في مقالنا للشهر الماضي ذهبنا الى تناولنا الواقع الياباني من حيث مدخلات القوة والضعف فيه، وانتهينا إلى ان مدخلات القوة تتغلب، من حيث التأثير، على مدخلات الضعف وعلى النحو الذي جعل اليابان قوة اسيوية صاعدة تنزع إلى تحقيق الريادة الدولية/ العالمية. في هذا المقال سنبحث في المستقبلات البديلة لهذا النزوع .
عندنا، يؤكد الواقع الياباني الراهن مصداقية الفرضية الشائعة في دراسات السياسة الدولية ،والتي مفادها أن الفاعلية الداخلية للدولة هي التي تحدد اساسا فاعليتها الخارجية. وعليه نرى أن حصيلة التفاعل الإيجابي بين مخرجات ديمومة الفاعلية الداخلية والفاعلية الخارجية لليابان تفضي إلى اقتران نزوع سياستها الخارجية نحو الريادة العالمية بثلاثة مشاهد مستقبلية بديلة، وكالاتي:
فأما عن المشهد الاول، فهو يكمن في عودة اليابان إلى أن تكون، مثلما كانت خلال فترة حكم الامبراطور، الميجي، (1912- 1868) دولة اسيوية عميقة التأثير، يشير سعيها ، ومنذ الثمانينيات، إلى أن تضحى بمثابة الدولة القاعدة المؤثرة في ثلاث مثلثات، وذلك انطلاقا من حكمة اسيوية مفادها لا تركبوا في عربة واحدة، وكذلك انطلاقا من مفهوم التراتبية الاجتماعية التي تتميز به عموم المجتمعات الاسيوية. ونرى أن هذه المثلثات تمتد على مجاميع من ثمة دول ترى اليابان انها مهمة بالنسبة لمشروعها، وكالاتي:
1.1مثلث اليابان-هونك كونك، فرموزا( تايوان)
يفيد هذا المثلث بعلاقة متميزة لليابان مع عدة اقاليم ودول اسيوية، ولاسيما هونك كونك وفرموزا. وقد ساعد على مثل هذه العلاقة، ومن ثم هذا المثلث، تأثير ثلاث مدخلات أساسية، وكالاتي :
أولهما، النزوع الياباني إلى احتواء الشك التاريخي بينها ودول اسيوية جراء الإشكاليات التاريخية التي تميزت بها العلاقات المتبادلة عبر الزمان، ومنها مثلا عقدة الصراعات الاثنية الكامنة بينها.
ثانيهما، مخرجات الاستثمار المادي الياباني المباشر والمكثف في هذه الدول متفاعلا مع اعتمادها الاقتصادي الواسع على اليابان سيما وأن البنية الصناعية- التكنولوجية لهذه الدول رغم تطورها لازالت لا تسمح لها بإنتاج متنوع وواسع يتطلب خبرات علمية وتكنولوجية متخصصة، وراس مال كبير مقارنة بالتطور العلمي اليابان.
وجراء مخرجات هذه الاعتمادية استمر الميزان التجاري ومنذ عام 1970 بين دول في شرق اسيا، عدا الصين، واليابان لصالح الأخيرة، فمثلا، وحسب الاحصائيات المتاحة حاليا، سجلت اليابان مع فرموزا في هذا العام: 2026, فائضا بلغ نحو 15.7 مليار دولار، أما مع هونك كونغ، التي سجلت اليابان معها اعلى فائض تجاري فقد بلغ نحو 33.1 مليار دولار.
أما المدخل الثالث ، فهو يكمن في نوعية رد الفعل الياباني على التيار الأمريكي المحافظ الداعي إلى احتواء نهوض اليابان عبر الحد من تحولها لقوة عسكرية مؤثرة والقيام بدور فاعل على صعيد التفاعلات الدولية.
2.1 مثلث اليابان- الصين – روسيا الاتحادية
تتباين علاقات اليابان مع الدول أطراف هذا المثلث. فبينما هي متطورة نسبيا مع الصين، هي تعاني من توتر ضمني مع روسيا الاتحادية.
