الضغط النفسيّ، مرض العصر الخفيّ!

الاختصاصيّة زهراء صاحب لـ “الحصاد”:

القلق المزمن والإكتئاب واضطرابات النوم الأكثر شيوعاَ

مرض العصر الخفيّ، مشاعر تفوق طاقة الإنسان على التحمّل، مواقف يقف المرء أمامها عاجزًا عن الحِراك، غضبٌ مكتوم يشتدّ ويشدّ صاحبه إلى وادٍ سحيق من التبلّد والعجز عن المواجهة، عارضٌ إذا طال أمده واشتدّ وقعه قد يتحوّل إلى مرض نفسيّ مزمن وحتى إلى مرض جسديّ، وفي زمن تتلاحق فيه الأحداث والمُتغيرات السياسيّة والاقتصادية وكذا الاجتماعيّة بسرعة مهولة، يبدو أنّ موضوعًا مثل الضغط النفسي يطال جميع الفئات والأشخاص ولا ينحصر في زاوية معيّنة، للحديث حول هذا الموضوع أسبابه ومسبِباته، كان للحصاد لقاء حواريّ مع الاختصاصيّة النفسيّة زهراء صاحب.

  • الحصاد: هل هناك تعريف موحد للضغط النفسيّ، وما هي برأيك مُسبباته -بشكل عام-، وهل لهذه المسببات ارتباط بعوامل الوراثة والبيئة؟

زهراء صاحب: يمكن أن نُعرّف الضغط النفسي أنّه عندما يصل الإنسان إلى مرحلة فقدان حالة الأمان والهدوء النفسيّ المتمثّلة حتى بجسده وعواطفه والحالة الشعوريّة والذهنيّة، وبالتالي افتقاد القدرة على المواءمة بين التحديات التي يعيشها وقدراته الذهنيّة والنفسيّة والعاطفيّة، ويقع في فجوة تمنعه من إعادة لملمة نقاط الضعف والاتّكاء على نقاط القوّة.

 ومن المؤسف القول أنّنا نعيش في زمن الضغط النفسيّ، وهو أكثر مرحلة يصل فيها الإنسان للشعور بالضغط النفسي ضمن نسبة مرتفعة جدا عند الكبار والصغار.

في الأزمنة السابقة وكمقارنة بسيطة كان مستوى الضغط النفسيّ أقل بكثير من مستواه في الزمن الحاليّ، كان الناس يعيشون بساطة العيش والرضا عمّا في أيديهم إلى حدّ ما وكان لديهم قدرة فطريّة على التعامل مع الضغوطات، واليوم ومع كثرة المُشتِتات وزيادة وسيادة وسائل التواصل ومع وجود الذكاء الاصطناعي، نلحظ ارتفاعًا في منسوب الضغط النفسيّ عند الإنسان.

وبالحديث عن الأسباب، ورصد مسببات الضغط النفسي، نقول؛ أنه لا يوجد سبب واحد وجازم للضغط النفسيّ، هذا الأمر يحدث نتيجة وجود خطر يتعرض له الشخص نتيجة أسباب كثير منها: ماديّة، ضغوطات العمل، الوضع الاقتصادي، الوضع الأمني والسياسيّ وبخاصة في زمن الحروب والنزاعات، كثرة التحديّات الاجتماعيّة والاقتصاديّة، كذلك وجود تحديات عاطفية وعائليّة، لأسباب تتعلق (بارتفاع نسب الطلاق، عدم القدرة على التواصل..).

وبالحديث عن عامليْ البيئة والوراثة، فالتفاعل قد يكون كيميائيّ عصبي، فالفرد يرث القابليّة للضغط النفسيّ من أحد الوالدين أو كلاهما أو من شجرة العائلة، وراثة لمُسببات الضغط النفسي مثل: حساسيّة الجهاز العصبيّ، الميل للقلق والاكتئاب، (هناك عائلات أكثر عرضة للقلق والاكتئاب)، كذلك تنظيم الهرمونات من خلال وجود مشكلة بإفراز هرمون التوتر الكورتيزول أو إفراز هرمون السعادة سيروتونين والدوبامين، وهي أمور تتمثل في استعدادات وراثيّة مأخوذة من أحد الوالدين.

