باليه من اجل الحياة: قمة الأداء الطليعي المستقبلي على خشبة بيت الدين

بيروت – جاد الحاج

لا شك ان اكثر العروض طليعية وتحدياً لذكاء الجمهور في مهرجانات الصيف المنصرم هو عرض »باليه من اجل الحياة« لفرقة بيجار، لوزان، الفرنسية. تكفي مراقبة انصهار الجمهور المكون من فضوليين يبحثون عن ترفيه بلا حدود ولا شروط، وانصاف مثقفين يأتون للتمظهر والحذلقة، ومدّعي معارف وعارفين متواضعين، على واقع الباليه العالمي وتابعوا مسيرته وسيرة الفرق والافراد المتهافتين على مسارحه… كل هؤلاء وغيرهم من السياح والزائرين والطارئين، رأيناهم يذوبون في مشهدية ساطية، مستقبلية، قياساً بآفاق الزمان والمكان: لبنان، بيت الدين 2017

ترى يداً، مجرَد يد، تسأل ما لليد ان تطفو وحدها كأنها مقتطعة من شجرة الحياة؟ ترى صوراً من فئة الطبي الشعاعي لقصبة هوائية لصدر بشري، وتسأل ، ترى بدأنا نتنفس من رئة  لم يعد لنا غيرها؟ هكذا يستمر العرض على منوال الأسئلة والاجوبة المفترضة الى ان تكتشف انك سُحبت الى بساط ريح  جال بك في مساحات العصر الراهن وإشكالات ظواهره وأوبئته وجماليات اوجاعه الفادحة، عبر عرض جمع بين الباليه الكلاسيكي والرقص المعاصر كما بين موسيقى موتسارت واغاني الراحل الأميركي، بطل موسيقى »الروك« وضحية مرض فقدان المناعة المكتسبة، كوين.

قد تبدو الرقائق الضوئية مبعثرة من دون منطق إيحائي مباشر. بشر ينبتون من شراشف بيض ليرقصوا كأنهم مستعارون من صفيديو كليبش لكنك، رويداً رويداً، تقتفي آثار الرموز المتدفقة من التاريخ القديم بآلهته واساطيره، ومن الحاضر المتوتر بخليط النجوميات الرياضية والصواعق الالكترونية. ويتجلى مزيج الدراما الحديثة بتلك الموغلة في القدم عبر التساؤلات القدرية المتشابهة، إن لدى فلاسفة الإغريق او بكلمات الارجوزة البوهيمية لكوين:

»هل هي هذه حياة بحق؟

أم لعلها وليدة تخييل فانتازي؟

الارض تنطوي تحت قدمي

حدّق في السماء …

كم انا طفل فقط … اماه

ها انا اقتل انساني

حين بدأت حياتي بدأت ابددها

أماه، لا اريدك ان تنوحي إن لم اعد

غداً الى البيت

اكملي حياتك … لقد فات اواني

تسري القشعريرة في ظهري

جسدي يتألم باستمرار

وداعاً…ولو انني لا اريد الموت

بل اتمنى لوانني ما ولدت ابداً«

في المقابل تنساب موسيقى موتسارت لتواكب الثنائي جوليان فافرو وكاترينا شالينكا، يتلولبان في الدورة الراهنة لأرض الخراب الداخلي الى ان يسقطا على حمّالتين )مفترضتين( حيث يستمرّ صراعهما، موتهما وقيامتهما، ورقصهما التعبيري يعكس الاحجام المتنوعة لمظاهر الصراع من اجل البقاء.

»باليه من اجل الحياة« يعصى على الوصف التفصيلي لما في مشاهده من تداخل للعناصر الأدائية، ومع ذلك يخرج كل مشاهد منه بحكاية تلتقي نهاياتها في نقطة واحدة على السطر الأخير:

الحياة اثمن ما لدينا.

مشاهد من »باليه من أجل الحياة«

مشاهد من »باليه من أجل الحياة«