ثمة شعراء يكتبون القصيدة، وآخرون يجعلون منها مرآةً لسؤال وجودي أعمق؛ لا يكتفون بالبوح، بل يسائلون شرط البوح ذاته. ينتمي الشاعر والناقد السعودي الدكتور أحمد يحيى القيسي إلى هذا الصنف الثاني، فهو يجمع في آنٍ واحد بين صرامة الأكاديمي ورهافة المتأمل، ويقف على تخومٍ متشابكة بين النص الشعري والفكر الرصين، وبين لغة العاطفة ولغة المنهج. منذ أن أطل ديوانه «أرتب فوضى سكوني» على المشهد الثقافي، بدا العنوان إعلاناً شعرياً عن مشروعٍ كامل؛ فكيف يمكن للذات أن تصنع نظاماً داخلياً من عناصر متضاربة؟ وكيف يتحول السكون في لحظة تأمل شعري إلى فضاءٍ تُعاد فيه صياغة الفوضى، لا لإلغائها، بل لمنحها معنى؟ إن هذا التوتر الخلاق بين الاضطراب والترتيب، وبين الصمت والكلام، هو ما جعل تجربته تستحق وقفة نقدية متأنية، وهو ما توجته لجنة جائزة عكاظ للإبداع عام 2009 حين احتفت بهذا الصوت الفريد. وفي هذا الحوار، نحاول أن نقترب من هذا الازدواج الخصب لنستكشف كيف يتعايش الشاعر مع الأكاديمي داخل الكيان الواحد.
الحصاد: الدكتور أحمد القيسي، تعتبر من أبرز الأسماء السعودية والعربية المعاصرة التي التفتت مبكراً لفن الهايكو الياباني كتابةً وتنظيراً، وصدر لك في هذا السياق ديوانك المميز ‘يعكر صمت الأزقة’. كيف استطاع أحمد القيسي أن يمنح هذا الفن الياباني القائم على لقطة الطبيعة والآنية المكثفة، روحاً وبيئة عربية وسعودية خالصة دون أن يفقد هويته الأصلية؟
أحمد القيسي: كل فن يمكن أن يُوَطن ويُبَيًأ، والهايكو فن عالمي، فمن الطبيعي أن نحافظ على خصوصيته الفنية المتمثلة في السمات الكبرى التي التزم بها من ارتكبوا كتابته في مختلف اللغات، ولابد في الوقت نفسه أن نمنحه شيئاً من خصائص لغتنا. وأن يعبر عن روح ثقافتنا، وإلا فلن يجد له مكاناً بين الأشكال التعبيرية الأخرى.
الحصاد: لكل باحث ومفكر محطات أولى شكلت وعيه وصاغت توجهاته. كيف يقرأ الدكتور أحمد القيسي بداياته الفكرية ومن هي الشخصيات أو العوامل المعرفية التي تركت الأثر الأعمق في تكوينكم الأكاديمي؟
أحمد القيسي: لا أخفيك أنني تمرست في كتابة الشعر العربي الأصيل، وقبل ذلك قرأت كثيرا من نماذجه منذ العصر الجاهلي حتى عصرنا هذا، كما أنني كتبت الأشكال الشعرية الأخرى، وبها عرفني الناس، وأصدرت أربعة دواوين شعرية قبل أن أتجه إلى الهايكو.
ما لفت. انتباهي لهذا الفن مغايرته لبقية الأشكال الإبداعية الأخرى، مغايرة في التعبير، ومغايرة في التركيب، وهذا دعاني لخوض تجربته، لكنه لم يكن خوضا هادئا أو طبيعيا، بل جرني للغوص في أعماقه، ودفعني للبحث عنه جذوره الأولى على هذه الأرض، ثم حصر التجارب التي سبقتني لممارسته، وما زلت رهن العمل على هذه الجزئية.
