في هذه البقعة الجغرافية الممسوسة بالخوف والقلق، من الطبيعي أن تكون أغلب الولادات البشرية ذوات انحناء في الرقبة، وطأطأة في الرأس، وتقوِّس في العمود الفقري؛ مع ملامح وجه يغلب عليها الخجل. يمكن أن تلاحظ بوضوح أنَّ العيون ترتجف، كما لو أنَّها لا تقوى على استدامة النظر إلى شيء أو شخص بعينه؛ مع توجيه شبه دائم لمدى النظر نحو الأسفل. وستلاحظ أيضًا أنَّ الشفاه ترتعش ما أن هَمَّت في نطق حتَّى تحيَّة الصباح.
رقبةٌ مشدودةٌ مقابل خسارة كرتونة:
كنت في الصف الثالث الابتدائي، عندما لاحظتُ أنَّ رقبتي بدأت بالانحناء من كثرة قولي لكلمتي «نعم» و «حاضر». ثمَّ في يوم توزيع الجلاءات المدرسية للفصل الدراسي الأوَّل، أعطت المعلِّمة منى ابنها شهادة امتياز، وأخبرتنا أنَّه نال المرتبة الأولى بمفرده، في حين أعطتني شهادة تفوُّق وأخبرتني أنِّي حصلت على المرتبة الثانية. وضعت الجلاء مع شهادة التفوُّق على طاولتها وقلت لها: «لا أريدهم». وبمجرَّد لفظي لكلمة «لا»، لاحظت أنَّ شكل رقبتي قد تغيَّر قليلًا. ملاحظةٌ كانت حينها بمثابة أعظم اكتشافاتي، لذلك حين وبَّختني المعلِّمة على سلوكي، ابتسمت لاكتشافي وكرَّرت قولي: «لا أريدهم». ثمَّ أضفت: «أنا أشطر من ابنك». وسرعان ما لاحظت التأثير الخفي المباشر لكلمة «لا» للمرَّة الثانية على رقبتي.
وحين وصلت البيت، كان أخوتي يستعرضون جلاءاتهم على أمِّي، سألتني عن جلائي المدرسي، فأخبرتها عن ما حصل، فوبَّختني. قلت لها صباح اليوم التالي: «لا أريد الذهاب إلى المدرسة»، ولاحظت هنا الاستقامة التي اكتسبتها رقبتي تمامًا. شدَّتني أمِّي من أذني، وأنا أكرِّر رفضي الذهاب إلى صفِّ تلك المعلمة الغشَّاشة، التي تُحابي ابنها على بقية التلاميذ. كانت طبيعة عمل والدي تفرض غيابه عن المنزل عدَّة أيَّام، وصادف ذلك اليوم موعدُ عودته، وحين أخبرته بالحادثة وأنِّي الأشطر وأستحق الامتياز، احتضنني ووعدني بأنَّه سيحلُّ الأمر. صباح اليوم التالي، ذهب معي إلى المدرسة، حيث ناقش أثر الأمر على نفسيتي مع المديرة. كانت مديرة المدرسة امرأة حنونة جدًّا، ورحيمة، وتتعاطف مع الطلاب. ربَّما لأنَّها كانت لا تُنجب الأطفال، وفاقد النعمة غالبًا مَن يشعر بقيمتها! أتذكَّر تمامًا ما قالته حينها للمعلمة منى، عبارة لم أفهم معناها آنذاك، لكن فهمته لاحقًا: «أتقتلين رغبة طفلة في التعلُّم، وهي بالفعل مميزة، بسبب كرتونة طُبعَ عليها رسومات؟».
كانت المعلِّمة منى عنيدة ومتحيِّزة، ولم تغيِّر موقفها. وعلى الرغم من أنِّي لم أحصل حينها على كرتونة مكتوب عليها «امتياز»، لكنِّي حصلت على رقبة مشدودة ميَّزتني عن كافة أبناء جيلي، الذين كلَّما تقدَّموا في صف اكتسبوا انحناء أشدَّ في رقبتهم.
عداوةٌ سبَّبت استقامة ظهري:
عندما كنت في الصف الثامن من مرحلة التعليم الأساسي، كانت قد أُلغيَت مسبقًا مادة التربية العسكرية من المنهاج الدراسي. ترافق إلغاؤها مع إلغاء مهمَّة مدرب الفتوُّة في المدارس، وتحويل مهمَّته إلى مشرف سلوك. وكنت قد سمعت مرارًا، من أخوتي وأبناء عمومتي وأخوالي الذين عاشوا مرحلة مادة التربية العسكرية، عن صفات مدرِّب الفتوة، الذي يتَّسم بوجه حادٍّ وطبع صارم وقلب قاسٍ.
