تتعامل هاجر الرقيق مع الشعر بأسلوب إبداعي مفعم بالرّقة والحماس، ترصد المواقف الاجتماعية والخطفات النفسيّة من نظرة طفلة حالمة، وتحلّلها صورًا مجازيّة بعقل امرأةٍ تُعاين الشعور بالذنب، بالفلسفة:
“لأن عمى الألوان مرضٌ” تتشابهُ فيه النساء اللواتي يتعرضن للعنف في المجتمعات المطبّعة مع العنف على النساء، وهي المريضة بالشعر، الصادقة في “عفَنِها” كما تقول في قصيدة لها، ” طفلة يكفّرها العالم لأنها لا تضع طرحةً على عاطفتها”.
تنوعت موضوعاتها، فكتبت عن الكآبة بوجه المهرّج:
“عاش معي وحش السرير طيلة حياتي فردًا من افراد العائلة / رغم أنّ أمي كانت تسمّيه هرمونات المراهقة/ وأبي وسوسات الشيطان.. يعلق حرزًا أخضر في حزامي ليطردها..”
الملفت في شعر الرقيق أنّه ابنُ بيئته، ابن العربيّة وهي التي تكتب باللغة الإنكليزية أيضًا، وما يجعل من قولها الشعريّ جاذبًا أنّه كُتب بماء الصدق، ولم تأذن له صاحبته الغرق في الصور البلاغيّة الجميلة على حساب الحقيقة وعلى حساب بيئة وواقع الفرد في العالم العربي.
كتبت عن النساء العزباوات بقصيدة “ليست.. إباحيّة” ولكنّها لامست واقع النساء الوحيدات بيدِ من رقّة وجرأة:
“هل من صلاة استقساء للعوانس ياترى / حتى ينبت الفول والحمص من أقدارهنّ؟”
وبطرافة محزنة مُبطّنة بالإبداع تماهت مع مشكلات مجتمعها:
“ليس هناك أي مجاز في عبارة “عيشة زفت”
تفتخر أمي أمام نساء الحي بأنه لعائلتنا جوائز وميداليات/ في رياضة القفز من النوافذ..”
لا تترك الرقيق نصّها مفتوحًا على الفراغ واحتمالاته المُرهقة، ولا تقدمه جاهزًا على عربةٍ من البساطة، هي تعطيه من لحمها ودمها، وتتمازج روحها بروحه، حتى تلده بكامل فكرته وبأبهى غرابته.
ليس للشاعرة ديوان معلن، ولكن قصائدها تعبق بها مواقع التواصل الاجتماعي، ولها مشاركات في العديد من المجلات العربية والعالمية في الجامعات الكندية والأميركية، وقصائد منشورة في أنطولوجيات أدبية على موقع أمازون، شاركت في ندوات شعرية عن بُعد، وفي عدة مسابقات شعرية ورُشحت لجوائز عالميّة.
التقتها الحصاد للتعرف إليها ومعاينة تجربتها الجديرة بالاهتمام .
قصور الساف، المدينة المُلهمة..
هي ابنة مدينة “قصور الساف” التونسية، التي لا زالت تحافظ على ذلك الطّابع الرّيفي، والكلام للشاعرة ، والذي لم تلوّثه أصابع التّمدّن بعد: ” الأزقّة المليئة برائحة “الكسكسي” والفلفل المجفّف، هتافات الباعة الحماسيّة في باحة السّوق الأسبوعيّة، الملاءات المنشورة فوق الأسطح بألوانها الفاقعة…، كلّها تفاصيل تغذّي مخيّلتي وتنعش روحي.. أؤمن أنّ الشّعر يعيش ويتنفّس داخل المنزل، على الشّارع، في احتكاك الأكتف بين المارّة والمتبضّعين.. أؤمن أنّ اليوميّ هو موطن الشّعر وموطئ قدميه، وطبيعة البيئة في “قصور السّاف” منحتني الكثير من تلك المشهديّة الحسّيّة الزاخرة بالتّفاصيل والتي أعتبرها مصدر إلهام حقيقي لجلّ ما أكتبه.”
