وضع المرأة العربية وتباين القوانين وتنزيلها على أرض الواقع
ما زالت مدونة الأسرة بالمغرب، التي دعا العاهل المغربي الملك محمد السادس في خطاب العرش لعام 2022 لمراجعتها والقيام بالتعديلات اللازمة لبعض بنودها والاعتماد على الاعتدال والاجتهاد المنفتح، والتي شرع فيها منذ سبتمبر/ أيلول 2023، تعرف الكثير من التعثر، بل هناك شعور بتناسيها أو إقبارها، خاصة أن المغرب مقبل على انتخاب حكومة جديدة، ولا أفق لهذا القانون الذي كان يمكن أن يغير الكثير من الأشياء، وأن يحقق بعضا من المساواة بين الزوجين التي تنص عليها نسخة هذا القانون لعام 2004، ويضمن حقوق النساء والأطفال، ويحقق طموح الكثير من الشباب في المغرب ذكورا وإناثا في بناء أسرة متوازنة، والعدول عن العزوف عن الزواج، الذي بات يسجل أرقاما مخيفة بالمغرب في السنوات الأخيرة.
فما بين الانتظار والأمل في التغيير، يظل قانون مدونة الأسرة بالمغرب معلقا، ويظل وضع النساء في المغرب والأسرة بشكل عام، ليست على أفضل حال من نظيراتها في العالم العربي، فإصلاح مدونة الأسرة حسب خلاصات فعالية “أكورا المساواة والقيادة”، التي نظمتها “فيدرالية رابطة حقوق النساء” في شهر يوليوز الماضي بالرباط، لفتح نقاش عمومي حول حصيلة الولاية التشريعية 2021-2026، لا يقتصر على كونه قضية مرتبطة بحقوق النساء، بل يشكل “مدخلاً أساسياً لتعزيز الاستقرار الأسري والتنمية الاجتماعية والاقتصادية، في ظل التحولات العميقة التي يعرفها المجتمع المغربي، والتي تعكسها المؤشرات الرسمية المتعلقة بارتفاع سن الزواج، وتراجع الإقبال عليه لدى فئات واسعة من الشباب، وتغير أنماط الأسرة والعلاقات داخلها”.
وأكد المشاركون في فعالية الأكورا أن المؤشرات الرسمية بالمغرب ما تزال تكشف عن فجوة واضحة بين الالتزامات المعلنة والنتائج المحققة، فمعدل النشاط الاقتصادي للنساء لا يتجاوز 19 %، فيما تشتغل نحو 81 % منهن في اقتصاد الرعاية غير المؤدى عنه والاقتصاد غير المهيكل، كما لم تتجاوز مساهمة التشريعات ذات الأصل البرلماني 6 % من مجموع القوانين المصادق عليها خلال الولاية التشريعية الحالية. وأظهرت هذه المؤشرات أن مجموعة من التوجهات التي أوصى بها النموذج التنموي الجديد، خاصة ما يتعلق برفع المشاركة الاقتصادية للنساء، وتحقيق العدالة الاجتماعية، لم تجد طريقها بعد إلى التفعيل بما ينعكس على واقع النساء وأوضاعهن.
تعطيل المدونة يؤثر على حقوق النساء
تقول سميرة موحيا رئيسة “فيدرالية رابطة حقوق النساء” في تصريح لمجلة “الحصاد”، إن “تعطل مدونة الأسرة بالمغرب يؤثر على حقوق النساء والأطفال ووضعيتهم وعلى طموحات الشباب والشابات في تأسيس أسرة قائمة على الكرامة والانسجام. مدونة الأسرة قانون له أهميته لأنه يمس حقوق الأسرة ككل نساء ورجالا أطفالا، ولا يتعلق بحقوق النساء فقط، بل هو يعمل على تنظيم الأسرة داخل المجتمع. إنه مدخل أساسي لتحقيق الاستقرار الأسري والتنمية الاجتماعية والاقتصادية في علاقتها بالتحولات العميقة التي يعرفها المجتمع المغربي، فالمؤشرات الرسمية الأخيرة تشير إلى ارتفاع سن الزواج وتراجع الرغبة في الزواج أصلا، وازدياد الأسر التي تعيلها نساء، وتغير أنماط هذه الأسرة”.
وتضيف موحيا أن الفيدرالية تعتبر أن استمرار تأجيل ورش إصلاح مدونة الأسرة يكرس “حالة اللايقين القانوني والاجتماعي”، ويؤجل الاستجابة لانتظارات ملايين المغربيات والمغاربة، داعية إلى التسريع بإخراج إصلاح منصف ومتوازن، منسجم مع مقتضيات الدستور، والتحولات المجتمعية، ومصلحة الأسرة المغربية. وتؤكد أن تعزيز المساواة مسؤولية جماعية تتقاسمها مختلف المؤسسات والفاعلين، وأن تفعيل الأدوار الدستورية للجمعيات، باعتبارها قوة اقتراحية ورقابية، يشكل ركيزة أساسية لتتبع وتقييم السياسات العمومية، ومساءلة السلطتين التنفيذية والتشريعية، والأحزاب السياسية، حول مدى وفائها بالتزاماتها في مجال المساواة وحقوق النساء.