وفي أحد أيَّام الفصل الدراسي الثاني، قرَّرت مشرفة السلوك معاقبة طلاب صفي، بعد عراك بين مجموعتين، فطلبت منَّا، متأثرة بوظيفتها السابقة كمدرِّبة فتوة، الزحفَ على ركَبنا. وعندما جثونا انتبهت إلى أنَّ تنفيذي لهذه العقوبة، سيؤدي إلى تخريب حذائي الأسود الشاموا. الحذاء الذي اصطحبني أبي الأسبوع الفائت لشرائه، مكافأة منه لأنِّي حصلت على المرتبة الأولى، ومجموع شبه تام في الفصل الدراسي الأوَّل. لذا وقفت مباشرة، وقلت لمشرفة السلوك: «لا أريد تنفيذ العقوبة. فأنا أساسًا لم أُسِئ التصرُّف، إذن لماذا أُعاقب عن سلوك غيري؟». لاحظت مباشرة أنَّ تغيرًا ما، طرأ على استقامة ظهري.
انصدمت مشرفة السلوك، وجحظت عيناها. فهي قد قضت أكثر من عشرين عامًا من مهنتها في إعطاء مادة التربية العسكرية، وفي إرهاب الطلاب، وإصابتهم بأشدِّ أنواع الرعب بمجرَّد صرخة واحدة منها. ثمَّ بعد هذه المسيرة، تأتي طالبة لا يتجاوز طولها الـ 160 سم، بوجهٍ طفولي، وغمَّازتين، وبصوت طبقته منخفضة وهادئة لترفض أمرها، قائلة بكلِّ بساطة وثقة «لا أريد»! وسرعان ما صرخت في وجهي، لأنضمَّ إلى رفاقي، قائلة إنَّ العقوبة جماعية، وعليَّ التنفيذ مباشرة. كرَّرت رفضي لتنفيذ تلك العقوبة، وأعدت قولي: «لا أريد». وحينها لاحظت زيادة في استقامة ظهري. عندها نهرتني بصوت أعلى: «اذهبي إلى غرفة الإدارة، مباشرة».
نفَّذ طلابُ الصفِّ العقوبة مجتمعين، في حين كنت في مكتب المدير، أخبره بصدق وعفوية أنَّ مشرفة السلوك أرسلتني إلى الإدارة لأنِّي رفضت تنفيذ عقوبة قرَّرتها بسبب مشكلة، لا علاقة لي فيها، وقعت بين بعض زملائي، الذين انقسموا إلى فريقين متعاركين. حينها خيَّرني بين العودة إلى ساحة المدرسة لتنفيذ العقوبة مع زملائي أو العودة إلى المنزل والمجيء غدًا بصحبة أحد والدَي. فاخترت الذهاب إلى المنزل قائلة: «لا أريد تنفيذ عقوبة سلوك لم أفعله».
وجدت نفسي فجأة أبتسم، مجرَّد ملاحظتي لمدى الاستقامة التي اكتسبها ظهري. وهكذا أصبحت أكثر اختلافًا عن بقية التلاميذ، ليس في صفِّي وحسب، بل في المدرسة ككلٍّ: طالبةٌ برقبة مشدودة غير منحنية، وظهر مستقيم.
في البيت، أخبرت والداي بمجريات ما حدث. ذهب والدي برفقتي صباح اليوم التالي إلى المدرسة. حيث قابل المدير ومشرفة السلوك، وحوَّل الحوار معهما إلى شيء من الفكاهة، قائلًا وهو يضحك: «طفلة ومبسوطة بحذائها الجديد، والله لو انتزع كنت أنا عاقبتها، ويا حرام كانوا صاروا عقوبتين».
تقبَّل المدير وجهة نظر والدي، بعدما ذكَّره والدي أن إلغاء وزارة التربية لنظام الفتوُّة ترافق مع إلغاء هذا النمط من العقوبات للطلاب، ومع منع الضرب. كما ذكَّره والدي بأنِّي طالبة متفوُّقة ومهذَّبة، ومن غير المنطقي أن أُعامل أنا وغيري من الطلاب بهذه الطريقة، التي ستسبب حتمًا إحباطًا وتراجعًا في مستوانا الدراسي. لكن بقيت نظرات مشرفة السلوك تومئ لي بالتهديد والوعيد، كأنَّها تريد ابتلاعي. لكن، على الرغم من المضايقات التي ظلَّت توجهها لي على مدار فصل دراسي كامل، وأثر ذلك النفسي في داخلي، لم تنجح أبدًا في ابتلاعي، لأنِّي كنتُ مبتهجة بتميُّزي عن باقي طلاب المدرسة بظهري المستقيم ورقبتي المشدودة.