 أمّا البيئة فهي حتمًا شريكة حقيقيّة، في غياب الدعم الإجتماعيّ، والتواجد في بيئة غير آمنة -وهنا نتحدث عن الخلافات الأسرية المعقّدة- (العنف، فقدان الداعم، مسؤوليات أسريّة منهِكة ومتراكمة على الأب والأولاد والأم) وتختلف وتزداد وتتنوع الأسباب وتتوسع الدائرة من الأسرة إلى الأقارب فالحيّ أو المجتمع كذلك المدرسة والجامعة وبيئة العمل..

  • الحصاد: ما هي العوارض التحذيريّة للضغط النفسيّ؟ وهل لذلك ارتباط بنمط الشخصيّة؟

زهراء صاحب: نستطيع تقسيم العوارض إلى ثلاثة أقسام، نفسيّة وجسديّة وسلوكيّة.

نقصد بالعوارض النفسيّة: سرعة الانفعال، حساسيّة زائدة، سرعة الاستثارة عاطفيًّا بحيث يشتعل المرء عاطفيًا من أي حدث، الشعور بالحزن والإحباط، الشعور بعدم الراحة وافتقاد الرغبة بالضحك، صعوبة التركيز، إرهاق ذهني وتشتُت بالانتباه.

الأعراض الجسديّة: وجع في الرأس، الصداع، دقات القلب السريعة، عوارض الأمعاء والمعدة والجهاز الهضمي مثل: الغثيان أوجاع المعدة، عصب المصران.. تعب عام في المفاصل وسلسلة الظهر، أوجاع في اليدين والرجلين، تنميل في الأطراف.

أمّا الأعراض السلوكيّة والاجتماعيّة، فتتمثّل: التسويف وضعف الإنتاجيّة، عدم القدرة على إتمام المهام والواجبات، الانكفاء عن العمل والعلاقات الاجتماعيّة، ضعف المشاركة والالتزامات الأسريّة، نوبات الغضب التي تتمثل في سلوكيات عنيفة كالضرب والتكسير، التجهُم الملازم، حدّة في ردّات الفعل الكلاميّة، البكاء غير المبرر، الإفراط في التدخين وتناول المُنبهات، والكحول والمواد المخدرة.

وبحسب إدراك العوارض والتعامل معها نرى علاقة الضغط النفسي بنمط الشخصيّة، فالشخصيّة الانبساطيّة الاجتماعيّة تتعامل مع الضغط النفسيّ بطريقة مرنة ومختلفة عن الشخصيّة الكماليّة مثلًا، أو الحساسّة أو الشخصيّة التي تعاني أصلًا من اضطرابات شخصيّة مثل: (اضطراب ثنائي القطب، الوسواس القهريّ، النرجسيّة)، فالفرق يظهر بكيفيّة استجابة هذه الشخصيّات لعوارض الضغط النفسي، وكيفيّة التعامل معه.

  • الحصاد: ما هي أثار الضغط النفسيّ على الحياة الاجتماعيّة للفرد؟

زهراء صاحب: الفرد الذي يعاني من الضغط النفسي قد يصل إلى مرحلة يعجز فيها عن التواجد ضمن الجماعة، وقد ينكفئ على نفسه ويتوقف عن المشاركة في أعمال متمثلة بالوعي الجمعي وروح الجماعة؛ مثل المناسبات، العزاء، الفرح، زيارة المرضى.

 كذلك تضعف إنتاجيته الاجتماعيّة ويتولّد لديه نفور عاطفيّ يتبدى بفقدان الاهتمام بالآخرين والتبلّد العاطفي، ضعف القدرة على التعاطف مع الآخر، متبِعًا المثل القائل: “الي فيني مكفيني”، والأخطر هو رفع مستوى النزاعات نتيجة حساسيّة الفرد العاطفيّة.

  • الحصاد: هل يمكن أن يتطور الضغط النفسي إلى مرض نفسي مزمن أو حتى مرض جسديّ؟

زهراء صاحب: من المؤسف القول أن الضغط النفسيّ قد يتطور من حالة عرضيّة قد تكون مؤقتة إلى حالة مرضيّة نفسيّة أو جسديّة مزمنة.