فأما عن العلاقة مع الصين، فعلى العكس من سنوات عهد ماوتسي تونغ في الصين حيث الصراع الكامن في العموم كان خاصية العلاقة الصينية- اليابانية جراء مخرجات نوعية العلاقة الامريكية- اليابانية، شهدت العلاقة الثنائية بين اليابان والصين، لاسيما بعد التحولات الداخلية المهمة في الصين, وكذلك بعد تبادلهما العلاقات الدبلوماسية عام 1972, تطورا واضحا ومتصاعدا. وقد ساعدت علية تأثير عدة مدخلات، لعل أبرزها الاتي:
1- تبني الصين بعد وفاة ماو لسياسة خارجية تقوم على أسس مختلفة، ومنها تغليب سياسة التعاون مع كافة الدول على
سياسة الصراع الدولي
2-الأصل الحضاري المتماثل جراء استمرار تبني اليابان لقيم الثقافة الصينية
3-الاعتمادية المتبادلة متجسدة خصوصا في حاجة الصين للتكنولوجيا اليابانية المتطورة مقابل حاجة اليابان للأسواق
الصينية الواسعة
4-نزوع الصين لتوظيف علاقتها مع اليابان كأداة مضافة وداعمة لتطور العلاقة الصينية-الامريكية، وكذلك توظيف اليابان
لعلاقتها مع الولايات المتحدة الامريكية لتطوير علاقتها مع الصين
فأما عن العلاقة مع روسيا الاتحادية فهي متوترة جراء استمرار إشكالية جزر أرخبيل الكوريل الواقعة في أقصى الشمال الياباني دونما حل جراء الرفض الروسي إعادة هذه الجزر الى السيادة اليابانية لأهميتها الاستراتيجية بالنسبة لها. ان حل هذه الإشكالية قد يساعد على دفع العلاقة الثنائية بين الدولتين إلى الامام.
ومن المرجح ان يفضي نجاح اليابان في بناء علاقة متطورة ومتوازنة مع الصين وروسيا الاتحادية الى رفد جهدها الرامي إلى بلورة تجمع شمال شرق اسيا المتميز بالقدرات المؤثرة لأطرافه بعنصر مهم مضاف وبمخرجات داعمة لنزوعها قيادة المثلث الأول وتكريس تأثير دورها في هذا المثلث الثاني.
3.1 مثلث اليابان- الولايات المتحدة الامريكية- المانيا الاتحادية
وينطوي هذا المثلث على أهمية خاصة للدول أطرافه تنبع من الحاجة المتبادلة لبعض. فالحاجة الامريكية لليابان، تجاريا وسياسيا، تتقابل مع الحاجة اليابانية للانفتاح على الغرب عموما، والولايات المتحدة الامريكية خصوصا لأغراض تجارية وتكنولوجية وكذلك سياسية تتضمن توظيف العلاقة مع الولايات المتحدة الامريكية لطمأنه دول الجوار الياباني من نواياها حيالهم. أما بالنسبة للحاجة المتبادلة الصينية- اليابانية فهي تكمن فيما تمت الإشارة المختصرة اليه في أعلاه.
وعلى الرغم من تأثير الحاجة المتبادلة بين اضلاع هذا المثلث على علاقاتهم المتبادلة مع بعض، الا أن نوعيتها ليست متماثلة. فهي متطورة مع المانيا الاتحادية لسبب تاريخي قوامه استمرار الانفتاح المتبادل على المانيا منذ نهايات القرن التاسع عشر: أي منذ عهدي الإمبراطور الميجي عام 1868 في اليابان، و اوتو فون بسمارك، مؤسس الرايخ الالماني الثاني عام 1871 في المانيا.
