Home / دراسات / أسرار الجمع في القرآن الكريم… اختلاف الصيغة وتغاير الدلالة

أسرار الجمع في القرآن الكريم… اختلاف الصيغة وتغاير الدلالة

تتجاوز ظاهرة الجمع في القرآن الكريم حدودها الصرفية المباشرة؛ فليست صيغة الجمع في البيان القرآني مجرد وسيلة للدلالة على تعدد الذوات والأشياء، وإنما قد تتصل بهيئة المعنى، وطريقة عرضه، ودرجة تكثيره أو توزيعه، ومقدار حضوره في الحسّ والخيال. ومن ثم فإن اختلاف أبنية الجمع، حين يَرِد في سياقات متباينة، يستحق أن يُقرأ بوصفه ظاهرة بلاغية تتصل بدقة الاختيار القرآني.

وتنبع أهمية هذه الظاهرة من أنَّ العربية تتيح للاسم الواحد أحياناً أكثر من صيغة جمع، كما في «سنبلة» التي تُجمَع على «سنابل» و«سنبلات»، و«عين» التي تجمع على «أعين» و«عيون»، و«نفس» التي ورد جمعها على «أنفس» و«نفوس». فإذا كان المعنى المعجمي العام واحداً، فإن اختلاف الصيغة يفتح سؤالاً بلاغياً مشروعاً: لماذا اختير بناء دون بناء؟ وهل يمكن أن يكون لاختلاف الوزن الصرفي أثرٌ في طبيعة الصورة التي يصنعها السياق؟

ولا يصح في هذا المجال أن تُحمّل كلُّ صيغة دلالة ثابتة لا تتغير؛ فليس كلّ جمع تكسير للكثرة، ولا كلّ جمع سالم للقلة، ولا كل اختلاف بين صيغتين دليلاً على فرقٍ معنويٍّ حتمي. إنما تتحدّد القيمة البلاغية من خلال التفاعل بين الصيغة والسياق والمقام. ومن هنا تنطلق هذه الدراسة من مبدأ أساس هو (إن سرّ الجمع القرآني لا يكمن في البنية الصرفية منفردة، وإنما في ملاءمة هذه البنية للمقام الذي اختيرت له).

ونضرب هنا مثالا في غاية الأهمية للتدليل على هذا الأمر فقولنا (قال العرب) و(قالت العرب) قالوا إنَّ الاولى للتكثير والثانية للتقليل على اعتبار أنّ التذكير يدلّ على الكثرة والتأنيث يدلّ على القلة، وإنما حقيقة الأمر ان قولنا قال العرب المقصود به جنس العرب فيناسبه التذكير. أما قولنا قالت العرب فجاء الفعل مؤنثاً باعتبار «العرب» جماعةً وأمةً.

من دلالة الجمع إلى بلاغة الصيغة

قسّم علماء العربية الجموع إلى جمع سالم وجمع تكسير، ثم جعلوا لجمع التكسير أبواباً للقلّة وأخرى للكثرة. وهذا التقسيم مهمٌ في فهم بُنية اللغة، لكنه لا يكفي وحده لتفسير الاستعمال القرآني؛ إذ إن الصيغة قد تنتقل في السياق من الدلالة العددية إلى دلالة أخرى تتّصل بالهيئة أو التوزيع أو الاستغراق أو مجرد بناء الجماعة.

ومن هنا ينبغي التمييز بين أمرين هما الدلالة الصرفية الأصلية والدلالة البلاغية السياقية؛ فالأولى تُفسّر لنا كيفية بناء الجمع، أَمَّا الثانية فتفسّر لنا سبب اختيار هذه البُنية في موضع معين.

وهذا هو المدخل الصحيح لدراسة أسرار الجمع؛ لأنَّ المقصود ليس إثبات أنَّ كل صيغة تحمل معنىً مختلفاً بالضرورة، بل الكشف عن المواضع التي يصبح فيها اختلاف الصيغة ذا أثرٍ ظاهرٍ في بناء المعنى.