نتيجة شدّة العوارض وطول الأمد، فالاختلال الوظيفيّ لمعدلات الكورتيزول في الدماغ تؤدي إلى خلل في الدماغ وإلى نشوء أمراض نفسيّة مزمنة: كالقلق المزمن والاكتئاب نوبات الهلع المزمنة طويلة الأمد، اضطرابات النوم والطعام، الاضطرابات الاجتماعيّة. 

وفي الحالات الجسديّة قد يتحوّل إلى أمراض مثل: السكري، القلب، الضغط، نتيجة اختلال كيميائيّة الدماغ وشدّة العوارض النفسيّة المتكرّرة من دون معالجتها.

  • الحصاد: هل يمكن أن نتحدث عن فروقات نفسيّة للإصابة بالضغط النفسيّ بين المرأة والرجل؟

زهراء صاحب: هناك فروقات وهو لا يعني أن هناك من هو أقوى أو أضعف من الآخر، الغالبية تكون لأحدهما لسبب وجود فروق بيولوجيّة ونفسيّة في تركيبتهما الجسديّة والعاطفية والنفسيّة.

 بيولوجيًا وطبقًا للتركيبة الهرمونيّة عند المرأة، تظهر لديها تقلبات في نسب الأستروجين والبروجسترون وهو ما لا يوجد عند الرجل، وبالتالي لديها قوّة استجابة أسرع وأقوى لمحفّزات الضغط العاطفيّ والمعاناة من بالقلق والاكتئاب. أمّا في حالة الرجل فلديه قدرة أكبر على إفراز الأدرينالين عند الضغط، فجسمه يحارب الضغط النفسيّ بطريقة أسرع، ولسبب لتركيبته وبنيته الجسديّة التي تتحمل أكثر بكثير من بنية المرأة.

 الرجل يستجيب بالمواجهة أو الهروب الإيجابي بشكل أوضح، بينما المرأة تُقحم نفسها في المشاعر والأفكار، وهو ما نقصد به “الاجترار العاطفيّ”.

تميل المرأة إلى التفكير الاجتراريّ حيث تستنزف طاقتها بالتفكير في المسائل وإعادة سيناريو المشكلة، ويُحسب لها أنها تعبر عن مشاعرها بينما يضعف الرجل عند التعبير ويميل إلى الكتمان. وفي حين تلجأ المرأة إلى طلب المساعدة النفسيّة، يميل إلى كبت المشاعر والانسحاب وهذا لديه مردود سلبيّ.

  • الحصاد: هل يمكن أن يعاني الأطفال من أعراض الضغط النفسي وما هي علاماته، وعلاجه؟

زهراء صاحب: نعم الأطفال عُرضة في كثير من الأحيان للإصابة بالضغط النفسي، نتيجة عدم نضوجهم الكافي عقلانيًّا ذهنيًّا واجتماعيًّا وعاطفيًّا ونفسيًّا فالطفل لا يستطيع أن يعبّر بشكل واعٍ عن أفكاره ومشاعره، وبالتالي تظهر الأعراض في البيئة الدراسيّة، وفي المنزل: تغيّرات في نمط أكله ونومه، انسحاب وعزلة اجتماعيّة عن بيئة الرفاق، تراجع في التحصيل الدراسيّ، إفراط في النوم، أو في الطعام أو العكس.

وتتمثّل أولى عمليات التدخّل بالبيئة الأسريّة، فالأهل هم الداعم النفسيّ الأوّل والبيئة الحاضنة للطفل، وتبدأ من قدرتهم على الإنصات والاستماع ومشاركته الحديث وتعليمه كيفية التعبير عن مشاعره ومساعدته على تفريغها من خلال الرسم أو القصة، التنزّه، إضافة إلى تأمين البيئة الآمنة الخالية من النزاعات، وتجنُب الأخطاء التربويّة (الإفراط في القسوة، الإفراط في الدلال).

 على الأهل متابعة المسائل في حال ملاحظة أيّ تغيّر على سلوك أبنائهم، وطلب المساعدة المدرسيّة والمتابعة مع الإدارة في حال حصول مشاكل تتعلق بالتنمر، ضغط الواجبات المدرسيّة التي ترهق عقل الطفل، وضغط التوقعات العاليّة في تحصيل الدرجات العلميّة. ونذكّر بضرورة اللجوء للعلاج النفسي وطلب الاستشارة النفسيّة لحل المشكلات في وقت مُبكر حتى لا تتفاقم الأمور ويصعب علاجها لاحقًا.