“فالشّعر يقيم خارج النصّ أيضًا: ضحكة طفل صغير، تفتّح وردة، أسماؤنا حين ينادي علينا من نحبّ.. كلّ ما يحرّك العاطفة ويوقظ الفكر ويعمّق الوعي الجمالي بالعوالم المحيطة بنا هو بالنّسبة لي قصيدة؛ قصيدةٌ متحرّكة تعيش فوق الأرض”.
الشعر الحقيقيّ لا يحتاج جائزة.
صافحت الرقيق الأدب في سنّ مبكّرة ، كما تصرّح، وتتحدث عن علاقتها الهرمونية بالشعر: ” لا أكتب الشّعر فقط؛ أتنفّسه، أنبض به، أعيشه وأعيش معه كما لو كنتُ في ٱرتباطٍ عاطفيّ.. أردّد دائما فيما يشبه الدّعابة السّوداء أنّني “مصابةٌ بالنصّ، مريضةٌ بالنصّ، وما أجمله من مصاب وما أجلّه من مرض!”. في المراهقة كانت تنشر نصوصها على صفحتها الشخصيّة في الفيسبوك، وكان التفاعل محدودًا، وانقطعت بعدها عن النشر، ثم عادت للنشر في نهاية العام 2023، ولاقت اهتمامًا كبيرًا من عدد المتابعين وتعرفت إلى الكثير من الشعراء والنُقاد، ومحبيّ الشعر.
تخصّصت الرقيق في اللّغة الإنجليزيّة وأدبها وحضارتها، وهي تكتب باللّغتين العربيّة والإنجليزيّة. وترى بأن الكتابة بلغة أجنبية لا تعني الانفصال عن الواقع، وتوضّح: “الفكرة الرّائجة عند الكثيرين أنّ الكتابة بلغة أجنبيّة تحقّق لكاتبها نوعًا من الانفصال العاطفيّ ممّا يحرّره من أحكام مجتمعه ويوسّع مساحات التّعبير عنده، لكنّني في الحقيقة لا أشعر أنّ هذا الرّأي يصحّ عليّ شخصيًّا. أكتب بنفس القدر من الحريّة في كلا اللّغتين، وأرفض أن أنصّبَ المجتمع بوليسًا على فكري.”
وعن مسارها الشعري، تقول: لا أظنّ أنّ احتراف الكتابة هدف يجب أن يضعه الشّاعر نصب عينيه وإلاّ حتّم على نفسه الموت الإبداعي، ما أطمح له دائما أن أكتب نصًّا أفضل من سابقه.
شاركت الرقيق، كما ذكرت، في مسابقات عالميّة عديدة وتحصّلت على تتويجات وجوائز من دور نشر مرموقة مثل Only Poems, Southeast Review, Contemporary Verse2..
وتستطرد: “على الرغم من ٱعتزازي بهذه الإنجازات المتواضعة، فلا أؤمن أنّها هي من تصنع مكانة الشّاعر أو تحقّق ذاته.. والشّعر الحقيقي لا يحتاج جائزة أو تتويجًا ليبرهن على نفسه.”
شاركت الرقيق في ورشة شعريّة نظّمتها أكبر منصّات الشعر الحديث في الولايات المتحدة الأمريكيّة “Button Poetry” وقد تواصلت فيها الدّروس على ٱمتداد سنة 2025 كاملة وكانت فيها العربيّة والمسلمة الوحيدة من بين 15 طالبا.”
وقد كان للتجربة أثرًا في تكوينها ورؤيتها الشعريّة: ” فما يجعل الشّعر لغة عالميّة؛ أنّه يتجاوز ما هو شكليّ وزائل ليبلغ أعماق ما هو جوهريّ وثابت..”
الكتابة بحُريّة
تجعل الرقيق من النص بيتًا بانطلاقها من البيت نفسه ، كما تقول، وحميميّة لا يتحسّسها إلّا من جنح في خياله مع تخيلاتها المجازيّة :” من أصغر التفاصيل لأهمّها، من رائحة التّوابل بالمطبخ إلى تفكّك العلاقات الأسريّة..” توضح: “أتجوّل بين أرجاء الحياة اليوميّة بعقل يشبه عدسة الكاميرا: ألتقط صورًا ذهنيّة ملوّنة لدقائق الأمور التي كثيرًا ما نغفل عنها بحكم التّعوّد و أوتوماتيكيّة ردود الفعل. أعتقد أنّ كتاباتي تنبع دائما من هنا؛ من هذه الرّغبة في التّحرّر من العادة وتجديد نظرتنا للموجودات التي بهُت لونها نتيجة خمول آليّات الإدراك عندنا.. من المهمّ جدًّا أن يشتغل الشّعر على ملامسة تلك المنطقة الحميميّة من حياتنا، ولكن أيضًا أن يمنحها مدلولات جديدة تنوء بها من الرّتيب والمكرّر من الصّور والمجازات.
