Home / ﻣﻧوﻋﺎت / أشواك حديقة تورينغ” هي مرآة ارتباك جيلي أمام الذكاء الاصطناعي”

أشواك حديقة تورينغ” هي مرآة ارتباك جيلي أمام الذكاء الاصطناعي”

في تجربتها الأولى في عالم النوفيلا «أشواك حديقة تورينغ» (هاشيت أنطوان، 2026)، لم تخاطب رنا حايك القارئ العابر، ولم تلهث خلف إرضاء ذائقة الاستهلاك السريع. بل توجّهت إلى القارئ واسع الاطلاع، العارف بأنّ الأدب قادر على أن يكون فلسفيًّا، ويُعيد صياغة الأسئلة. فالعنوان نفسه، بإحالته إلى آلان تورينغ واختباره الشهير، ليس مجرّد استعراض معرفي، بل عتبة تعلن أنّ السرد سيتنقّل ضمن إطار المفاهيم الحدودية: ما الفرق بين محاكاة الذكاء وامتلاكه؟ ومتى يصبح الوسيط (الآلة) هو ما يُملي علينا كيفية فهم أنفسنا؟

تتشابك نوفيلا رنا الحايك مع أربعة ملامح رئيسية في أدب الديستوبيا والخيال الفلسفي، يمثل كلٌّ منها امتداداً لرؤية روائي بعينه. فمن «1984» لأورويل تستعير عين «الأخ الأكبر» الساهرة، لكنها تحوّلها من أداة مراقبة حزبية إلى ذكاء اصطناعي يعبث بالوعي واللغة، تحت عنوان «AI The Great». ومن «عالم جديد شجاع» لهكسلي تستلهم فكرة السيطرة عبر الإشباع لا القمع، حيث أصبح الذكاء الاصطناعي عند حايك أشبه بعقار «سوما» مانح الرغبات سالب الإرادة. ومن «هل تحلم الروبوتات بخِراف آليّة؟» لفيليب ك. ديك تقترض انهيار الحدود بين الإنساني والآلي، ليجعل الشك في الذات هو اليقين الوحيد للشخصيات. كما تستدعي من «المسخ» لكافكا فكرة التحوّل، لكن هذه المرّة مسخ الوعي حين يسلّم الإنسان نفسه لمنظومة لا تفهمه. تعكس هذه التشابكات سعة أفق وثقافة حايك، وتشكّل النسيج الفكري الذي تتحرّك فيه بطلتا النوفيلا: يارا وعلياء، اللتان تمثلان تجسيدًا لصراع النمطين البشريين المتضاربين: الانكفاء العاطفي المفرط مقابل البراغماتية القاسية. ثنائية تذكّرنا بالصراع الداخلي الذي برع في رسمه دوستويفسكي وغيره من الوجوديين.

وتكمن النقطة البارزة في طرح حايك الذكاء الاصطناعي كمرآة مكبّرة تعكس ما هو موجود أصلاً، وليس
كتهديد مستقبلي: الإنسان الذي بات يمنح الآلة سلطة تفسير رغباته، ليس لأنه يخافها، بل لأنه تعب من تفسيرها بنفسه. ليتحوّل بذلك السؤال من «ماذا تفعل التكنولوجيا بنا؟» إلى «لماذا نمنحها هذه السلطة عن طيب خاطر؟». سؤال يضع القارئ، ليس أمام خيال علمي، بل أمام مرآة وجودية.


عن هذه المرآة، والأشواك، وصراع البحث عن المعنى والذات، نحاور اليوم مديرة تحرير دار نوفل (هاشيت أنطوان)، الروائية والمترجمة رنا حايك:

الحصاد: إلى أي مدى كانت «لعبة تورينغ» مجرّد حيلة سردية لطرح سؤال الوعي، أم قصدت محاكاة اختباره فعليًّا؟