وبالمقابل، تميزت العلاقة اليابانية-الامريكية بتباينها جراء معطيات احداث الزمان. فحتى نهاية عقد الثمانينيات كانت، وحسب قول السفير الأمريكي الأسبق في طوكيو مايك مانسفيلد،” أهم وأفضل علاقة ثنائية في العالم.” ويرد هذا الماضي إلى تأثير مخرجات الروابط الامنية والسياسية والاقتصادية بين البلدين. بيد ان هذه العلاقة المتينة أضحت تقترن منذ عام 1973 صعودا بالاختلافات المهمة. ويمكن القول إن الحضر النفطي العربي في هذا العام والسلوك الأمريكي حيال سعيها تأمين النفط لها والدول الاوربية دفع اليابان الى إدراك مفاده أن الولايات المتحدة الأمريكية لا تتردد عن الابتعاد عنها في أوقات الازمات وعلى النحو الذي جعلها تتبنى سياسة ايجابية حيال الدول العربية النفطية وأكثر استقلالية عن السياسة الامريكية.
وقد دعمت مخرجات الانسحاب الأمريكي من فيتنام عام 1973 والإعلان عما أطلق عليه بعقيدة أو مبدأ نيكسون عام 1969, التي تضمنت التخلي الأمريكي عن التدخل العسكري الخارجي المباشر من ثم عن أداء دور شرطي العالم لصالح أدوات الترغيب السلمية، دعمت الخشية اليابانية من احتمال تخلي الولايات المتحدة الأمريكية عن التزاماتها الامنية حيال اليابان بموجب معاهدة الآمن المشترك لعام 1951 وتعديلاتها اللاحقة. وجراء هذه الخشية بدأت اليابان منذ عقد الثمانينات بتبني إجراءات تؤمن لها ضمان أمنها القومي بجهد ذاتي، ومن بينها مثلا بناء قدراتها العسكرية الذاتية وبناء علاقات متطورة مع شتى الدول.
وقد دعم انتهاء الحرب الباردة جراء التفكك السلمي للاتحاد السوفيتي: الطرف الثاني في هذه الحرب، هذه الإجراءات بعنصر مضاف. فانتفاء ما سمي بالتهديد السوفيتي افضى عمليا إلى تأكل حاجة اليابان للحماية الأمنية الأمريكية.
وامٌا عن المشهد الثاني، فهو المشاركة اليابانية في تشكيل النظام الدولي متعدد الاقطاب قيد التشكل حاليا.
يفترض هذا المشهد ان توافر مجموعة من الدول، العظمى والكبرى، على قدرات تأثير، خشنة وناعمة، متفاعلة كذلك مع نزوعها إلى تحقيق مصالح متماثلة ومتناقضة في أن، فضلا عن توافرها على ارادة الفعل والاستعداد لتحمل اعبائه ونتائجه، يفضي إلى بلورة هيكلية دولية قوامها تعدد الاقطاب. ومما يؤكد ذلك ان العالم صار، ومنذ انهيار الاتحاد السوفيتي في بداية عقد التسعينيات الماضي، يتكون تدريجيا على نحوٍ جديد، سيما وان معدل حركة هذا التكون يتجه إلى أن يكون أكثر تسارعا من معدل تسارع حركة تراجعه. وهنا لنتذكر قانون الحراك الدولي، الذي يؤكد على ان هبوط ثمة قوى دولية من قمة الهرم الدولي تقابل تاريخيا مع صعود غيرها اليها.
وتُعدٌ اليابان من بين القوى الدولية، التي يحتمل، وبدرجة عالية، ان تكون طرفا مشاركا في بناء هيكلية تعدد الاقطاب الدولية. ومما يدعم ذلك أنها صارت قوة تتوافر على قدرات مهمة تتيح لها أن تكون كبرى قد تتجه إلى أن تكون عظمى، فضلا عن إنها صارت تسعى عبر مثلثات سياستها الخارجية، وان ببطء وحسابات ذكية، إلى انجاز ادوار سياسية دولية سبيلا لتحقيق اهداف متكاملة منشودة. فاستمرار تركيز هذه السياسة على تحقيق اهداف اقتصادية يتزامن، وفي الوقت ذاته، مع نزوعها نحو تحقيق اهداف سياسية واستراتيجية ضمن إطار رؤية استراتيجية متوازنة وطويلة الامد لكيفية تحقيق الغاية النهائية لمشروعها المنشود والممتد عبر الزمان: القيادة والريادة الدولية/ العالمية. ومن هنا جاء الانفتاح السياسي الخارجي غير المشروط على كافة الدول سبيلا لترتيب الأرضية التي تساعد على تحقيق هذه الغاية المنشودة.
