الكلاسيكي يبقى كلاسيكياً

لجريمة والعقاب لمحمود الحسيني

لا دم متمرد . حين يتمرد الدم لا يعود المشاهد يتذكر أنه وحيد في المسرح بعيداً من جنون الخلايا . قطعة قطعة . المسرح قطعة قطعة . لا كلام على وجود صدئ. الكلام على وجود يموت . لأن الوقوع في العادات ، جمع عادة ، وقوع اليد في الفم . وقوع العينين في اليدين . العادة قرح من قروح . إنها الأخطر . لعل العودة اليها يقفد المسرح عمقه . عمق نادر في أيام عدم توسع الأبعاد . كأن المسرح خدر المسرحيين بحيث ما عاد يدوي بين أيديهم . لا علاقة لكلام بمسرحية الجريمة والعقاب وحدها . الكلام عام . إلا في لحظات قليلة حيث يقع الوصول إلى وقائع وخلفيات تتعلق بالأداءات ذات الملامح المعرفية المختلفة . الجريمة والعقاب من مواد لا يفهمها إلا قراء دوستويفسكي، لا فيما يقوله بالطرق المباشرة . بقراءة مؤلفات الرجل من خلال جدال الرجل مع نفسه . لأن مؤلفاته تقوم على الجدال . تجعل ملامحها بارزة لكي توقع القراء بما هو بعيد عنها من خلال الإستجابات الطوعية السهلة . نصوص المؤلف الروسي تحرق . لكنها ، تبقى تدور كما يدور النحل في حراك اشبه بالصلاة . قراءاته لا تجعله متاحاً دوماً . هكذا ، لا يقرأ في الصفحات وحدها حين لا تنفك الصفحات تذكر بالمنظور . رمي الصفحات في هواء العروض المسرحية لا يحقق أهداف الرمي ، إذا جاء الرمي كما تجيء لفحات الهواء . دوستويوفسكي متعب . لكنه، إنه لا يسند رأسه على يديه . لا يسافر في البكاء ، لأنه نزيه . النزاهة لا تعني الكمال . لا يريد أن يخدع أحداً . غير أن ثمة من يقع في الخداع حين يقرأ مكائده الأدبية السئمة من التراضي بين العجزة والمجرمين . أحلامه في كلماته . كلماته كلمات تعرض للمحن . ولأنها كذلك ، لا تطوب من يخضعها للتمنيات والأناقة اللامحتشمة . الجريمة والعقاب تدفع من يشتغل عليها إلى عدم الراحة . رواية في جزءين . الرواية عذراء . لذا ، لا تقدم ينابيع الكرم . يخطئ من يقرأ الرواية في جزئيها على أنها رواية قديس. إنها رواية ملونة بالصدق والصداقة والعشق والعسف والمنعطفات . المنعطفات الأهم . جزءان يفرضان التوازن في وضعهما على فراش المسرح . مئات الصفحات ، لا يعرف من يشتغل عليها الراحة . تحرر الرجل من أوهام الدين . لم يقدم نفسه كأمين سرها . ذلك أنه اشتراكي ، روحاني من شربه مزيجاً من الحياة والموت مذ جرى اعتقاله ووضعه على بحص الإتهامات . محمود الحسيني يجمد دم الراوية في عيون مؤلفها حين يغلفها بالرجاء بعد القلق . تقديم المطلقات ، تكريس نظام فكري شامل بهدف السيطرة وتشكيل الواقع على هوا من يختم الأشياء بالخوف . بالأبله يقول أنه سيحول كل دقيقة إلى عمر . تدفع المسرحية إلى ادراك البطل موته بعد المشهد الأول . شراب الهلاك حوله المؤلف إلى حجر بعد أن وضع أمام فرقة الإعدام . قال ، أن لا معنى لليأس . حين أن الحسيني يدفع راسكو إلى اليأس والإنتحار . دفعه إلى الإنهيار . لم يمت الروسي بصمت كما مات روسكو . إن الحنان موجود في روايته . لكنها ، إنها ليست نهاية المطاف . الروح والجسد مهمان في خطابه . غير أنه تجاوز الدين . أو على الأقل حين لم يجعله