«سنابل» و«سنبلات».. حين يغيّر الجمع هيئة الصورة

من أوضح الشواهد القرآنية قوله تعالى: «كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ». البقرة: 261. ويقول تعالى في قصة يوسف: «وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ».يوسف: 43. واللافت أنَّ القرآن اختار «سنابل» في الآية الأولى، و«سنبلات» في الثانية، مع اتحاد الأصل الدلالي العام. وقد أحصى المعجم القرآني ورود مادة «سنبل» خمس مرات، منها «سنابل» مرة، و«سنبلات» مرتين، و«سنبلة» مرتين. والفرق هنا لا ينبغي أن يُفسّر تفسيراً آلياً بالقول إن «سنابل» للكثرة و«سنبلات» للقلّة؛ فالعدد في الموضعين معلوم، وهو سبع. وإنما تتضح قيمة الاختيار من خلال طبيعة المشهد.

ففي سورة البقرة يبدأ التصوير من «حبة» واحدة، ثم تنتقل الصورة إلى «سبع سنابل»، ثم تتضاعف داخل كل سنبلة إلى مائة حبة، ثم ينفتح المعنى بقوله «والله يضاعف لمن يشاء». إن الحركة التصويرية هنا حركة نمو متصاعد؛ وحدة ثم تعدّد، ثم تضاعف داخل كلّ وحدة، ثم مضاعفة مطلقة. ولذلك جاءت «سنابل» في بناء يوحي بتشعّب الصورة وتكاثرها.

أَمَّا في سورة يوسف، فالسياق سياق رؤيا ذات وحدات معدودة: سبع بقرات سمان، وسبع عجاف، وسبع سنبلات خضر، وأُخر يابسات؛ فالمشهد هنا يقوم على المقابلة والتناظُر والتعيين، ولذلك تبدو «سنبلات» أنسب لبناء الصورة بوصفها وحدات متعينة في رؤيا محددة. وقد لاحظ ابن عاشور ورودَ «سنبلات» في مقام وصف الرؤيا، وأحالها إلى «سنابل» الواردة في سورة البقرة. 

ثم تتطور الصورة في تأويل يوسف عليه السلام «تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ»، يوسف: 47.

فمن «سنبلات» في الرؤيا إلى «سنبله» في التدبير، تتغير زاوية النظر؛ الأولى صورة مرئية محدَّدة، والثانية وحدةٌ زراعيةٌ تُحفظ فيها الحبوب. وهذا يؤكد أن الصيغة تتفاعل مع طبيعة المشهد، ولا تأتي منفصلة عن وظيفته.

«سنين» و«أعوام».. الصيغة الجمعية وبناء الزمن

يقول تعالى «وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا»، العنكبوت: 14. ويقول في قصة يوسف «تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا». ثم يقول «ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ». يوسف: 47 . 49.

واللافت أنَّ القرآن يستعمل «سنين» في موضع، و«عام» في موضع آخر، مع اتحاد الحقل الزمني العام. 

وقد وردت «سنين» في القرآن في مواضع متعددة، منها الكهف: 25، والمؤمنون: 112، والشعراء: 18، والروم: 4، ويوسف: 47، في حين جاء «عام» في مواضع مخصوصة، منها العنكبوت: 14 ويوسف: 49. 

وقد شاع في التراث البلاغي القول إنَّ «السنة» تلائم الشدة، وأن «العام» يلائم الرخاء، ولا شكَّ أنَّ السياق القرآني في قصة يوسف يتيح ملاحظة هذا التناسب؛ إذ جاءت «سنين» في سياق الزراعة والكدح والجدب، ثم جاء «عام» في سياق الغيث والخصب.

لكن المنهج العلمي يقتضي ألا تتحوّل هذه الملاحظة إلى قاعدة مطِّردة. فدلالة اللفظ لا تستقلّ عن سياقه. وفي آية نوح، مثلاً، يلفت النظر الجمع بين «ألف سنة» و«خمسين عامًا»، حيث يصنع التركيب إحساساً بامتداد الزمن وطول المكث، ثم يأتي الاستثناء مختصراً بعد كتلة زمنية هائلة.