الحصاد: ثمة من يرى في الساحة الأدبية أن الهايكو مجرد ‘موضة عابرة’ أو نمط مستورد لا ينسجم مع إرث القصيدة العربية الممتد. بصفتك أكاديمياً وناقداً وشاعراً خاض التجربة؛ كيف ترد على هذا الطرح، وما الذي أضافه الهايكو لوعيك الشعري ولم تجده في قوالب القصيدة التقليدية أو التفعيلة؟
أحمد القيسي: قيل مثل ذلك عن كل فن عالمي وفد إلى ثقافتنا، وكل تلك الفنون أثبتت حضورها مع الوقت، وأصبحت تحظى بأهمية من قبل المتلقي.إصدار مثل هذه الأحكام مجازفة، فالأشكال الكتابية لا يمكن أن يتنبأ بمستقبلها أحد، فبعضها اندثر على رغم الشعبية التي حظي بها في الحقب الماضية ، ولا أدل على ذلك من فني الموشحات والمقامات، فما زلنا نقرأ نماذجهما بإعجاب حتى يومنا هذا.
بعض الفنون تمتلك خاصية العبور إلى كل الثقافات، ومن سماتها أنها تتبوأ شكلا تعبيريا مألوفا داخل الثقافة، وهذا ما يحدث تماما مع الهايكو في هذه المرحلة. ولابد أن ندرك أن الإبداع هو المحك الحقيقي للنص الأدبي بغض النظر عن جنسه، فقد أجد الدهشة التي أبحث عنها في نص قصصي، وينفرني نص محسوب على الشعر.
الحصاد: يتسم نتاجكم العلمي بالتركيز على قضايا الهوية والوعي المعرفي. في ظل التحولات المتسارعة التي يعيشها العالم العربي اليوم، كيف ترى واقع الوعي الثقافي لدى النخبة والشباب على حد سواء في المملكة العربية السعودية؟
أحمد القيسي: أرى أننا الآن في أفضل حالاتنا، والملفت للانتباه في المشهد الثقافي السعودي في هذه المرحلة تحديدا اقتراب النخبة من الجميع، بدا ذلك جليا مع مبادرات وزارة الثقافة ممثلة بهيئة الأدب والنشر والترجمة، ففي السابق كانت النخبة تعيش بعيدا عن الواقع، والآن أصبحت أكثر قربا منه، ومن الناس.
إنها مرحلة فريدة انتعشت فيها الثقافة بالفعاليات المتنوعة التي خرجت من المؤسسات إلى الأماكن الجاذبة لهم.
الحصاد: المؤسسات الأكاديمية العربية تواجه باستمرار انتقادات تتعلق بمدى مواكبتها للمشاريع التنويرية والفكرية الحقيقية. كيف تقيمون دور الجامعة اليوم: هل ما زالت مصنعاً للنخبة المفكرة، أم تحولت إلى منصة تمنح شهادات مهنية فحسب؟
أحمد القيسي: الجامعة صرح تعليمي رسمي، ولا شك أنها تضم بين جنباتها كفاءات علمية لا يستهان بها، ربما تكون نخبة الثقافة، ولكنها مقيدة بأنظمة عمل تسير خطواتها.
من ناحية أخرى: أرى أن من الظلم اتهام الصرح الأكاديمي بالإهمال واللا تفاعل لأنه لم يذعن لآراء أو تجارب شخصية، فعبارة (مشروع تنويري) لا يمكن إطلاقها جزافا على تجارب فردية لا تحدث أثراً ولا يعقبها صدى.. دور الأكاديميات – في ظني – ينطلق من الأثر وليس من تبني فكرة لا يمكن التنبؤ بنتائجها.