رنا حايك: لن أدّعي أنّي قرأت الكثير عن تورينغ واختباراته وإنجازه. كان يكفيني فقط أنه هو من وضع البذرة الأولى لفكرة الذكاء الاصطناعي كي أستخدمه في عنوان النوفيلا. كذلك، لن أدعي أنّي قرأت كثيرًا عن الذكاء الاصطناعي نفسه، الذي يتطوّر ساعة بساعة. كان يكفيني، هنا أيضًا، أنّه رمزٌ يختصر العصر بفوضويته وعبثيته، ويصبّ في صميم السؤال الوجودي الذي يشكّل العصب الرئيسي للنوفيلا. البشر، منذ أن وُجدوا، مأخوذون بهذا اللغز، بعضهم عن وعي، وبعضهم عن غير وعي. من نحن؟ لم نحن هنا؟ ما هو الوجود؟ والأنكى: ماذا يعني الموت؟ سألت الحضارات القديمة وطرحت نظريات ومارست طقوسًا، بعدها جاءت الأديان وأنقذت من أمكن إنقاذه، ثمّ جاء العلم وأقنع من اكتفوا بدلائله وطروحاته التي وجدوها مشبعة ومرضية. لديك أيضًا محاولات التفسير في ميدان الروحانيات، وبعض علماء النفس الذي انطلق من التنويم المغناطيسي الاسترجاعي ليقدّم طرحه عن لماذا نحن هنا وما هو هذا الهُنا… كل هذه تفسيرات قاربت الموضوع، لكنّ الإجابة المطلقة ما تزال سرًّا غامضًا قد يتجاهله بعضنا، لكن لا أحد يستطيع الهرب منه. وباعتقادي، هو المحرك الأوّل خلف أيّ خلقٍ في عالم الإبداع. هو في خلفية كل لوحة وكل قصّة وكل مقطوعة موسيقية، كل عمل يوقظ في المتلقي شعورًا غامضًا يعجز عن تفسيره، بينما هو ينبع من ذلك الشعور نفسه لدى المبدع: القلق. الغموض. اللا معروف. اللامنطوق. العاصي عن التعريف.

جاءت النوفيلا ثمرةً لهذا القلق ولهذا الهاجس الوجودي الذي أرّقني طوال حياتي، الذي انتقل اليوم إلى بُعد جديد مع الطفرة التكنولوجية التي تسعى إلى محاكاة الوجود، بل وتحديه أيضًا. وجاء كلّ من تورينغ والذكاء الاصطناعي قالبان مثاليّان لتأطير هذا الهاجس. 

الحصاد: يارا وعلياء ليستا خصمتين، بل وجهان لعملة واحدة. هل يمكن قراءة النوفيلا كمعركة داخلية في نفس واحدة، أم أنّهما بالفعل شخصيتان منفصلتان؟

رنا حايك: هما شخصيتان منفصلتان، لكنّ إحداهما هي أيضًا الـ alter ego الإغريقية للأخرى. وهذا لا يتعارض عن ذاك. ناهيك عن أنّي أفردت فصلًا كاملًا لفكرة «كيف لنا أن نعرف الآخر إن كنّا عاجزين عن معرفة أنفسنا حتى؟». ثمّة زاوية أخرى رأيت فيها ومنها الفتاتين: الاثنتان ابنتا جيل أنا منه، وطبقة اجتماعية وسطى أنا منها، وإرث اجتماعي عربي واحد أحمله بدوري. من هنا، قد يتماهى معظم من هم مثلي، معظمنا. تلك الطبقة الوسطى الحائرة بين الشكل والمضمون، المنظومة الأخلاقية والارتقاء الاجتماعي، تمجيد المحتوى واحتقار المظاهر الذي يترافق مع الحاجة إليها. لكلٍّ من الفتاتين معركتها الداخلية الكثيفة والمعقّدة، والمعركتان تتقاطعان. هذا ما يجعل المتلقي يقرأ على مستويين، وهذا أيضًا ما يجعله يلمس التداخل حتّى يشك في أنّهما شخصية واحدة، فهذا مقصود. بالنسبة لي، التجربة البشرية واحدة في جميع بقاع هذا الكوكب وعلى مرّ العصور والأزمنة، ما يتغيّر هو فقط الظروف التي تستدعي الفرق في تسميات وأنواع الحالات، لكنّها جميعها واحدة: في السودان وفي نيوزيلندا. الإنسان واحد. مأزقه واحد، وقلقه واحد، وشرطه الوجودي واحد. فكيف إذا كنّا نتحدث عن فتاتين من جيل واحد ومن الطبقة نفسها والإرث الثقافي ذاته؟

الحصاد: في زمن يموج فيه الذكاء الاصطناعي كثيمة للروايات، ما الجديد الذي قدّمته، خصوصًا أنّك استندت إلى السرد الديستوبي والفلسفي دون إغفال التفاصيل والمعلومات التي تخدم ما يتعلق بالشق التكنولوجي؟

رنا حايك: لست متأكدة من أنّي قدّمت الجديد. ولا يهمّني كثيرًا أن أكون أوّل من قدّمت. يكفيني أنّي قدّمت نصًا قد يلجأ إليه مؤرخ بعد سنوات طويلة ليلتمس من خلاله ما كان الأمر عليه في هذه المرحلة. لذلك المؤرخ، قدّمت شهادتي. قدّمت له خوفي. قدّمت ارتباكي أمام هذا التحوّل الكبير الذي يشهده جيلي. خوفي أمام اندثار العالم كما نعرفه وانبثاق عالم جديد نتعرّف عليه كل يوم ولا نفهمه دائمًا. 

