الروائي المصري إبراهيم عبد المجيد
إبراهيم عبد المجيد هو واحد من أبرز الروائيين المصريين المعاصرين. ولد في الإسكندرية عام 1946 وارتبطت معظم أعماله الأدبية بمدينته التي جعل منها بطلة لرواياته. يرى أنه حين يفكر في الكتابة يترك ذلك للاشعور الذي يأتي به إليّ وقت أن تشأ روحه. ويؤكد أن، اللاشعور هو مخزنه. وإنه لا يحمل مفكرة يكتب فيها ما يفكر فيه، ولا حتى يضع تخطيطا للرواية. يتركها ويترك شخصياتها تفعل به ما تريد ووقتما تريد. ويأتي دوره بعد الكتابة الأولى التلقائية في تكوين البناء الفني للرواية. كان للحصاد لقاء حصري معه.
الحصاد: الإسكندرية حاضرة في معظم أعمالك، لقد قلت أن:” الإسكندرية ليست مجرد مدينة عشت فيها، بل هي عالمي الروائي الذي أستمد منه شخصياتي وأجوائي.” ما الذي يميز الإسكندرية عن غيرها من المدن بحيث تصبح مادة روائية خصبة؟
إبراهيم عبد المجيد: في أحد الأيام كنت أقف على شاطئ مدينة لاروشيل الفرنسية، حيث يطل المحيط الأطلسي، وأجري مقابلة مع التلفزيون الفرنسي. سألني المذيع: ما الفرق بين إحساسك وأنت هنا أمام المحيط، وبين شعورك على شاطئ البحر في الإسكندرية؟ فأجبته: هنا يواجهني الغموض واللانهاية، أما هناك، على شاطئ المتوسط في الإسكندرية، فإن تحت قدمي يمتد تاريخ زاخر بالأحداث والشخصيات؛ الإسكندر الأكبر، ومن تبعه، وكليوباترا وأنطونيوس، ثم الرومان، وغيرهم كثير ممن تركوا بصماتهم في ذاكرة المكان. هذا يجعلني أجيب على سؤالك أن الإسكندرية منذ عام 332 ق. م حين قرر الإسكندر بنائها حتى القرن الثامن بعد الميلاد حين دخل العرب مصر، كانت مدينة العالم. بل أن العصر الهيليني نفسه الذي يضم اليونان والرومان كان يسمى بالعصر السكندري. كانت حافلة بكل الجنسيات والثقافات. أهملها العرب لأنهم لا يهتمون بالموانئ، لكن عادت إلى تاريخها مع محمد علي وأولاده، فعادت إليها كل الجنسيات ورأيت ذلك في طفولتي. كان تصدر منها الصحف والمجلات وبدأت فيها السينما والمسرح ورأيت ذلك كله، ومن ثم فكما يقول المثل ” العلم في الصغر كالنقش في الحجر” ظلت الإسكندرية في روحي رغم ما جرى عليها من إهمال منذ خمسينيات القرن الماضي.
الحصاد: كيف تشكلت طفولتك ووعيك الأدبي وخيالك الروائي، ما هي أبرز الذكريات من طفولتك في الإسكندرية التي تجدها عالقة في نفسك وتعود إليها في كتاباتك؟
إبراهيم عبد المجيد: أبرز الذكريات، اتساع المدينة وقلة عدد سكانها. نظافة الشوارع والطرق. حرية الناس على الشواطئ فيما يرتدونه من ثياب وحركة. حرية النساء فيما يرتدين. السينمات التي كانت تحفل بها الأحياء الشعبية إلى جوار سينمات المناطق الراقية. طبعا تم هدمها إلا أربعة أو خمسة. المقاهي التي كنت أشاهد عليها أفرادًا من الجاليات الأجنبية يهود، ويونان، وإيطاليين، وأرمن وغيرهم يقرأون صحفا بلغاتهم تصدر في المدينة. المدارس التي كانت بيوتا للثقافة بها جماعات من التلاميذ للمسرح والسينما والرحلات، والفن التشكيلي، والقراءة، وغيرها. والدي رحمه الله الذي كان يحكي لنا ونحن أطفال قصص القرآن الكريم فحببني في الحكي. بحيرة مريوط التي كانت وراء الكثير من قصصي وكنا نصطاد فيها السمك. طبعا تم ردمها. ترعة المحمودية ورحلات السفن وحكايات المراكبية الخيالية. طبعا تم ردمها. كثير جدا من الأشياء اتذكرها ضاعت كلها لكنها كانت وراء شخصيتي ككاتب.
الحصاد: هل كان لدراستك للفلسفة في جامعة الإسكندرية دورًا في تشكيل رؤيتك الأدبية والفكرية؟
إبراهيم عبد المجيد: طبعا. اخترت دراسة الفلسفة لأفهم ما وراء العالم. كان يمكن أن اختار أيَ قسما آخر مثل اللغة الإنجليزية مثلا أو العربية لكني كنت اقرأ بهما. وبالفعل كانت الفلسفة وراء كثير من الواقع والخيال في أعمالي الروائية والقصصية.