أنا لا أدافع عن الجامعة، وفي الوقت نفسه لا أنفي عنها التقصير، ويشفع لي أنني لا أنتسب لأي صرح أكاديمي، ولكن يمكن أن نتساءل ببساطة: ما المشروع التنويري المطروح في الوقت الراهن ولم تتفاعل معه الأكاديميات؟
الحصاد: ثمة جدل دائم حول “عزلة المثقف” أو تراجعه عن قيادة الرأي العام لصالح مؤثري وسائل التواصل الاجتماعي. كيف ينظر الدكتور أحمد القيسي إلى هذه الظاهرة، وهل فقد المفكر أدوات التأثير التقليدية؟
أحمد القيسي: قبل أن نتحدث عن مؤثري وسائل التواصل. هنا لابد أن نتساءل: هل كل أديب مثقف؟ وهل كل أديب مؤهل لقيادة الرأي العام؟ المثقف في هذه المرحلة لم يعد بمعزل عن المجتمع، ثمة أسماء لها حضورها المؤثر إعلامياً، وأقرب من أستشهد به الدكتور، عبدالله الغذامي. والإعلامي، حسين الغاوي، والإعلامي، مالك الروقي. وغيرهم.
وعبارة «مؤثري وسائل التواصل» هي أيضا عبارة فضفاضة، فقسم كبير ممن نطلق عليهم «مشاهير» تأثيرهم الفكري محدود، ومن الخطأ نعتهم بقيادة الرأي العام، فالغالب منهم لا يعدو دوره عن الإشهار للسلع التجارية.
فالرأي العام لا يصنعه ولا يقوده إلا مفكر أو إعلامي متمكن، وهؤلاء أيضاً ينطوي عليهم مصطلح «مثقف».
الحصاد: يشهد العالم ثورة تكنولوجية هائلة تتداخل في كل تفاصيل الفكر والإبداع الإنساني (مثل الذكاء الاصطناعي والعولمة الرقمية). كيف يمكن للمفكر العربي أن يوظف هذه الأدوات دون أن يفقد أصالة هويته الثقافية؟
أحمد القيسي: الهوية الثقافية لا يمكن أن تسلب إلا ممن ينوي التخلي عنها، وأدوات الذكاء الاصطناعي لا تسعى لسلب الهويات أو تغييرها، فهي تخاطبنا من وحي ثقافتنا.
أمر آخر أود أن أطرحه ونحن نتحدث عن «الذكاء الاصطناعي». ألمس تخوفا شديدا وقلقا يسود في الآونة الأخيرة من الذكاء الاصطناعي وأدواته. وهو خوف غير مبرر، حتى لو أسيء استعمال هذه الأداة، ففي نهاية الأمر تظل أداة مساعدة، يتحكم بها البشر..
ولاحظي أنني أقول أداة مساعدة، أي أن جانبها الإيجابي أكبر من السلبي الذي نخشاه. والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا لا نناقش محاسن هذا العمل الجبار الذي يوفر علينا الوقت والجهد، ولا ننظر إلا لما نخشاه؟
فمثلا نخشى من كتابة رواية أو قصة أو نص شعري بالذكاء الاصطناعي، وكلنا ندرك أن فضح هذه النصوص ليس بالأمر العسير، ومن المضحك أننا نغفل عن أن هذه البرامج قادرة على تمييز النصوص المكتوبة بشريا من النصوص المكتوبة بأدواتها.
الذكاء الاصطناعي يمكن توصيفه بأنه تطور طبيعي للبرمجيات السابقة، ولا شك أن المستقبل يخبئ لنا ما هو أعظم وأسرع. وآمل أن نكمل طريقنا إليه وقد تخلصنا من هذه المخاوف.
الحصاد: تجمع بين الكتابة الإبداعية والدراسة الأكاديمية في الأدب والنقد هل تشعر أن الناقد الذي بداخلك يُضيء لك القصيدة أم يُثقل عليها، وهل مررت بلحظة أسكت فيها الناقد كي تكتمل القصيدة؟
أحمد القيسي: اللحظة الإبداعية يتجرد فيها المرء من كل رقيب، إنها لحظة يتخفف فيها المبدع من كل سلطة نقدية، ومن كل رأي يعيقه عن المعنى الذي يود الوصول إليه، قد يأتي دور الناقد متأخرا، بل متأخرا جدا، أما لحظة الكتابة فلا يبقى إلا المبدع وإلهاماته.