وترى أن الشعر، يقتضي ” الانزياح باليوميّ والبسيط إلى مساحات غير مألوفة من المعنى وكسر أفق التّوقّع لدى المتلقّي..”
وتذكر بأنّ تخصصها في الأدب الإنكليزيّ ودراستها للشّعر الاعترافي ساعداها كثيرًا للوصول إلى مناطق تعبيريّة طالما سعى المجتمع العربي لإبقائها في الظّلمة. وتضيف:” قراءتي لأعمال سيلفيا بلاث وآن ساكستون على وجه الخصوص كانت بمثابة زرّ الإنارة الذي أضاء كلّ تلك الحجرات المعتّمة من المعنى داخلي.. المواضيع المسكوت عنها من قبيل الاكتئاب والانتحار والخيانة الزّوجيّة، أرى أنّ الشّعراء الاعترافيّين قد منحوني نوعًا من “تصريح الدّخول” أو “تذكرة العبور” لأتحدّث عنها أيضًا في النصّ العربي.. ما شدّني عندهم كما عند الكثيرين من شعراء قصيدة النثر العرب هي هذه القدرة الخارقة على الانتقال باللّغة إلى حيّز دلالي غير مسبوق.. نزار قباني ومحمود درويش وبسّام الحجّار ووديع سعادة وهاني نديم وماهر راعي وغيرهم لهم هذه المهارة المهيبة في إكساب البسيط وحتّى المبتذل صبغةً فلسفيّة ونفسيّة غائرة العمق.. بلاث وساكستون أيضا أثّثا نصّيهما بعناصر من الحياة اليوميّة: الأحذية والبطّيخ وسكاكين المطبخ أصبحت فجأة أوعيةً حاوية لحالات وجوديّة وسيكولوجيّة كاملة.. هذا تمامًا ما أسعى له بشكل دائم في نصّي: هذا الانزياح المجيد.”
تتناول الرقيق موضوعات قلّما يجرؤ شاعر على محاكاتها، تصرّح: “أكتب فقط ما يمليه عليّ صوتي الدّاخليّ، وإن كان يراه البعض نشازًا، أعتقد أنّ الوعي بالذّات ـــ بقصورها وبجموحها، بجمالها وبقبحها، بضعفها وبقوّتها ـــ هي الحصانةُ الأكبر للكيان الإنسانيّ.. لا أثق في الذين يدّعون الكمال أو يرفعون شعارات النّقاء والتّقاء أمام نصٍّ ينزع الحجاب عن الحقيقة البشعة..لا أثق في الذين يلصقون أجنحة الملائكة على أكتافهم ويرشّون وجوههم بذرّات النّور.. هؤلاء لم يتأمّلوا أنفسهم في المرآة، وإن فعلوا، فقد سارعوا بإشاحة النّظر أو بتغطية عيوبهم بطبقات من الوهم.. هؤلاء لم يفهموا بعد أن إنسانيّتنا لا تتحقّق إلاّ بتداخل الضّوء والظّلام داخلنا.”
أنا ممتنّةٌ للمسيئين
لا يمكن أن تصادف قصائد الرقيق على مواقع التواصل الاجتماعيّ وتفلتَ منها، تتحدث الرقيق عن خاصيّة “الفوريّة” في تلقيّ ردود القارئ على مواقع التواصل الاجتماعيّ، وتصرّح: “الفايسبوك خوّل لي أن أفتح هذا الحوار اللامتناهي بين النص وكاتبه وقرّائه.. تردني الكثير من الرّسائل الجميلة على الخاصّ من قرّاء لامسهم نصّ ما، أبكاهم، أسعدهم، خفّف عنهم ألما ما أو نطق بما يجول في خاطرهم، وهذه أعتبرها أغلى مكافأة وأعلى جائزة يمكن لشاعرٍ ما أن ينالها.. كلّ رجائي من كتاباتي أن تضفي ولو مسحةً صغيرة من النّور على عالمنا القاتم.”