التمييز والعنف الانتخابي والرقمي
وتشير رئيسة “فيدرالية رابطة حقوق النساء” التي تضم أكثر من 20 جمعية وشبكة نسائية وحقوقية موزعة عبر مختلف مناطق المغرب، إلى أنه من واجبهم “المطالبة بتسريع إصدار مراجعة منصفة ومتوازنة منسجمة مع مقتضيات الدستور، ومع التحولات المجتمعية ومع مصلحة الأسرة المغربية والمصلحة الفضلى للأطفال، ومساءلة مختلف الفاعلين السياسيين من أحزاب وحكومة حول حصيلة التزاماتهم تجاه المساواة وحقوق النساء، فالمساواة مبدأ دستوري، وتنزيله يعرف تعثرا كبيرا في مجموعة من القوانين والسياسات العمومية والسلوكات وغيرها”. موضحة أن المساواة يجب أن تكون في صلب مشروع المجتمع الديمقراطي والتنموي للبلد، ويجب “القيام بمقاربة شاملة جديدة اليوم حتى نخرج من منطق التردد الذي نحن عليه في مجال محاربة الفساد والاقتصادي والاجتماعي والسياسي وغيرها، فحتى لو أننا نركز على النساء فنحن لا نخرج عن المشروع المجتمعي الحداثي الذي نريده لبلدنا. لهذا يجب أن ننتقل من منطق إعلان النوايا والسياسات الترقيعية إلى سياسات عمومية منصفة فعالة لها أثر في واقع الناس والنساء والمواطنين ككل. نحن بحاجة لسياسات تستطيع أن تقوم بتحول حقيقي في أوضاع النساء وتعزيز مساهمتهن في التنمية الاقتصادية والسياسية للبلد”.
وتخلص إلى أن وضع المرأة في المغرب وتمكينها من المشاركة السياسية بكرامة طرح نفسه وبإلحاج في الانتخابات التشريعية التي يشهدها المغرب، خاصة مع سيادة منطق المال والأعيان، وتعرض النساء للتمييز والاستهداف عبر العنف السياسي والرقمي والانتخابي الذي يرغب في إقصاء النساء المناضلات في الأحزاب ومن الحياة السياسية بشكل عام. وهو ما دفع العديد من للتنظيمات النسائية إلى إصدار بيان حول المشاركة السياسية للنساء في الانتخابات بالمغرب تنددن فيه بالمؤشرات المقلقة التي تهدد مسار المناصفة الدستورية وتكافؤ الفرص في المشاركة السياسية، حيث وقفت على محدودية حضور النساء في مواقع القيادة داخل اللوائح، واعتماد مساطر ومعايير متفاوتة في اختيار المرشحات، والاعتماد على القرابة والقدرة المالية، واختزال بعض الترشيحات النسائية في حضور رمزي أو عددي دون توفير الشروط السياسية والمادية للمشاركة الفعالة لهن.
المرأة العربية والتهميش
وبخصوص وضع المرأة في العالم العربي فإنه لا يختلف كثيرا عن وضعها في المغرب، فرغم الفوارق الشاسعة بين الدول من حيث التشريع والتعليم والعمل والمشاركة السياسية والحريات الشخصية، فإنها تجتمع في تناقض أساسي يتعلق بتقدم ملحوظ في الاعتراف القانوني بحقوق النساء، في مقابل بنى اجتماعية واقتصادية وأعراف ثقافية تحد من قدرة المرأة على ممارسة هذه الحقوق، لذلك يظل وضعها يطبعه التهميش على الرغم من التنصيص على وجودها وحقوقها في الدساتير العربية باعتبارها تمثل نصف المجتمع.
فعلى الرغم من المكاسب المهمة التي حققتها النساء العربيات في التعليم ووصولهن إلى الجامعات والقضاء والطب والبحث العلمي والإدارة والعمل العام، فإنهن، كما تقول الدكتورة إكرام البدوي الباحثة المصرية المتخصصة في الفلسفة النسوية في تصريح لمجلة “الحصاد”، لم يتمكن من “تحقيق الاستقلال الاقتصادي أو النفوذ السياسي. فما زالت المنطقة تسجل أدنى معدل عالمي لمشاركة النساء في قوة العمل؛ إذ يبلغ المتوسط الإقليمي، حسب البنك الدولي، نحو 19%، مقابل 73% للرجال. تكشف هذه الفجوة أن المشكلة لا تتعلق بضعف تأهيل المرأة، وإنما ببيئة اقتصادية لا تستوعب قدراتها، وغياب خدمات الرعاية، وصعوبة التنقل الآمن، والتمييز في التوظيف والترقي، وتحميلها المسؤولية شبه الكاملة عن الأطفال وكبار السن والعمل المنزلي غير المدفوع”.