لا في الغايات ولا في الأسباب . لم يضع شروط اغلاقه ، غير أنه لم يقدمه بصوره المريعة كما أوجده الحسيني في نسقه المسرحي المغلق على الإنجيل . الإنجيل والصليب في بداية المسرحية مهدية من فوانوف شهيد العجوز المرابية . ثم ، الكلام على الخطيئة وهي دلالة من الدلالات التداولية عند المسيحيين ، في نسبة محمول في حامل منطقي لدى من يواجهون ما يسمونه خطيئة . الإنتقال إلى عمليات اللغة قام المحمول نفسه . صلبان في نقطة المسرح البؤرية ونعوش لا تخضع إلى عمليات التحريك إلا نادراً . يشكل التدخل في هذه اللحظات لحظات تغريبية ، حين تذكر موارد النسق بكانتور . المسرحي البولوني ، من عارض خطاب السلطات الشيوعية في بولندا . صلبان على منصة كانتور ونعوش. غير أن تعيينات الحسيني من المبديات الظاهرة ، لا من وضع المقدرة على التصرف في الفعل السياسي كواقعة بدئية . ضرب الزجاج بالمطرقة عند كانتور . ذلك أن الدين يسند البولندي في الخروج باندفاعية لا تتخطى الحدود في مواجهة الخطاب الآخر . الدين في مواجهة الجدليات المادية . عند الحسيني ، في الجريمة والعقاب ، اجواء كانتورية بعيداً من الإتجاه التصاعدي في التخطي النوعي لنظام شمولي لا يرى في الدين الغنى والملموسية الأكثر للهوية الذاتية للذات .

لا اتصالية بين المسرحية والمستوى الأبستمولوجي عند دوستويفسكي . لأنه يركز على المعارف العلمية حتى ولو وجدها تقر في أحيان بالعلوم الدينية .إلا أنه لا يقدم نفسه كصاحب دعوة إلى هندسة الخيال الجمعي بتنحية العقل كما تفعل الأيديولوجيا الدينية كما وقع الأمر في مسرحية الحسيني . عارض كانتور النظام الشيوعي . لا نظام شيوعي داخل الحياة الأساسية للكاتب الروسي . كان في العام ١٨٦٦ . أي حين انكسر جسده على المستوى النقدي للنظام القيصري ، لا النظام الشيوعي . لم يشهد اخفاق لينين بالعام ١٩٠٥ . ولا ثورة البلاشفة بالعام ١٩١٧. ثم، الصراع بين ديوك السلطة على السلطة بحيث أذنوا بنهاية مسار طويل وهم لا يزالون بعد في أول المسير . ثمة واقعة مشبوهة في المسرحية ، حين يتكلم المحقق بورفيري عن مقالات روسكو عن القيصر والبلاشفة. خروج على الحقبات . خروج من حقبة كتابة النص . رفع ما سبق على ما لحق . لحق دوستويفسكي النظام القيصري . لكنه ، بقي بعيداً من حصد العسل من مخازن الثورة ، بعد أن توفي بعيداً عنها . هذه ليست نقطة في الهواء . هذه نقطة في النظام . نظام يقوم على مسح المسرح بالغضب من الفقر ، فقر بعض . فقر يدفع راسكو إلى الكلام على توزيع الأقدار . إشارة وحيدة إلى صراع طبقي ، لسبب معروف لا علاقة له سوى بإطلاق بالون من فضة في فضاء لا يقدم الألوان كمقرح حلولي جمالي . وجودية المؤلف الروسي لا علاقة لها بعجائبية وجود نصه في مرحلة البلاشفة من صوروا كمصادرين لأجزاء من حليب العالم . اضاءة ملونة ، زاهية . اضاءة تزهو بنفسها وهي تبلسم الألم بالألوان . لاتحميل تبعة للألوان . بيد أن اجواء النص اجواء لا تصعب معالجتها من سوداوية الأحداث . لا يريد احد أن ينسب الراوية إلى عالم الروايات البوليسية . إلا أن التعامل معها من خلال إجراءات الراويات البوليسية ، سيدفع