لم تعد اللغة العربية المحكية، بتنوّع لهجاتها، مجرد وسيلة للتخاطب اليومي، بل باتت موضع اهتمام يجذب الباحثين الذين يسعون إلى دراسة الجانب الأصيل من ثقافتنا العربية الذي تجلّت بعض مظاهره في لغتنا المحكيّة. ومن الملاحظ أنه ثمة نهضة لغة محكية تتمثل في جيل الشباب الواعد، هؤلاء الذين لا تقيّدهم مفاهيم ولا تحكمهم مسألة المفاضلة بين الفصحى والعامية، فتجدهم يهتمون بقراءة النتاجين المكتوبين بالفصحى والمحكية، ما يغني تجربتهم وإرثهم الفني. الأمر الذي بات يثير الإعجاب في عصرنا الرقمي وسط تنامي ثقافة السرعة والميل نحو المرئي والمسموع من “ريلز” أو “بودكاست” مع غياب قراءة الكتب.
ما حدث لم يكن وليد مبادرات فردية فحسب، بل أسهمت فيه أيضًا بعض المؤسسات الثقافية في ترسيخ مكانة اللغة المحكية ومنها الجمعيات التي عززت مكانة الشعر المحكي، ونذكر منها خصوصًا على سبيل المثال “جمعية تجاوز”، كذلك هناك مؤسسات خصصت جائزة للشعر المحكي كجائزة الشاعر المتميز الراحل عصام العبدالله والتي شجعت العديد من الشباب الجديرين بها، بالإضافة إلى ذلك، بدأ الالتفات أكثر من قبل المؤسّسات الأكاديمية، وقد تعاونت مؤسسة موريس عواد، ممثلة بمديرها ملكار الخوري، مع الجامعة اليسوعية، الصرح الأكاديمي العريق في بيروت لإطلاق “كرسي موريس عواد” برئاسة الدكتور جوزيف شهدا في الجامعة اليسوعية. وقد ضمّت اللجنة العلمية: الأب البروفيسور سليم دكاش اليسوعي، د. طوني قهوجي، د. ندى معوض، وهذه المبادرة تستحق الإضاءة والاهتمام لما تحمله من دلالات ثقافية وأكاديمية، خصوصًا وأنها أتاحت لطلاب الدكتوراه مجالات البحث والتّخصّص.
كذلك تشهد المكتبات الجامعية والخاصة على حضور الشعر المحكي، وقد عزّز هذا الحضور المتنامي الإرث الثقافي اللبناني، ويعدّ لبنان من الحواضن التاريخية للشعر المحكي الذي ارتبط بالمناسبات الاجتماعية في الأحزان والأفراح، إذ كان الزجل اللبناني شاهدًا على الأعراس والمآتم. والأمثلة كثيرة على ذلك خصوصًا في القرى التي ما زالت تحافظ على أصالتها وإرثها الفني المتوارث من جيل إلى جيل. وقرية حراجل خير دليل على بزوغ الشعر منذ ظهور الشاعر موسى زغيب، وصولًا إلى الجيل الجديد الّذي نشأ على صوت الشعر ونبضاته وإيقاعاته، ما زرع في نفسه عشقًا لهذا الفن الوجداني العميق.
ومن اللافت أيضًا، حضور الشعر في روح الأجيال الشابة وهذا الأمر في حد ذاته انتصار للشعر الذي بات في مواجهة صعوبات كثيرة سبّبتها تجاذبات هذا العصر. وقد بدا ذلك جليًّا بالنسبة إلينا حين بحثنا عن الشعراء الشباب في لبنان فوجدناهم قلة.