الحصاد: لقد فزت بعدة جوائز أدبية مرموقة منها جائزة نجيب محفوظ للرواية من الجامعة الأمريكية، وجائزة الشيخ زايد في الآداب، وجائزة كتارا في الرواية، وجائزة النيل المصرية في الآداب وهي أعلى الجوائز المصرية، ما رأيك في الجوائز الأدبية العربية ودورها في تشكيل المشهد الروائي؟
إبراهيم عبد المجيد: الجوائز اعتراف بجهد الكاتب تسعده وتفيده قيمتها المالية في هذا العالم الصعب. كانت ولا زالت أحد الأسباب الهامة لتشجيع الكتاب على الكتابة وخاصة في الرواية التي تحظى بأكبر الجوائز. لكن في النهاية هي كما نقول: “هي قسمة ونصيب” و هناك كتاب رائعون لم يفوزوا بالجوائز. وأتمنى أن تكون هناك جوائز الشعر بكثافة مثل جوائز الرواية.
الحصاد: احتفلتَ في الثاني من ديسمبر 2025 ببلوغك التاسعةَ والسبعين، وما زالتَ مكانتك ترسّخ كأحد أهم الكتّاب المصريين والعرب منذ السبعينيات. فكيف ترى اليوم مسيرتك الطويلة، وما الذي يشغلك ككاتب بعد كل هذه السنوات؟

إبراهيم عبد المجيد: سعادتي كانت كبيرة باحتفال الأحباء بيوم مولدي. كان هذا من أعظم أسباب سروري وفرحتي. مسيرتي أنا في غاية الرضا عنها. لا يشغلني شيء أكثر من أن تمر الأيام بلا محن مرضية أو آلام كالتي عانيتها في السنوات السابقة.
الحصاد: تقدّم رواية “لا أحد ينام في الإسكندرية” توثيقًا ثريًا للعلاقات المتشابكة بين فئات سكان المدينة خلال الحرب العالمية الثانية، في رحلة تكشف تفاصيل التعايش اليومي بين السكندريين والوافدين من الدلتا والصعيد، إضافة إلى إبراز العلاقة بين أتباع الديانات المختلفة في ظل الظروف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي شكّلت ملامح الحياة منذ اندلاع الشرارة الأولى للحرب العالمية الثانية عام 1939. إنها أيضًا رحلة لاكتشاف الذات والاختلافات الثقافية والاجتماعية. وباعتبارها تتناول مرحلة تاريخية مفصلية، ما المسؤولية التي يتحمّلها الروائي تجاه التاريخ؟ وكيف يوازن بين الحقيقة التاريخية والخيال الفني؟ وهل يمكن اعتبار الرواية وسيلة لحفظ الذاكرة؟
إبراهيم عبد المجيد: هناك دراسات كثيرة تبحث في التاريخ داخل الرواية. وأنا أرى في الرواية عملاً يضم الخيال كما يضم الواقع. التاريخ في رواياتي هو محاولتي للإمساك بروح العصر، وليس إبداء رأي فيه ولا في شخصياته. لا أميل إلى اعتبار الشخصيات التاريخية ممثلةً لشخصيات معاصرة. مثلاً، روح العصر هي أملي في كتابة الرواية التاريخية. وأقصد بالعصر: عصر الرواية. لذلك تجدين في “لا أحد ينام في الإسكندري”، خبراً عن هتلر، يليه خبر عن امرأة أو حلاق، وغير ذلك من مظاهر الحياة اليومية، وهكذا في سائر الأخبار. أحاول تجسيد الزمن والمكان، وأترك التفسير للقارئ والناقد. أكتب حتى تتصدر روحي ومشاعري المشهد، لا عقلي؛ فعقلي كامن وراء الأحداث.
الحصاد: في رواية “طيور العنبر” تتابع تصوير روح المكان والزمان خلال عدد كبير من الشخصيات المصرية والأجنبية كل منها لديه حلم للامساك بطائر العنبر الخرافي فكانت الرواية كملحمة للنبل والحب والفراق وأغنية عذبة لمدينة تمتد في الزمان. كيف تعتمد شخصياتك الروائية؟
إبراهيم عبد المجيد: زمان ومكان الرواية هما ما يستدعيان الشخصيات. تدور أحداثها في الخمسينيات، مع بداية إجبار الجاليات الأجنبية على مغادرة الإسكندرية، المدينة التي عشقتها تلك الجاليات. كانت هذه للأسف سياسة الزعيم الأوحد جمال عبد الناصر، الذي لم يقبل اختلافًا في الرأي أو الثقافة، وهو ما نعاني من آثاره حتى اليوم. لذلك ظهرت في الرواية شخصيات يونانية ويهودية وإنجليزية إلى جانب الشخصيات العربية. وقد رآهم المصريون آنذاك كطيور العنبر الأسطورية التي تجلب العنبر إلى المدينة. قصص الحب بينهم كانت تحلّق إلى السماء، وكانوا أشجارًا باسقةً في فضاء المدينة، لكنهم أُجبروا على الرحيل، ففقدت الإسكندرية ملامحها العالمية التي كانت قد تميزت بها من قبل.
