Home / قضايا ثقافية / اصداء ثقافية / سمفونية فوق السحاب: عندما تعانق الموسيقى قمم المزار

سمفونية فوق السحاب: عندما تعانق الموسيقى قمم المزار

​في حضن طبيعة جبال لبنان الخلابة، حيث تلامس قمم الجبال أطراف السماء الزرقاء، وحيث ترسم شمس المغيب لوحات تتشح بذهب الأصيل وأرجوان الغسق، وضمن افتتاح فعاليات “مهرجان المزار السياحي 2026″، أقيمت أمسية موسيقية استثنائية حملت عنوان “سمفونية فوق السحاب”.

​على مسرح تحتشد فيه هيبة المكان وعظمة النغم، اعتلت الأوركسترا الفلهارمونية الوطنية اللبنانية الخشبة، بقيادة المايسترو لبنان بعلبكي، الذي قاد الأوركسترا بحس فني مرهف وقيادة واثقة تنسج من السكون إيقاعاً نابضاً بالحياة، جامِعاً بين صرامة الأكاديمية ودفء الإحساس الوطني. وقد رافقتهما صوتاً وحضوراً السوبرانو المتألقة إيكاترينا سوميتشيفا، بصوتها الأوبرالي العذب الذي يمتد ليعانق الأفق، مستعرضة تقنية صوتية مذهلة، إلى جانب كورال جامعة سيدة اللويزة بقيادة الأب المايسترو خليل رحمة، هذا الكورال الذي يرتفع بالأصوات البشرية لتصبح أقرب ما تكون إلى مناجاة ملائكية ترتل في محراب الجمال الأبدي.

تألف البرنامج الموسيقي للأمسية من باقة مختارة من روائع الأوبرا العالمية والمقطوعات الأوركسترالية والكورالية التي تحاكي أعماق النفس البشرية وتغوص في تراجيدياتها وفرحها المطلق. استهلت الحفل مقطوعة “” (Bacchanale) من أوبرا “شمشون ودليلة” لـ سان صانس، وتلا ذلك عبق التراث الأوبرالي الإيطالي عبر مقطوعات خالدة مثل “كاستا ديڤا” من أوبرا “نورما” لـ بيليني، حيث تجلت قدرة السوبرانو سوميتشيفا على تطويع نبراتها لتلامس حدود الإعجاز النغمي. وامتد السحر ليشمل موسيقى بوتشيني الباهرة في “أو ميو بابينو كارو”، و”إنترمزو مانون ليسكو”، حيث تتجلى الأوبرا كمرآة للوجع الرقيق، مروراً برشاقة “فالس كوبيليا” لـ Delebis التي أضفت إيقاعاً راقصاً يحاكي نسيم الجبال، وصولاً إلى الأجواء الروحانية المؤثرة في “ريجينا كويلي لـ “ماسكاني” بأداء مشترك بين السوبرانو والكورال، و”لي فوشه نوتورني” من أوبرا “إيل تروباتوري” لـ فيردي بصوت الكورال المهيب الذي ردده صدى صخور المزار.

ولم يتوقف النبض عند هذا الحد، بل مضى البرنامج في رحلته العميقة ليبلغ ذرى جديدة مع تحفة “النبي” (The Prophet) للمؤلف الكبير غابرييل يارد (Gabriel Yared)، حيث تداخلت أصوات الكورال مع سحر الأوركسترا لتجسد أبعاداً فلسفية وروحية تنبض بالهوية اللبنانية العالمية. 

كانت أمسية “سمفونية فوق السحاب” رحلة موسيقية وغوصاً عميقاً في دروب الشجن والجمال المطلق، حيث تماهت المقامات الغربية مع عظمة المكان اللبناني لتصنع حواراً حضارياً عابراً للحدود، فكانت تأكيداً على أن لبنان، مهما اشتدت عواصفه، يظل صرحاً خالداً للفن الجميل، ووطناً ينبض بالحب والإبداع من قمم الجبال الشامخة إلى مرافئ الروح الإنسانية.