بالحديث عن التجارب الشعرية الشابة لفتتني كتابات الشاعرين رالف حداد وأنطوان خليل، فعلى الرغم مما شهده الشعر من منافسات في زمن السرعة حيث هيمنت وسائل التواصل الاجتماعي وأخذت اهتمام الأجيال بها، لمسنا في شعرهم ما هو جدير بالمتابعة لما فيه من خصوصية في الرؤية والأسلوب والصور الشعرية الكثيفة، التي تأخذ قارئها إلى عوالم شعرية، تمتاز بغرابتها وحداثتها، إذ تكاد لا تعثر في دواوينهما على صور مستهلكة، وهذا ما ميّز تجربتهما، وهذا ما يطمئننا لنقول: “الشعر المحكي بخير”.
في ديوانه “غيمي عَ باب الوقت” يكتب رالف حداد قصيدة “بين الحلم والوقت”:
فيّي حلم، عم بنطرو بِشرُق/ متل شمس وساكبي عطرا/ وبيصير بعيوني الوقت يمرُق/ وأطول مسافي بالوقت: نَطْرا/ وبحس فيّي بيت إسمو “الروح”/ يا وقت قلّي ليش مش صحبي أنا ويّاك/ ما بشوفك غير عم بتروح/ مدري إنِتْ مجروح/ مدري أنا شبّاك.”
لم يعد الوقت مجرّد موضوع لهذه القصيدة، بل تحوّل إلى تجربة حسيّة وكأنّه شخصيّة تفكّر، تتعرّض للتّأنيب، تتحرّك في مواجهة كائن آخر. وكأنّ الانتظار مصير الشّاعر الّذي يقف عند الجهة الأخرى من الزّمن، مترقّبًا ما لا يأتي. فالانتظار يتبع الشّمس، وينتقل من الجمود إلى الحركة. في هذه الأبيات يرتبط الزّمن بالحواس. وبالشّعر تتغيّر الموازين والمقاييس ليصبح قياس الزّمن مرتبطًا بالشّاعر في علاقة صداقة وخصومة في آن، ومتّصلًا بالذّات الشّاعرة الّتي تتّسع لها إمكانات الشّعر، إمكانات الحبّ والانتظار وما يختزنهما من رجاء وأمل. بهذا الأسلوب، تحرّك الشّعر من الخارج إلى الدّاخل، إلى بيت سمّاه رالف حداد الرّوح.
أمّا الشّاعر أنطوان خليل فيكتب في ديوانه “تعلّمت عَ السّطر المشي”، في قصيدة “ضجّة ذكريات”:
مْجَعّد كتير الوقت/ عا وِجِّي/ وِالقلب، عم بيدِقّ/ دقّا حارْقا./ وْسامِعْ،/ مِتِل شَهْقِتْ شي لَحظا فارْقا/ مِنْ وين جايي/ كلّ هالضّجّي؟/ معقول هيدي زكرياتي مارقا؟”
تبدو علاقة الشّاعر بالوقت قويّة، فقد ابتعد عن كونه مجرّد حالة من الترقّب والانتظار، ليؤسس علاقة بينه وبين الذّاكرة. تجسّد الوقت وأصبحت تجاعيده أثرًا مرئيًّا لمروره على وجهه، إنّه أيضًا صار يقاس بمقاييس القلب لا السّاعة، ووجوده رهينة الانفعالات. هذا الارتباط بين النّبض والوقت يمنح الصّور طابعًا مؤلمًا حيث تعود الذّكريات لتحرق. من جهة أخرى يأتي الاستفهام في نهاية النّصّ، بذلك تنقلب العلاقة مع الزّمن، وتحيا الذّكريات من جديد ليتداخل الماضي بالحاضر. فالزّمن هنا تجربة حسّيّة متجسّدة في كائن يمكن رؤيته والإصغاء إليه.
في النّهاية، يبقى من الحقّ أن نقول، إنّ الشّعر فصيحًا كان أم محكيًّا، مساحة لاستعادة الذّات في كلّ زمان ومكان، ويبقى الأمل معقودًا على الأصوات الشّابّة الّتي تؤمن بالكلمة، لمواصلة هذا الإرث وكتابة فصوله المقبلة.