  • الحصاد: برأيك، ما هي أساليب علاج الضغط النفسي، وعلى من يقع عاتق التوعية للتخفيف من حدّته؟

زهراء صاحب: إيجاد العلاج يقع على عاتق الإنسان ذات نفسه وعلى المحيطين المتشاركين معه روح الحياة (زواج، عائلة، أصدقاء، زملاء العمل..) باستحداث نمط حياة صحيّ.

 فهناك دراسة جامعيّة أُجريت في العام ٢٠٢١ على ألف مواطن في أحد البلدان، تقول أنّ خلق نمط حياة صحيّ، بدءًا؛ بالابتعاد عن المأكولات التي تحتوي على نسبة دهون وسكريات عالية، والتي يُجمع أخصائيي التغذية أنّها من مسببات الضغط النفسي، بخلاف الطعام الصحيّ الذي ينشئ القدرة على التعافي النفسي.

وصولًا حتى اتّباع عادات صحيّة تتمثّل بتنظيم الساعة البيولوجيّة للنوم والاستيقاظ، تنظيم ساعات استخدام وسائل التواصل الاجتماعيّ، المشاركة المجتمعيّة حتى لو أجبر المرء نفسه على التواجد بين العائلة، أو الخروج في مناسبة ولو لوقت قصير بهدف كسر الإنعزاليّة.

 تنشيط الجسد، من خلال ممارسة الرياضة الخفيفة كالرياضة التأمليّة والمشي، والهايكينغ وهي رياضات تؤسّس لصحة نفسيّة قبل أن تؤسس لصحة جسديّة.

الإنتاجية عبر العمل الوظيفي أو التطوعي، وتجنب الوقوع في الفراغ الذي يعزّز الضغط النفسيّ. فالإنسان المنتج تختلف نظرته لذاته ولواقعه النفسي.

” بوح الذات يبرئها” طلب المساعدة والدعم من أشخاص إيجابيين في الأسرة النواة أو زملاء العمل، وطلب العلاج النفسيّ هو الطريق الأصوب لتخطيّ المعاناة.

وختامًا تبدأ التوعية في البيئة الأسرية، من خلال تعزيز مبدأ الصحة النفسيّة ومواجهة الضغوط والقدرة على التعامل معها بأسلوب التربية والقدوة والمثال؛ فالأب الواعي المنهك من ضغوطات العمل ومتطلبات الحياة لا يسمح لتعبه أن يمتد إلى أسلوب تعاطٍ عنيف مع العائلة بل يختار الخروج في نزهة عائليّة لكي يخفف عن نفسه ويرفّه عن عائلته، والأم الواعيَة المنهكة من مسؤوليات العمل وأعباء التربية، تخصّص نفسها بخروجة مع صديقاتها. وبالتالي سينشأ أبناء هؤلاء على فكرة “الإهتمام بالذات” وتعزيز الوقت المخصّص للإنسان لذاته، يشتري صحّته النفسية عبر نشاطات يحبّها، تعزز الروح الحلوة داخله وتحمل عنه العبء الروتيني القاتل في العمل ومسؤوليات الأسرة.

 الفرد الذي ينشأ في أسرة كهذه يستطيع أن يتعامل مع المواقف بشكل أفضل، والتوعية تقع على عاتق الناس المثقفين والذي يملكون الوعيّ النفسيّ، فالأب والأم في المثال السابق بإمكانهم نقل التجربة لجيرانهم وأقاربهم، لهدف نشر الإيجابية.

ونشر التوعيّة حول الإيجابيّة من خلال البرامج الإعلاميّة، وحتّى المعالجين النفسيين، الأساتذة، المدربين، الكتّاب والحكواتيين، حتى صاحب الدكان، فنحن نعيش في زمن متهالك يعاني من النزاعات والحروب والتهديدات فلا يكن الإنسان نذير شؤم!  ينشر السلبية أينما توجّه: “قل خيرًا أو أصمت..”.

كذلك المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعيّ عوضًا عن نشر التفاهات “والترندات” السخيفة والهرطقة السلوكية المنتشرة، بإمكانهم نشر التوعية النفسية، ونشر الإيجابية.

 كلّ لدية أهمية في المجتمع على رفع التوعية والجهوزيّة لمواجهة مرض العصر ” الضغط النفسيّ”.