء ما حصل في واشنطن دفع ترامب بعد ساعات من توقيع الاتفاق لنشر موقف يؤكد فيه أن الموافقة على الاتفاق النووي مشروطة بانضمام الرياض إلى اتفاقيات أبراهام. بدا من ذلك للوهلة الأولى أن للنشر والعجلة في توقيته دواعي أميركية داخلية لا علاقة لها بالمملكة، حتى أن تلك الانعطافة جرت من دون الاتصال بالرياض وكأن في الأمر “تهريبا” خلفيا لا علاقة له بشكل ومضمون الصفقة والعلاقة التي يريدها ترامب نفسه مع القيادة السعودية.

أثار تصريح الرئيس دونالد ترامب، الذي ربط الاتفاق بالتطبيع مع إسرائيل، تساؤلات حول خلفياته. تشير المعطيات إلى أن هذا الموقف لم يكن جزءا من نص الاتفاق، بل جاء في سياق ضغوط داخلية أميركية، سواء من الكونغرس أو من اللوبيات المؤيدة لإسرائيل.

وقد يكون الهدف من هذا الربط: تسهيل تمرير الاتفاق في الكونغرس، حيث يتطلب الاتفاق موافقة تشريعية خلال 90 يوما. طمأنة إسرائيل، التي أعربت عن قلقها من بند التخصيب. وتحقيق مكسب سياسي داخلي، عبر إظهار ترامب كقائد يربط بين الملفات النووية والتطبيع.

لكن هذا الطرح اصطدم بالموقف السعودي، الذي أكد أن الاتفاق تم دون أي شروط سياسية إضافية، ما يعكس استقلالية القرار السعودي في هذه المرحلة. وهنا تبرز ملاحظة مهمة مفادها أن ترامب، الذي كان يروج لصفقة القرن ولتطبيع شامل، وجد نفسه أمام شريك سعودي يرفض ربط الملفات، ما يعكس تغيرا في ديناميات العلاقة.

من منظور إيراني، فإن ربط ترامب الصفقة بالتطبيع يعزز الرواية القائلة إن الهدف الحقيقي ليس الطاقة المدنية، بل بناء كتلة تطبيعية معادية لإيران. وتضيف المصادر الإيرانية أنه حتى لو أضاف ترامب لاحقا نفي التخصيب، فإن التوقيت يقرأ كمناورة سياسية لامتصاص انتقادات داخلية وإسرائيلية، دون تغيير الجوهر، وهو تعزيز المحور ضد إيران.

تحولات في عقيدة عدم الانتشار

تمثل الصفقة تحولا واضحا في السياسة الأميركية تجاه عدم الانتشار النووي. فبدلا من فرض قيود صارمة، باتت واشنطن تعتمد مقاربة أكثر براغماتية تقوم على احتواء البرامج النووية ضمن إطار تحالفي، بحيث تظل تحت السيطرة الأميركية المباشرة. تقوم هذه المقاربة على ضمان الرقابة من خلال الشراكة المباشرة، بدلا من الاعتماد الكامل على الوكالة الدولية. ومنع دخول المنافسين الدوليين، مثل الصين وروسيا، إلى ملفات حساسة في دول حليفة.

هذه المقاربة تعكس إدراكا بأن منع الانتشار بشكل مطلق لم يعد واقعيا، وأن البديل هو “إدارة الانتشار” ضمن منظومة النفوذ الأميركي. غير أن هذا التوجه يثير انتقادات من خبراء عدم الانتشار، الذين يرون أنه يضعف المصداقية الأميركية ويفتح الباب أمام مطالبات مماثلة من دول أخرى.

من منظور إيراني، فإن هذا التحول يكشف أن عقيدة عدم الانتشار الأميركية كانت دوما أداة جيوسياسية، وليست مبدأ أخلاقيا أو استراتيجيا ثابتا.

ليست الصفقة النووية الأميركية-السعودية حدثا عابرا، بل لحظة مفصلية تعكس انتقال الشرق الأوسط من مرحلة “الحظر” إلى مرحلة “الإدارة”، ومن توازنات تقليدية إلى معادلات أكثر تعقيدا. والصفقة في ظاهرها هي اتفاق طاقة، أما في عمقها فهي إعادة رسم لخريطة النفوذ، وامتحان جديد لقواعد النظام الدولي في التعامل مع الانتشار النووي. أما نتيجتها النهائية، فستتوقف على سؤال واحد: هل ستبقى هذه الصفقة استثناء مضبوطا، أم تتحول إلى بداية سباق لا يمكن احتواؤه؟ والإجابة على هذا السؤال لن تتحدد في واشنطن أو الرياض فقط، بل في ردود فعل طهران وأنقرة والقاهرة، وفي قدرة المجتمع الدولي على التكيف مع معطيات جديدة قد تغير وجه الشرق الأوسط إلى الأبد.

ما هو مؤكد أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة، حيث يصبح اليورانيوم ليس مجرد مصدر للطاقة، بل عملة سياسية، وأداة ردع، وبوابة إلى توازنات إقليمية جديدة. وفي هذه المعادلة، تبرز إيران كطرف يقرأ الصفقة بعين الشك، وي نفسه لمواجهة مرحلة قد تكون أكثر اضطرابا من أي وقت مضى.

في السعودية بدا أن ملحقات ترامب لا تعني المملكة ولا تعني الاتفاق الذي تعرف واشنطن كيف تم التوصل إليه وما الدوافع الأميركية بالذات لتوقيعه. سئل مصدر سعودي هل وافقت السعودية في الاتفاق النووي أو في ملاحقه على تطبيع العلاقات في مرحلة ما مستقبلا؟ فأجاب: “لا”، فيما نقل عن مصدر سعودي مطلع إنه “تم التوقيع على الاتفاق النووي وانتهى كل شيء، ولا يوجد شروط جديدة إطلاقا لنتفاوض عليها”. لسان حال الرياض يقول إن للتطبيع شروطا ما برحت المملكة تكررها وتؤكدها (لا تطبيع بدون مسار لاقامة دولة فلسطينية)، وإنها صاحبة قرار في الاستغناء عن أي صفقة مشروطة بما رفضته الرياض وترفضه وأن أمام الرياض في العالم بدائل واسعة.

يقف ترامب وراء دفع وزيره المختص لإبرام الاتفاق مع نظيره السعودي بالنص الذي نشر وبالمعايير التي وضعت. تمتلك السعودية حقوق التخصيب إذا ارتأت ذلك وسط إجراءات رقابة شفافة تشرف عليها الشراكة الأميركية. بدا أن كوابح أميركية داخلية إضافة إلى تلك الإسرائيلية قد تكون وراء ارتجال الرئيس الأميركي بعض النقاط على بعض الحروف. غير أن في تلك النقاط ما لا يبقي حروفا للاتفاق برمته.