وعن الجانب الآخر المظلم لهذه المواقع، والتي تجعلها عرضة للأحكام المؤذية، تضيف: “لقد تعرّضتُ (ولازلتُ أتعرّض بشكل مستمرّ) لكمّ هائل وغير متوقّع من التهجّم والسبّ والشّتم بسبب نوعيّة المواضيع التي أتناولها والتي تثير حفيظة الكثيرين لما يعتبرونه تدنيسًا للمقدّسات المجتمعيّة.”
تتعامل الرقيق مع هذه الأحكام بامتنان، وتوضّح: ” أنا ممتنّةٌ للمسيئين لأنّهم أكّدوا لي الضّرورة الملحّة لنصّ لا يخاف تعريَة المستور حين يكون المستور ظلمًا وقهرًا ووجعًا متخفّين خلف قماشة “الأخلاق”.
صوت المرأة يسكُنني
على الرغم من أنّها تناولت في الكثير من قصائدها موضوعات نسويّة، وتعاملت مع موضوعات تتعلق بالظلم اللاحق بالنساء جراء تنميط أدوارهن، وخضوعهن لنظام التقاليد والأعراف. إلّا أنّها لا تحبّذ التّصنيفات لأنّ من شأنها، والكلام للشاعرة، أن تختزل كيان الكاتب في صورةٍ أحاديّة البعد لا تكشف عن حقيقة كليّته..
وتفيد:” أؤمن أنّ هويّة الكاتب، شأنها شأن الهويّة الإنسانيّة، مجبولة على التّعدّديّة، هنالك جوقةٌ من الأصوات التي تصدح داخلي في تناغم ونشاز في الآن نفسه، وما النصّ سوى ركح لهذه الجوقة الصّاخبة.. من بين الأصوات التي تسكنني ولعلّ أهمّها هو صوت المرأة في جميع أدوارها الاجتماعيّة: الأمّ، البنت، الزّوجة، العزباء… وفي جميع حالاتها الوجدانيّة: المنكسرة، الصامدة، المبدعة، العاشقة، المتمرّدة…”
وتضيف: ” لذلك سيجد القارئ داخلي نسخ متناقضة ومتكاملة من هاجر: هاجر النّاعمة، هاجر العنيفة، هاجر الغاضبة، هاجر الهادئة، هاجر القدّيسة، هاجر الآثمة … وهي كلّها نسخ تسكنني وتعيش داخلي مع بعض. أحيانا، تتوافق وتتعايش سلميًّا مع بعضها وأحيانا أخرى تتشاجر وتعاقب بعضها البعض.. أسعى في كلّ الأحوال لئلا أقف عند حدود تجربتي الشّخصيّة بأن أوسّعها وأفتحها على تجارب نساء أخريات.. كثيرًا ما يقع التّمازج بين الخيال والواقع، والتّماهي بين “الأنا” و “الهم” في نصّي للحدّ الذي يصعب فيه وضع خطّ فاصلٍ بين الاثنين.. ما يهمّني ليس تصوير الواقع الاجتماعي والنّفسي للمرأة فحسب، ولكن أيضًا البحث في زوايا ذلك الواقع عن المشترك الكوني الذي تتحقّق به إنسانيّتنا رجالا ونساء. ولهذا، أكتب عن الطّفولة والحبّ والحرب والفقدان والفقر والموت والله.. أكتب عن كلّ ما يشكّل نقطة ٱلتقاء وجسرًا رابطًا بين تجاربنا ورؤانا وعواطفنا على إختلافها وتضاربها في كثير من الأحيان.. أكتب عن الإنسان.”
وتختم الشاعرة كلامها: ” أتمنّى دائمًا أنْ أنّ نعي أنّ الشّعر كونٌ فسيح يسعنا جميعًا على ٱختلافاتنا الذّوقيّة والفكريّة وأنّه وطنٌ للكلّ، لا ينفي ولا يُقصي أحدًا من رحاب أراضيه.”