الحصاد: كُتبَت عدّة مقالات عن النوفيلا، ورأى البعض أنّ الفلسفة فيها طغت على السرد. هل قصدت ذلك لخدمة الفكرة، أم ترين أنّ السرد قد حقّق توازنًا مغايرًا لطرح أصحاب هذا الرأي؟

رنا حايك: أوافق هؤلاء تمامًا. الفلسفة طغت فعلًا على الحبكة. كلّما سألني أحد عن النوفيلا أنبّهه. ليست Page turner، بل تكاد تخلو من الأحداث. فيها تعبير عن القلق، حفرٌ في النفس البشرية، تحليلٌ داخلي. النوفيلا هي الشكل، والقالب، والحُجة فقط.  وهذا ليس مستغربًا في الأدب. لا شيء مستغرب في الإبداع الذي لا يقبل التنميط أصلًا. خاصة في هذا العصر الذي تتداخل فيه الأنواع والأساليب في مختلف المضامين الإبداعية. وحتّى قبل هذا العصر. انظري إلى الكندية آن كارسون، هل هي شاعرة أم روائية أم باحثة أم كاتبة مقالة؟ فأعمالها مزيج من كلّ هذه الأنواع. بالإضافة إلى كلّ ذلك، بصراحة، أنا أتبنّى تمامًا هذا الأسلوب الذي أعتبره بمثابة موقف أو بيان إذا أردت. في هذا العالم السريع، الذي يعتاش على الحمى في الاستهلاك والاقتناء والتواصل، الذي ما عاد يعرف التأمل بل أصبح يتوق إلى الصخب، يصلني بحكم مهنتي في النشر مخطوطات روائية كثيرة يضيع فيها العصب الروائي بسبب كثرة الشخصيات والأحداث الذي أصبح البعض يلجؤون إليها، خاصة إذا كانوا ينتمون إلى الجيل الجديد. أقول دومًا لهؤلاء، لتكن النوفيلا عاموديا، تحفر في حدث واحد أو شخصية واحدة، بدل أن تكون أفقية تتناول الكثير من الأحداث والشخصيات فيضيع جوهرها. في هذه النوفيلا، تراجع الحدث أمام التأمل والتحيل. أعترف بذلك وأتبنّاه تمامًا.

الحصاد: «سيغما» «عبودي»، «حبيبي»، «عبد مطيع». بعض أسماء ونداءات الذكاء الاصطناعي في النوفيلا. هل تعكس تسمياتنا له تطور علاقة الإنسان بالآلة، من الأداة إلى السلطة الخفيّة؟


رنا حايك: استخدمت في النوفيلا أسماء للذكاء الاصطناعي على لسان الشخصيتين مستمدّة من شخصيتيهما. وباعتقادي أنّ تسمية كلّ منّا لبرنامج الذكاء الاصطناعي على هاتفه المحمول، هي نتاجٌ شخصيٌ بحت. قد يسميه أحدنا على اسم أحد كان بمثابة الحكيم الناصح له وفقده. قد يسميه على اسم إله إغريقي إن كان مثقّفًا حالمًا. قد يطلق عليه اسمًا مضحكًا فقط لأنّه يسخر من الموضوع بأسره… وغير ذلك. لكن في جميع الأحوال، ومهما سمّاه، بمجرّد أن يختار له الاسم، وغالبًا ما يكون الخيار مرتكزًا على تاريخه الشخصي وتكوينه الشخصي، فذلك يدل على المكانة التي أصبح يحتلّها في حيواتنا. وهي مكانة مخيفة، يعززها يومًا بعد يوم تطوّره.

الحصاد: لماذا اخترت أن تفشل عملية تبادل الشخصيات بين البطلتين، رغم اندفاعهما نحوها بحماسة؟ هل في هذا إعلان أنّ للروح جوهرًا لا تمكن مصادرته؟

رنا حايك: ذلك هو بيت القصيد في النوفيلا. وأعترف أنّه سوداوي. ما أردت قوله هو أنّنا مسجونون فينا. لا نستطيع الفكاك من شرطنا الإنساني. لا مهرب من هذا. مهما حاولنا أن نتغيّر، نحن مسجونون داخل وجودنا ذاته. وعندما نعبث بهذا الوجود، ننهار. اختفت في النهاية ملامح الفتاتين، في مشهد المصعد، حين لم تعكس المرآة وجه أيّة منهما. لم يعد لهما وجه، ورأت كلّ واحدة تعابير الهلع مرسومة على وجه الأخرى المشوّه، لأنّه أصبح يعكس روحًا ممسوخة تمّ التلاعب بها. نعم، للروح جوهر لا يمكن مصادرته. والروح تنكمش اليوم أمام التكنولوجيا ومتطلبات الحياة العصرية والعمليّة. شيءٌ فينا يموت كلّ يوم مع تحوّل حياتنا أكثر فأكثر نحو الأدائية والتصنيفات الحسابية والمَعيَرة والتوحيد.