وتضيف البدوي أن المشاركة السياسية قد تحسنت في دول عربية عدة من خلال الحصص الانتخابية وتعيين النساء في الحكومات والمجالس التشريعية، غير أن زيادة العدد لا تكفي وحدها لتغيير طبيعة السلطة، لأن المعيار الحقيقي هو قدرة النساء على التأثير في التشريع والموازنة والسياسات العمومية، ومدى وصول المرأة الريفية والفقيرة وذات الإعاقة واللاجئة والعاملة غير المنتظمة إلى دوائر القرار. فالتمثيل الذي يقتصر على نخبة محدودة يحقق حضورا رمزيا، بينما يظل التمكين السياسي مرتبطا بحرية التنظيم، واستقلال المجتمع المدني، وإتاحة المجال أمام النساء لصياغة أولوياتهن بأنفسهن.
وتوضح البدوي أن هذا الوضع يتخذ “أبعادا أشد قسوة في فلسطين والسودان واليمن وسوريا وغيرها من مناطق النزاع. ففي هذه السياقات لا تواجه النساء التمييز المعتاد وحده؛ إذ يتحملن النزوح، وفقدان مصادر الدخل، وانهيار الخدمات الصحية، والعنف الجنسي، ورعاية الأسر في ظروف تهدد الحياة. لذلك لا يجوز فصل حقوق المرأة العربية عن قضايا الحرب والاحتلال واللجوء والفقر. فالعدالة الجندرية التي تتجاهل البنية السياسية المنتجة للعنف تتحول إلى خطاب محدود الصلة بحياة النساء الفعلية”.
وضع المرأة في مصر
وبخصوص بلدها مصر، تفيد الدكتورة إكرام البدوي أن دستور 2014 المعدل عام 2019 يمثل أساسا متقدما نسبيا، فالمادة 11 تلزم الدولة بتحقيق المساواة بين النساء والرجال، وحماية المرأة من العنف، وضمان وصولها إلى الوظائف العامة والهيئات القضائية. وتحظر المادة 53 التمييز بسبب الجنس، بينما تخصص المادة 102 ربع مقاعد مجلس النواب على الأقل للنساء، وتمنح المادة 214 المجلس القومي للمرأة مكانة دستورية. وقد انعكس نظام الحصة على وصول تمثيل النساء في البرلمان إلى نحو 27%، وهي خطوة مهمة في تاريخ المشاركة السياسية المصرية. كما أن التشريعات والقوانين المعدلة المعتمدة والتي كان آخرها قانون العمل لعام 2025، الذي يحظر التمييز بسبب الجنس والتحرش والتنمر والعنف في بيئة العمل، ويقرر أجرا متساويا عن العمل ذي القيمة المتساوية، رغم بعض نواقصه واستثنائه لعاملات المنازل من نطاقه، فهو يمثل إضافة.
غير أن الفجوة الأكبر في مصر، كما تفيد الباحثة، تظل قائمة في مجال الأحوال الشخصية والعنف الأسري. فشؤون الأسرة “ما زالت محكومة بقوانين متفرقة يعود بعضها إلى عامي 1920 و1929، مع تعديلات متعاقبة. وقد وافق مجلس الوزراء في أبريل/ نيسان 2026 على مشروع قانون جديد للأسرة يهدف إلى جمع هذه الأحكام، إلا أن المشروع لم يصبح قانونا نافذا حتى أغسطس/ آب 2026”.
وتخلص البدوي إلى أن أزمة المرأة العربية والمصرية لا تكمن في النصوص، ولكن في ضعف الاتساق بينها، وبطء تنفيذها، وبقاء الأسرة وسوق العمل خارج المراجعة العميقة لموازين القوة. وتؤكد بأن الإصلاح المطلوب “يبدأ بقانون أسرة يقوم على الكرامة والعدالة والمسؤولية المتبادلة، وقانون شامل لمناهضة العنف، وسياسات تعترف بالرعاية عملا ذا قيمة اقتصادية، وآليات تضمن النفاذ السريع إلى القضاء. فالمساواة الحقيقية لا تُقاس بعدد النساء اللائي وصلن إلى القمة وحده، بل تُقاس أيضا بقدرة المرأة العادية على أن تعيش آمنة، وتتخذ قرارها، وتملك دخلها، وتحصل على حقها من دون استنزاف أو وصاية”.
ومن جهتها تؤكد سميرة موحيا رئيسة “فيدرالية رابطة حقوق النساء” أن الكثير من النزاعات المسلحة والتوترات والأزمات الاقتصادية في العديد من البلدان العربية، تؤثر بشكل مباشر على النساء والأطفال، كما أن صعود التيارات المحافظة في الكثير من المناطق يؤدي إلى تراجع الحقوق والحريات وهو ما ينعكس بالسلب على أوضاع النساء والأطفال ويجعلهم الضحايا المباشرين لكل هذه الأزمات. وحتى لو سلم المغرب من هذه النزاعات وارتفاع سقف الدستور الذي يركز على المساواة، فإن وضع المرأة بالمغرب يعاني مما تعانيه نظيرتها في العالم العربي، لأن هناك “فجوة وتفاوت كبيرين بين هذه المقتضيات الدستورية وتنزيلها على أرض الواقع”.