رؤية الأفق بعينين غير مرتجفتين:
خلال دراستي في المرحلة الثانوية ومن ثمَّ الجامعية، اكتشفت القوُّة الكامنة في كلمة «لا»، وهكذا استمرَّيت في استخدامها لمواجهة الكثير من المواقف والأشخاص، مستمتعةً بأنَّها تضبط لي شَدَّ رقبتي واستقامة ظهري. إلى أن جاء اليوم الذي أحدث تغييرًا في عينَي.
أخبرتني أمِّي أنَّ أحد أقربائي سيتقدَّم لخطبتي، وأنَّها سعيدة جدًّا لهذا الأمر. فبهذا الزواج سأسكن على بعد 500م عنها، ثمَّ تابعَت في سرد التفاصيل عن حياتي الزوجية والعائلية المستقبلية، التي رسمتها مع أمِّ العريس. وعندما انتهت علَّقت على كلامها بهدوء: «لا أرغب في الزواج منه». وهنا لاحظت أنَّ ثمَّة ارتجاف في عينَي، رافقني طوال ثلاث وعشرين عامًا، قد توقَّف. حاولت أمِّي إقناعي بالفكرة، وإغرائي بحياة رفاهية سأعيشها، وبأطفال سأنجبهم في العشرين؛ لكنِّي كرَّرت رفضي قائلة: «لا رغبة لي في الزواج حاليًا. أريد أن أصبح كاتبة». ومع تلَّفظي بهذه العبارة، تحوَّل أفق نظري من الأسفل إلى الأعلى.
وهكذا أصبحت أنثى بعينين غير مرتجفتين، وأفق نظر متَّجه نحو الأعلى. علامة فارقة ثالثة ميَّزتني عن الكثيرات من بنات جيلي، اللواتي سقطنَ في مصيدة الزواج المبكِّر والتقليدي، الواحدة تلوَ الأخرى.
عندما أحالتني «لا» إلى شاعرة
بعد ذلك، تضاعفت قراءاتي. ليس قراءة الكتب فقط، بل عبر الأفلام والإنترنت، ومن خلال علاقاتي مع آخرين من بيئات متنوِّعة، واعتناقات مغايرة كليًّا. وهُنا بدأت نبرتي تتغيَّر شيئًا فشيئًا، وزاد استخدامي لكلمة «لا». كما تغيَّرت طريقة استخدامي لها، فما عادت موجَّهة إلى أشخاص فحسب، وإنَّما إلى أفكار بالية، واعتقادات مجتمعية متحيِّزة، وسلوكيات عدم تقبُّل لاختلاف الآخر مجحفة. ومع هذه التغيرات تحوَّل صوتي من مجرَّد صوت هادئ إلى هادئ وواثق وغير مرتجف. قلت «لا» للمجتمع، «لا» للطائفية، «لا» للعنصرية، «لا» للتنمر، «لا» لنبذ الآخر، «لا» للعنف… وعندها توقَّفت شفتاي عن الارتعاش كليًّا.
إلى أن وصلتُ إلى مرحلة من التعب، بسبب أحوال البلاد وما فيها من حرب ودمار، قادتني إلى الاكتئاب بعد خسارات شخصيَّة. تطوَّر الأمر إلى زيارتي الطبيبة، وفي الجلسة الثانية وصفَت لي دواءً، مؤكِّدة أنَّه يتوجَّب عليَّ تناوله تحت إشرافها فقط. مسَكت الورقة التي كتبت عليها اسم الدواء، إضافة إلى بعض الإرشادات، تأمَّلتها، لمعت في عينيَّ كلمة «لا» المكتوبة. وعندها نطق اللاوعي عندي: «لا». «لا، أريد أن أعتمد على الدواء. سأختار طريقًا آخر». وكان ذاك الطريق هو: «الشعر».
بدأت في قراءة الشعر، كما كنت أفعل دومًا بطبيعة الحال. لكن هذه المرَّة، بدأتُ أيضًا في كتابته. كتبت قصائد عن الفَقد، والخذلان، والحزن. ثمَّ قصيدةً تلوَ الأخرى، وشيئًا فشيئًا، وبعد شجاعة في حذف الكثير من النصوص، الأمر الذي يُشبه القتل الرحيم، وُلِد ديواني الأوَّل: «يبدأُ الحزنُ رحيمًا». ثلاثٌ وثلاثون قصيدة، مسبوقة بإهداء إلى مَن أنقذني من أدوية الاكتئاب، مرادف كلمة «لا» في حياتي، إلى الشعر بذاته: «إلى سمو الشعر… إلى معاليه، وهو يُمسك بيدي برفق ليُساعدني على النجاة».