وامٌا عن المشهد الثالث، فهو قيادة عالم الجنوب
لقد اقترنت السياسة الخارجية اليابانية حيال عالم الجنوب، او العالم الثالث كما كان يسمى خلال مرحلة الحرب الباردة، بثوابت تعود بداياتها إلى مراحل سابقة. فاليابان استمرت حريصة، عبر الزمان، على بناء علاقات وطيدة مع عموم دول هذا العالم ادراكا منها لأهميتها الاقتصادية والاستراتيجية، وخصوصا مع تلك الدول التي تفضي العلاقة معها إلى تعزيز الشراكة وتأمين مصالح يابانية منشودة. ولهذا عمدت إلى توظيف إحدى أدوات الترغيب متجسدة في منح المساعدات الخارجية الرسمية بأنواعها التنموية والإنسانية وكذلك الدفاعية والأمنية مثلا، فضلا عن التوسع فيها حجما ونطاقا. اذ أصبحت الان وتدريجيا أكبر حجما. فقد بلغ إجمالي هذه المساعدات، حسب المعلومات المتاحة حاليا، نحو15.6 مليار دولار أمريكي وبما يساوي حوالي 0.35% من مجمل الدخل القومي الياباني، هذا بعد أن كانت تبلغ مثلا في عام 1976نحو 1.105 مليار دولار امريكي وبنسبة تعادل 0.20% من مجمل هذا الدخل . أما من حيث النطاق، فقد صارت هذا المساعدات أوسع نطاقا. فبعد أن كانت تقتصر على عدد محدود من الدول الآسيوية، أصبحت شاملة تقريبا لكافة دول عالم الجنوب، ولكن بنسب متباينة. فبينما استمرت دول في مناطق المحيطين الهادي والهندي تتمتع بنسبة لا تقل عن 70% من المساعدات اليابانية، توزع الباقي منها، أي 30% ، على بقية دول عالم الجنوب: دول الشرق الأوسط وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.
وقد صار هذا الحرص يقترن بتطلع العديد من دول عالم الجنوب، على الرغم من تباين نوعيته بين هذه الدول، إلى توظيف الدعم الياباني لها، لأغراض تنموية وسياسية، ومنها الاستفادة من التجربة اليابانية في التنمية، فضلا عن حاجتها إلى دعم قوة دولية صاعدة. وعلى الرغم من المقومات الإيجابية لهذا المشهد، بيد ان احتمالية تحقيقه تبقى محدودة، هذا جراء التأثير العميق لعلاقات ثمة دول عظمى وكبرى، ولاسيما الولايات المتحدة الأمريكية والصين، مع جل دول هذا العالم.
وفي ضوء مضامين هذه المشاهد أعلاه، نرجح ان المشهد الثاني، أي المشاركة اليابانية في تشكيل النظام الدولي متعدد الأقطاب، هو الذي سيكون لصيقا بالنزوع الياباني نحو الريادة الدولية/ العالمية في نهايات هذا القرن، ومترجما اياه إلى واقع ملموس، ليس فقط لإنه يتماهى مع المشروع/الحلم القومي الياباني ، وانما ايضا لان كل من المشهدين أعلاه، الاول والثالث، يندرجان تحت مضمونه.
أن غياب الإرث الاستعماري بين العرب واليابان, متفاعلا مع النمو الواضح للعلاقات الثنائية, يدفع للتساؤل: كيف ستعمد اليابان إلى التعامل مع مشاهد المستقبل العربي حتى نهايات القرن الحالي؟ في مقالنا للعدد القادم سنقدم اجابتنا على هذا السؤال.