ومن ثم يمكن القول إن اختلاف التعبير الزمني في القرآن لا ينبغي أن يُبحث من زاوية المعجم وحده، بل من زاوية إيقاع الزمن داخل التجربة المصوّرة.

«أعين» و«عيون».. اختلاف الجمع والمشهد

من أخصب النماذج في هذا الباب لفظ «عين»، الذي ورد في القرآن بصيغ متعددة، ومنها «أعين» و«عيون». وقد أشار أهل اللغة إلى أنَّ «عين» تُجمع على «أعين» و«عيون». قال تعالى

«وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ». التوبة: 92. وقال أيضا «وَفِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ».الذاريات: 15.

فـ«أعين» في الموضع الأول مرتبطة بالعين بوصفها جارحةً إنسانيةً تحمل أثر الانفعال؛ فالدمع يفيض منها، وهي جزء من هيئة الإنسان النفسية والجسدية. أما «عيون» فتَرِدُ في سياقات كثيرة متّصلة بالماء والينابيع، مثل قوله تعالى «وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ». القمر: 12.

وتتكرر «عيون» في وصف النعيم أو الموارد المائية، مثل قوله تعالى «إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ».الحجر: 45.

وهنا لا ينبغي أن نقول إن «أعين» تحمل معنى معيناً في كلّ موضع، وإن «عيون» تحمل معنى آخر دائماً؛ فاللفظ «عين» نفسه من الألفاظ المتعددة الدلالة في العربية والقرآن. وإنما تكشف المقارنة أنَّ الصيغة المختارة تتناغم مع نوع الصورة المقصودة؛ «أعين» تُستعمل في مواضع تُبرز العين بوصفها جارحةً أو موضعاً للنظر والانفعال، بينما «عيون» تَكْثُرُ في سياقات الماء والينابيع. وقد أَحْصَت دراسات في اللفظ القرآني ورودَ «عين» بصيغ متعددة، وأشارت إلى تعدد دلالاتها بحسب السياق. 

وهذا نموذج بالغ الأهمية؛ لأنه يبيّن أنَّ اختلاف الجمع قد يرتبط ليس بالعدد، وإنما بالصورة التي يختار السياق أن يستحضرها من اللفظ الواحد.

«أنفس» و«نفوس».. الجمع بين الظاهر والباطن

من الألفاظ التي تتعدّد صيغُ جمعها في القرآن لفظ «نفس». فقد وردت «أنفس» في مواضع كثيرة، كما وردت «نفوس» كما في قوله تعالى «وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ». التكوير: 7. و«أنفس» كما في قوله تعالى «مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا». الحديد: 22. وقد ثبت ورود الصيغتين في الاستعمال القرآني. 

والفرق هنا يستحقّ النظر من زاوية السياق. ففي «أنفسكم» تأتي الصيغة في خطاب مباشر للإنسان، فتدلّ على ذوات المخاطبين وحيواتهم وأحوالهم. أَمَّا «النفوس» في كما في سورة التكوير فتأتي في مشهد أُخروي هائل «وإذا النفوس زُوِّجَت»، حيث ينتقل التعبير إلى صيغة عامّة مجردة تستوعب الجماعات البشرية في مشهد البعث والحشر.

ولا يُلزم من ذلك أن تكون لكلِّ صيغة دلالة معجمية مستقلة؛ فاللفظ واحد في أصله، وإنما تتشكل خصوصية الاستعمال من السياق؛ فـ«أنفس» قد تكون أنسب في مقام الإضافة إلى المخاطب أو بيان الذات، بينما تَمنح «النفوس» في سياق التكوير صورة أكثر تجريداً وعموماً، كأن الأنفس كلَّها تدخل في مشهد كوني واحد. وهنا يتجلّى أحدُ أسرار اختلاف أبنية الجمع؛ فقدتتغير درجة حضور الفرد داخل الجماعة من غير أن يتغير أصل المعنى المعجمي.