الحصاد: حين فزت بجائزة شاعر شباب عكاظ عام ٢٠٠٩ عن قصيدة “وتسألني” ما الذي كانت تسأله تلك القصيدة في الحقيقة؟
أحمد القيسي: عن فوضاي الداخلية التي كنت أشعر أنني الوحيد الذي يعيشها، وعن أحلام كبرى تقطعت أمامها السبل، عن ليل يائس من نهار يأتي بعده، وعن الكثير من السوداوية التي اضطرتني في تلك المرحلة، فأصبح الشعر منتجعي الوحيد الذي أهرب مني إليه.
الحصاد: كيف تنظر اليوم، بعد أكثر من خمسة عشر عاماً، إلى ذلك النص الأول؟
أحمد القيسي: نص يعبر عن مرحلته، ولا أظن أنه يعبر عما أنا عليه اليوم، ولكنني أحبه، وما زلت أقرؤه بذات الشعور، كأي نص صادق العاطفة ، نقرؤه ونتفاعل معه.
الحصاد: كيف تنظر إلى علاقة الشاعر بالمنابر الثقافية الرسمية هل تمنحه شرعية أم تمنحه قيدا؟
أحمد القيسي: من المؤكد أن الصحافة تستهلك المبدع، وتستأثر بوقته وجهده، وإن كان لها جانب إيجابي يمكن أن يكشفه لك العاملون فيها..
أنا كنت ومازلت بعيدا عن العمل الصحفي، ولا أرى نفسي ميالا للخوض فيه، وإن كنت أحب الصحافة.ما لمسته من بعض المبدعين الذين عملوا في هذا المجال أنهم انهمكوا فيه، وأهملوا تجاربهم الإبداعية، ولا أنكر أنهم يصنعون أثرا جميلا في الصحافة الثقافية، وأرجو ألا ينسيهم ذلك أنفسهم وإبداعهم.
الحصاد: ينتمي نصك إلى جيل عكاظ الذي تشكّل بين منبر شفاهي تقليدي وفضاء رقمي متسارع؛ كيف وازنتَ بين موسيقى القصيدة المسموعة وبين كثافتها حين تُقرأ على الورق أو الشاشة؟
أحمد القيسي: لعل البعد عن الغموض غير المبرر ساعد على إنجاح ذلك النص، وهذه اللغة في الشعر أميل إليها كثيرا، حتى في كتابة قصيدة النثر.إيقاع النص أيضا كان لافتاً ، والأمر الآخر أنه لم يتخذ شكلا واحداً ، بل انتظم في شكلين، جزؤه الأول تفعيلة، والآخر تناظري..
أظن أنه كان تجربة مختلفة ، وبالأخص لي، فلم أغامر قبل ذلك في مثل هذا التجريب.
الحصاد: كثيراً ما تكشف القصائد التي لم يكتبها الشاعر عن حدوده أو خوفه أو مناطق صمته الخاصة. ما القصيدة التي تعرف أنها تنتظرك ولم تكتبها بعد، ولماذا؟
أحمد القيسي: أنا في انتظارها حقا، ولابد أن تأتي، لعلها تضيء مكانا مظلما داخلي أشعر به ولا أراه..
القصيدة المُخَلّصة، التي تطهرني من عبء لا أدرك له سبباً، ومن إثم لا أعرف خطيئته.
لعلها تأتي قريبا وتعتقني من أحمال ثقيلة لا تُقبض.
الحصاد: نعيش عصراً يُنتج فيه الجميع محتوى، ويُسمى كل من نشر كلمة “شاعراً”. في ظل هذا الضجيج، كيف يحمي الشاعر الحقيقي صوته من الذوبان، وهل ترى أن القصيدة لا تزال قادرة على المقاومة؟
– أحمد القيسي:كل هذا الضجيج الفارغ سيزول، كما زال كثير قبله عبر العصور، يجب ألا تقلقنا هذه الأصوات، وهذا الركام العظيم من النصوص الركيكة الجوفاء، فالزمن لن يبقي منها شيئا، ولن يظل سوى الشعر، مهما خفت صوته..
على الشعراء أن يكتبوا دون قلق من هذا الضجيج، فنصوصهم هي الباقية.




