موازين الحب واقداره
هي قصة حقيقيه،وليست من نسج الخيال،وهي قصة شهيره،حتى وان لم تكن لافته بشكل كاف للأنظار
وهي قصة حب تتخطى المسلمات التي تعارفنا عليها،وانما شاءت ان تصنع لنفسها مسارا خاصا بعيدا عن الدارج في الاختيارات.انها قصة حب الدكتور( طه حسين) وزميلته في جامعة (مونبلييه)في فرنسا
(سوزان بيرسو)وقد التقيا عام1915،حين ذهب طه حسين الى جامعة مونبيلييه الفرنسيه للحصول على شهادة الديكتوراه ،وقد جمع بينهما اكثر انواع العشق احتراما وهو (عشق المعرفه) .في البداية لف مشاعرها نحوه، حاجته الى المساعده، فهو (كفيف) ولكنه استرعي انتباهها ايضا بكونه طموح، وله ارادة قويه تتخطى الاحساس بالعجز،الى الاقدام بجساره على تحقيق اّماله. كانت هي على الطرف الآخر تندهش،وتخترق الدهشة اعماقها الى حد الأفتتان بهذا الشاب الكفيف،الذي طرح عجزه ارضا،وتفوق في بلاده،وجاء الى باريس عاصمة النور،لكي يستكمل دراساته، ومن باريس الى مونبلييه، حيث شاء لهما القدر ان يلتقيا،وان لا تتوقف هي بدورها عند عجزه، وانما تدلف الى مصادر قوته ،من خلال اكتشافها لموسوعية فكره،في الأدب والفلسفة والتاريخ ،مما خلق في داخلها قدرا كبيرا من الانبهار، وتحولت الثنائية بينهما في مراجعة الدروس والقراءة، ومساعدته في ذلك ،بما يكفل عملية تحصيل مشتركه، اكثر عمقا واثرا.يقول طه حسين عنها ( انه منذ ان سمع صوتها لم يعرف قلبه الألم ) ويكتب لها ذات مره قائلا ( بدونك أشعر أني أعمى حقا، أما وأنا معك ،فانني اتوصل الى الشعور بكل شيئ ،وأنني أمتزج بكل الأشياء التي تحيط بي ) كان طه حسين يرى في سوزان عينه التي يرى بها العالم، وسنده الذي بدونه يشعر بالعمى الحقيقي. وبالمقابل، كانت سوزان تجد في بصيرته وقوة عزيمته كفاءة روحية ملأت حياتهأ . وقد اعترض اهلها في البداية على ارتباطهما بالزواج، نظرا للفوارق الواضحة .فهو كفيف ،وهي مبصره وعيناها زرقاويتان تشعان فتنة وجمالا، وهو اسمر،وهي شقراء،وهو مسلم وهي مسيحيه، ،وهو من بلد افريقيه ،وهي اوروبيه ، ولكن ان كانت تلك الفوارق دارجه، الا انها لا تتناسب مع ثقافتهما المشتركه ،وادراكهما الواعي للعلاقه بين زوجين،و امكانية خلق نوع من التلاقٍى الحضاري بيتهما، فبينما كان طه حسين يتلو عليها ويترجم آيات من القرآن الكريم وأبياتاً من الشعر العربي، كانت هي بوابته لتعميق معرفته بالأدب الفرنسي وتعلّم اللاتينية واليونانية لقراءة أفلاطون في نصوصه الأصلية،ومن خلال هذا التفاني بينهما والدعم المطلق في المحن، تجسد هذا التقارب في دور سوزان الشامل كقارئة، وكاتبة على الأله الكاتبه ،وممرضة ان لزم الامر، وداعمة أولى له في مواجهة العواصف السياسية، والفكرية، التي تعرض لها في مصر، مما صهر روحهما في كيان واحد عبرت عنه هذه الزوجة الوفية لاحقاً، في كتابها الشهير (معك ) . بعد ان رحل طه حسين،كتبت ( سوزان) مذكراتها،وحرصت على ترجمتها الى العربيه،وان تصدر بالعربيه قبل ان تصدر في الطبعه الفرنسيه، وقالت في سطورها (ذراعي لن تمسك بذراعيك بعد الآن ابدا، ولذلك اشعر ان يديّ لم تعد ذات فائده وهو مايجعلني أغرق في الحزن واليأس معا، كم اريد ان اري من جديد عبر عيني المخضبتين بالدموع ،ابتسامتك الرائعه على الدوام.. طلبت (سوزان بيرسو )أن تدفن في مصر بعد رحيلها،لتكون بجواره دائما،حتى وان كان قبرها ،ليس في مقابر المسلمين ، ورحلت في 26 يوليو عام 1989 عن 94 عاما قضت منها 75 عاما في مصر. انها قصة حب عمقها التقدير والاحترام، وغلافها الوجدان والمشاعر.