جمع القلّة والكثرة… حدود القاعدة الصرفية

لا يستقيم البحث في أسرار الجمع من غير الوقوف عند جمع القلّة وجمع الكثرة. فقد خصّت العربية بعض الأبنية بدلالة القلّة، وأبنية أخرى بالكثرة، غير أن الاستعمال القرآني لا يسمح بجعل هذه القاعدة معياراً وحيداً في تفسير الدلالة.

فالصيغة الصرفية قد تكون حاضرة من غير أن يكون المقصود تحديد عدد رياضي، وقد تتحوّل القلّة والكثرة إلى دلالة نسبية يحددها المقام.

ولهذا يَنبغي أن يُقال إنَّ الصيغة قد تهيئ إيحاءً بالقلّة أو الكثرة، لكنها لا تستقلّ بإنتاج هذه الدلالة. والسياق قد يخصصها أو يوسّعها أو يصرفها عن معناها العددي المباشر.

ومن هنا فإنّ البحث البلاغي الرصين لا يبدأ من القاعدة ليبحث عن آية تؤيدها، بل يبدأ من الاستعمال القرآني ثم يسأل: ما أثر الصيغة في السياق؟ وهل يتكرر هذا الأثر بحيث يمكن الاستناد إليه، أم أن خصوصية الموضع هي التي أنشأته؟

الجمع والتكثير والتوزيع

يقول تعالى «وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ».النحل: 15. فـ«رواسي»، و«أنهار»، و«سبل» جموع تتجاور لتشكّل فضاءً واسعاً متعدد العناصر. وليس المقصود مجرد الإخبار عن وجود أكثر من جبل أو نهر أو طريق، بل بناء صورة للأرض وقد امتلأت بالعناصر التي تجعل الحياة ممكنة والهداية ممكنة.

وفي قوله تعالى «وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ». الأنبياء: 31. يتصل الجمع بالانتشار والتوزيع؛ فالجبال موزّعة في الأرض، والسُبل ممتدة فيها، وبذلك يسهم الجمع في تحويل المكان من مساحة مجردة إلى مجال متعدد المعالم والوظائف.

يتبين من مجموع هذه النماذج أنَّ الجمع في القرآن الكريم ظاهرة تتجاوز حدود التصنيف الصرفي إلى مجال أوسع تتفاعل فيه البنية مع السياق والدلالة والصورة والإيقاع. ومن ثم فإنَّ القول بوجود «أسرار للجمع» لا يعني أن لكلِّ صيغة قاعدة دلالية جامدة، وإنما يعني أنَّ اختيار الصيغة القرآنية يقع في موضع لا يمكن عزله عن بنية السياق. وقد يكون الفرق بين «سنابل» و«سنبلات»، أو بين «أعين» و«عيون»، أو بين «أنفس» و«نفوس»، فارقاً صرفياً في الظاهر، لكنه يكتسب قيمته البلاغية من الصورة التي يدخل في تشكيلها.

وهنا تتجلّى دقّة البيان القرآني؛ فالصيغة ليست ثوباً خارجياً للمعنى، وإنما قد تكون أحد عناصر تكوينه. والقراءة البلاغية الدقيقة لا تكتفي بأن تسأل: لماذا جمع القرآن هذه اللفظة؟ وإنما تسأل: لماذا جمعها بهذه الصيغة، وفي هذا الموضع، وفي هذا السياق، وما الذي أتاحه هذا الاختيار من إمكانات دلالية وتصويرية وإيقاعية؟

وبذلك يصبح الجمع في القرآن الكريم باباً خصباً للكشف عن التلاحم بين الصرف والبلاغة، وعن قدرة البنية اللغوية على المشاركة في إنتاج المعنى. فليست العبرة بكثرة الصيغ في ذاتها، وإنما في تلك العلاقة الدقيقة بين الصيغة والسياق، وبين اللفظ والصورة، وبين التعدّد الذي تدلّ عليه الكلمة والطريقة التي أراد القرآن أن يُرى بها هذا التعدّد.