Home / قضايا ثقافية / اصداء ثقافية / الذاكرة والزمن في حضارة الكتابة

الذاكرة والزمن في حضارة الكتابة

تتبوّأ الكتابة مكانة رفيعة في الفنون القادرة على تحويل الزمن إلى ذاكرة حيّة تلتصق بكيان الإنسان، وتقف حصنًا منيعًا في وجه انسياب اللحظات نحو سراديب النسيان. فالحضارة الإنسانيّة التي شُيّدت على أساطين الخط والكلمة، لم تكن يومًا سوى صدى للصراعات الوجوديّة الدائمة، وسجّلاً خالداً يوثّق رحلة الإنسان في سبر أغوار ذاته والعالم.

يقول السورياليّ الفرنسي أندريه بروتون عن الكتابة إنها “سلاح الذاكرة، بها لا تموت اللحظات لكن تظل حيّة في ضوء الكلمات”.  فهي لا تقف عند حدود استدعاء حوادث فرديّة زائلة، لكنها تتعدّاها لتشكّل وعاءً زمنيًّا تتلاقى فيه ذوات الأفراد والشعوب في قالب الذاكرة الجماعيّة والحضاريّة. إنها نسيج معقود من سرديّات متشابكة تعيد صياغة الماضي وتحيله إلى حاضر نابض بالحياة، وهو ما عبر عنه الروائي الألماني توماس مان حين وصف الكتابة بأنّها “حادث مستمر من الحياة، حيث تستحيل التجارب الخاصة إلى ذات عامة تتقاسمها البشريّة عبر الأزمان”. وفي ظل هذه الحضارة الكتابيّة، يتجاوز الزمن حركته الخطيّة البحت ليغدو فضاء متداخلًا تنسحب فيه الحدود بين الذكريات، والصدى، والحقيقة، حيث تلتقي اللحظات المبعثرة لتنشئ وعيًا وإنسانيّة جديدة، متمثّلة في تلك “الرحلة السرمديّة عبر زمن داخلي، يُمزج فيه الحاضر بالماضي بألوان الحلم والذاكرة”، كما وصفها الفيلسوف مارسيل بروست.

​من هنا، ترتقي الكلمات لتصبح جسرًا متينًا يعبر الهوّة بين الذات والآخر، وبين الفرد والمجتمع، بل وتلغي المسافات الوهميّة بين العصور المتباينة لتشاطئها جميعًا عند ضفة واحدة.

تسجّل الكتابة تاريخًا روحيًّا وأخلاقيًّا يعيق ذوبان الإنسان في متاهة الزمن السريع، تزامنًا مع ما أراده الروائي الروسي دوستويفسكي حين رأى أن “الكتاب هو الحياة التي لم نعشها، والخبرة التي لم نمر بها، والذاكرة التي أرادت أن تزورنا”. وبذلك، تتحوّل الكتابة إلى فعل فلسفيّ عميق يتجاوز حدود التوثيق السلبي للحوادث، لتشكّل وعي الإنسان بذاته ووجوده الزمني. فحين يمسك الكاتب بقلمه، يبدأ رحلة استنطاق داخلي وهجرة نحو الذات يتحقّق فيها الوعي في أبهى صوره، متأثّرًا بما أطّره الفيلسوف الفرنسي موريس ميرلو بونتي بأن “الكتابة هي تأمّل صامت في الذات، هي المساحة التي تُولد فيها الفكرة من احتكاك الإنسان بذاته والآخر.” 

​في دفاتر الزمن والذاكرة، تتحوّل الكلمات إلى مرايا تعكس وجدان الإنسان وأعمق أبعاده بوضوح غير مسبوق، خالقة بذلك ذاكرة تحتضن التجربة الإنسانيّة بكل تناقضاتها. ومن خلال هذا السرد المستمر للأنا داخل الزمن، يكسر الإنسان عزلته ويصنع هويته الوجودية، معلناً بلسان جان بول سارتر: «أنا أكتب إذن أنا موجود”.

​تصبح الصيرورة والزمن مجرّد رماد أمام لحظة الكتابة، حيث تنضج فيها الذاكرة لتغدو صرحًا شيّدته الكلمات على أنقاض النسيان. وحينئذٍ، يتحوّل الزمن إلى استحضار دائم، لتظلّ الكتابة ذلك السحر الفريد الذي يجعل من الإنسان ذاكرة لحضارة لا تفنى، مستلهمةً رؤية الروائية مارغريت أتوود الخالدة: “التاريخ يُكتب وتُعاد كتابته، والكتابة هي ذاكرة الحضارة التي لا تموت”.