الحصاد: كيف تبدأ الكتابة، هل تبدأ بفكرة، شخصية، أم بمكان، وما هو الوقت المفضل لديك للكتابة؟
إبراهيم عبد المجيد: لا أستطيع أن أحدد تماما. ربما فكرة وربما شخصية رأيتها أو سمعت عنها، أو حالة مما هو أمامي، أو مكان غريب أو سفر. المهم أني حين أفكر في الكتابة اترك ذلك للاشعور يأتي به إليّ وقت أن تشأ روحي. اللاشعور هو مخزني. لا أحمل مفكرة اكتب فيها ما أفكر فيه، ولا حتى أضع تخطيطا للرواية. أتركها واترك شخصياتها تفعل بي ما تريد ووقتما تريد. يأتي دوري بعد الكتابة الأولى التلقائية في تكوين البناء الفني للرواية.
الحصاد: من بين جميع رواياتك، أي عمل تجده مميزاً بالنسبة لك. لماذا؟
إبراهيم عبد المجيد: كلهم أبنائي اسعدوني كل السعادة، وفرحتي دائما تكون بكتابة رواية جديدة فأنسى ما قبلها.
الحصاد: هل هناك رواية كتبتها وشعرت أنها لم تأخذ حقها من العمل النقدي أو القرائي؟
إبراهيم عبد المجيد: بعد صدور الرواية تكون ملك القارئ والناقد. يسعدني الكتابة عنها ولا يحزنني عدم الكتابة، في متعتي هي في الكتابة ذاتها. عادة تحظى بعض روايات الكاتب باهتمام أكثر من غيرها. هذا ينطبق على كل كتاب العالم. لكن هذا لا يشغلني، فكثيرا ما تفاجئني دراسات جامعية مصرية وأجنبية عن روايات لم تأخذ حقها كروايات أخرى. على سبيل المثال حين ظهرت رواية البلدة الأخرى عام 1990 ظلت الصحف العربية حافلة بمقال عنها تقريبا كل اسبوع في جريدة أو مجلة حتى عام 1996 حين ظهرت “لا أحد ينام في الإسكندرية” فصارت الكتابة عنها تقريبا كل يوم. أنا الحمد لله لدي روايات كثيرة تصل إلى خمس وعشرين رواية الآن، لذلك لا بد أن يتفاوت الاهتمام بينها ولا يشغلني ذلك.
الحصاد: رواياتك تتناول قضايا اجتماعية عميقة مثل الطبقية، الفقر، والتهميش، كيف ترى دور الأدب في معالجة القضايا الاجتماعية المعاصرة؟
إبراهيم عبد المجيد: كما قلت لك: لا تبحث في الأدب عن العقل، فالأدب روح تمنح القارئ عالمًا خياليًا موازيًا لواقعه المرئي. أما معالجة القضايا الاجتماعية فتكون في المقالات، أي بالعقل لا بالروح. قد يحدث أن يعبر شخص فقير في رواية، من خلال سلوكه و حالته ورؤيته وهو لا يدري، عن قضايا فكرية كبرى لا يستطيع رجل غني يعبر عنها. المهم في الرواية هو متعة التصوير، وصدق اللغة في نقل المشاعر والمكان والزمان.
الحصاد: من هم الروائيون الشباب الذين تتابع أعمالهم وتشعر أنها تثير إعجابك؟
إبراهيم عبد المجيد: كثيرون جدا في مصر والعالم العربي، لكن دائما أخشى أن أنسى اسم كاتب أو كاتبة منهم، لذلك اكتفي بالقول إني اتابع الكثيرين بقدر ما تسمح به ظروفي، وأحيانا أكتب عنهم أو أشير إلى رواية جميلة لأي منهم على صفحتي في الفيسبوك أو تويتر.
الحصاد: تُرجمت بعض أعمالك إلى لغات عدة، كيف تنظر إلى تجربة الترجمة. هل تشعر أن الترجمة تنقل روح النص العربي بشكل كامل؟
إبراهيم عبد المجيد: الترجمة كانت وراء زيارتي لكثير من دول العالم، وهذا لم أكن سأفعله لأنه يحتاج إلى أموال لا أملكها، ولا يملكها الكاتب الذي يستغني بالكتابة عن أي عمل آخر. الترجمة كانت وراء لقائي بقراء مختلفين ومن بلاد أوربية متعددة. هل تعرفين مثلا أن كثيرا من السياح يأتون إلى الإسكندرية ليمشوا وراء الأماكن التي جاءت في رواياتي وخاصة الثلاثية عنها. يخبرني بذلك اصدقاء من العاملين في السياحة وهذا يسعدني جدا. أما الترجمة وروح النص الأصلي فهو أمر يتوقف على قدرة المترجم. في الرواية وترجمتها يكون أسهل من ترجمة الشعر. بالنسبة لي من ترجموا رواياتي قدموا أعمالا رائعة لاقت اقبالا كبيرا في اللغات الأخرى ولهم جميعا شكري. من رحل منهم ومن هو لا يزال بيننا.