الإخراج إلى تشكيلات ميدانية تؤشر إلى علاقة التصرف بفاعله ، وتقيم نوعاً من التحالف بين التأويلات النظرية ونظرية اللعب . المسرح لعب . يقود اللعب إلى الحرية . الشعور بالحرية أهم من الحرية ، كما يقول كانتور . الحرية عند محمود الحسيني لا الشعور بالحرية . هكذا ، أوقع الإضاءة في السرد لا في العلامات والرموز . أوقع الإضاءة في حقل بعيد من التحليل المنطقي لمعنى اللغة . اضاءة ملونة في حكاية كابية. تركيز على المسيحية في الرواية الخيالية . لا تأكيدات صحيحة . لأن دوستويفسكي ، هجاها في مقالاته . ملاحظات الصيف عن انطباعات الشتاء مقالات استوحى فيها رحلاته ، هجا فيها الرأسمالية والمسيحية المتطرفة . مسيحية موجودة في مسرحية لرجل هجاها بتطرفها بوضوح بالبعد الزمني والروحي الخاص . أن تطبق ما تريده على ما يريده المؤلف فرصة شخصية غير مفهومة لا تقدم . نفي القناعات لا التبادل . لا يزال المؤلف العربي يؤلف على العينية الأخرى ، الذاتية الأخرى ، لأنه لا يجدها واسطة . لأنها تدفع عنه اشكاليات الإرتباكات التأليفية. انها هوية الآخر في حالات النكوص. حالة الشخص في حالاتها ، حين تحافظ على ذاتها بالمحافظة على جمل العمل كجمل لا توضع بين هلاليين .

اضاءة تزينية إذن . لا اضاءة ذات وظائف مادية واضحة ، إلا في اللحظات المترية ، حين يقود المحقق بطل الراوية إلى السجن الإنفرادي لشقيق القتيلة . حيث تتسع المنصة ، بحيث تكثف المعنى في اضاءة مؤدية ، لا في اضاءة سردية ، حالها كحال السرد في مقاطع قراءة الرسالة المتروكة من حامل الحدث ، من يرتجف على ميزان عيونه . ثمة لحظات سينمائية . لحظات منتجة أضحت مصهورة بعد وجودها وهي تروي مسرحيين بالعشرات في مسرحيات بالعشرات . لا مقامرة بالمعنى الجمالي ،حين أن المؤلف مقامر . ثمة طواف للموت ، لمَّا أن الرواية عن مرونة الروح وإمكانية الولادة الروحية من جديد . الدين في نصوص ديستويفسكي فلسفة لا ايديولوجيا . قطرها إلى المنحى الأيديولوجي تغلغل بلا حلاوة . ثمة روح تشكيلية في الجريمة والعقاب . ثمة معطى تقليدي . الدخول إلى المسرح بالتقليديات كدخول الاعمى بعصاه في فضاء عريض . لا معادلات سحرية . لا معادلات . كأن يرى الإخراج في النص نفق . وأن يرى أن الأنفاق لا تلون . خلال دراسة المؤلف الروسي في الأكاديمية العسكرية ، أضجره الملل والروتين والإفتقار إلى الخيال . كأن المسرحية بلا خيال . تخييل على النص بأمواج الصدر من دون خيانة النص . الروتين من الإرتجاف بالوجود في أرض الجدود . لا يزال بعض المسرحيين يلونون الشعر بالأبيض حين يريدون أن يقدموا شخصية اصيبت بتضخم القلب من تقدمها بالسن . لا تنوجد القوى التحويلية للفنون في الجريمة والعقاب . لا بمقدور المسرح أن يقدم سوى الأرض . اشتهاء الأرض يؤدي إلى الإستغلال لا إلى الجمال حين لا يرى المسرحي إلى المسرح بعينين مجنحتين . الملابس ليست ابنة البشر الحقيقية . ميلان إلى الثعلب لا إلى العنب . ثم ، إن الكلام بالفصحى كلام يغتصب اللغة في أحيان كثيرة ، حين أن اللغة المصرية في الواقع فصحى أخرى . فصحى كالفصحى ذاتها ، من وجودها كاملة في طباع العرب .