Home / رأي / في الإصغاء إلى الصّمت

في الإصغاء إلى الصّمت

يقيم الصمت في المناطق الخفيّة من وجود الإنسان، تلك المناطق التي لا تُرى ولا تُقاس، لكنها تحكم إيقاع حياته الداخلية. فيه تتشكّل مساحة آمنة يلتقي عندها العالم الداخلي بالعالم الخارجي، مساحة تشبه الحاجز الرقيق الذي يحمي الإنسان من ضجيج الأشياء من حوله، من دون أن يفصله كليًا عنها. فالصمت ليس عزلة أو انقطاعًا عن الوجود، بل هو إصغاء عميق يتيح للإنسان أن يسمع صدى ذاته، وأن يتعرّف على ما يعتمل في داخله بعيدًا عن صخب الحياة اليومية وتشتّتها.

وفي هذا الفراغ الذي قد يبدو للوهلة الأولى مخيفًا أو موحشًا، تكمن في الحقيقة حالة من الامتلاء الخفي، إنه فراغ لا يعني الخواء، بل هو أرض خصبة تنمو فيها الأفكار ببطء وصمت. ذلك أن الأفكار النابعة من التجربة الإنسانية وفلسفة الحياة لا تولد فجأة أو بصخب، بل تتشكل وتنضج تدريجيًا في هذا الصمت بالذات، كما تنضج البذرة في الأرض الصالحة بعيدًا عن الضوء والضجيج. ومن هذه المناطق العازلة الخفيّة، تولد الكلمة حين تكتمل نضجًا، فتخرج إلى العالم محمّلة بما اختمر طويلًا في الداخل، لا كصدى عابر، بل كثمرة تأمل واختبار داخلي عميق.

وقد تناول عالم الاجتماع الفرنسي دافيد لوبروتون هذه الثنائية بين الفراغ والامتلاء، وبين الصمت والكلمة، بعمق فلسفي واجتماعي في كتابه “الصمت لغة المعنى والوجود”، الذي نقله إلى العربية الكاتب والمترجم المغربي فريد الزاهي، ليتيح للقارئ العربي فرصة التأمل في هذا المفهوم الذي طالما بدا بديهيًا، لكنه في الحقيقة أعمق بكثير مما يبدو للوهلة الأولى.

يقول لوبروتون: “الصمت ليس غيابًا للصوت أو عالمًا من غير هسيس، أي سكونًا لا يُسمع فيه شيء.” فهو يقرأ نبض الوجود الذي يبث الطمأنينة على استمرارية العالم. وفي مكان آخر يضيف الكاتب فكرة الغرف منزوعة الصوت التي لا تخلو من همس سريان النبض في العروق، ليبقى صمت الطبيعة أهم ما يبعث على الهدوء الداخلي، على الرغم من أنه مليء بالأصوات والكلمات النابعة من الطيور إلى هدير جمالها ككل. بالنسبة إليه “حين يرتبط الصمت والسكون بجمال منظر طبيعي ما يكون سبيلًا يؤدي إلى الذات، وإلى المصالحة مع العالم. إنها لحظة تعلّق الزمن حيث ينفتح مسرب يمنح للإنسان إمكان أن يستعيد مكانه وينعم بالأمن”. هذا الصمت الداخلي هو ما يتيح للإنسان الغوص في ذاكرته، كما فعل مارسيل بروست في روايته “البحث عن الزمن المفقود” إذ راح يتأمل في ذاته ليستحضر الماضي من ذاكرته ويعيد إحياءه في رؤية فلسفية تستعيد عوالمه الإبداعية.

بالإضافة إلى ذلك يعتقد لوبروتون أنّ الصمت يشذب الإنسان ويمنحه الاستعداد للوجود وينقي الفوضى الداخلية التي يصارع فيها. كما يسهم في تحقيق التوازن الداخلي للفرد من خلال التأمل بالحياة وتنظيم الأفكار. من هذا المنطلق نستحضر جبران خليل جبران الذي ربط الصمت بالليل والأفكار فقد كتب: ” في الليل تولد أعظم الأفكار” ومن خصال الليل السكينة والتأمّل الذي يتيح للإنسان التعمّق في كل ما يحدث.

من جهة أخرى، يحسّن الصمت من مهارات التواصل، ذلك أن الإصغاء يعدّ عنصرًا أساسيًا في تحقيق تواصل فعّال بين الأفراد. فالصمت هو الذي يمنح الصوت قيمته المضافة، ذلك أن الصوت لا تتجلى أهميته الحقيقية إلا حين يقارن بالسكون الذي يسبقه أو يعقبه. فبين الصمت والصوت علاقة تكامل لا تضاد إذ يبرز كل منهما الآخر ويمنحه معناه. وإذا ما فكّرنا في الموسيقى مثالًا على ذلك، فإننا ننتبه إلى تلك المسافة الصامتة الفاصلة بين نوتة وأخرى، تلك اللحظة القصيرة من السكون التي تبحث فيها كل نوتة عن مثيلتها في ذلك الفراغ الذي لا يخلو من فائدة أو معنى، بل يحمل في طياته وظيفة جوهرية في تشكيل الإيقاع والانسجام الموسيقي ككل. وبهذه الطريقة بالذات، يتحقق التوازن الدقيق بين الصمت والصوت، سواء تجلّى هذا الصوت في هيئة كلمات منطوقة أو في هيئة نغمات موسيقية متناغمة.

وعن القلق الذي يسببه الصمت يعتبر لوبروتون أن “البعض يقيم في الصمت كما يقيم في ملجأ ويجد فيه مكانًا ملائمًا للعودة نحو الذات، فإن البعض الآخر يخشاه ويستمر في إبعاده.” غير أن لهذا الفضاء الداخلي جانبًا آخر لا يقل أهمية عما سبق أن طرحناه سابقًا، فقد يعبر عن المعاناة النفسية التي تؤثر في الفرد وتبعده عن العلاقات الاجتماعية. إنه مؤشر إلى عدم الاستقرار والخلل في النواحي النفسية. كذلك يتصل الصمت من ناحية الإنصات بالعلاقات الإنسانية التي تبنى على التفاعل بين الشخص والآخر وهذا ما يحتاج إلى مهارات التواصل كما أشرنا.

وللصمت وجه آخر لا يمكن إهماله اليوم، إنه ذاك الذي يأخذ حيّزًا كبيرًا في العصر الحديث، فتكمن قيمته في الحاجة إلى الهدوء الداخلي وسط فورة العالم الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي التي قد تتسبب في خلل يؤثر في الصحة النفسية. 

في النهاية، يبقى الصمت حكمة الإنسان وسكينته التي تدعو إلى هدوء النفس، وملاذه الذي يلجأ إليه كلما أثقلته تفاصيل الحياة وتشعّبت مشاغلها. وهو الطريق الذي يسهم في استعادة الذات، تلك الاستعادة التي لا تكتمل إلا بانسحاب الإنسان قليلًا من صخب الخارج ليصغي إلى ما بداخله. غير أن إدراك قيمة هذا الصمت الحقيقية لا تتأتى إلا من خلال مقارنته بما يعيشه الإنسان من ضجيج في هذا العالم، ذلك الذي أصبح جزءًا يوميًا من وجوده، حتى بات الصمت استثناء نادرًا يستحق أن يصان ويستعاد كلما سمحت له الفرصة، لأنه وحده القادر على إعادة الإنسان إلى جوهره الأصيل بعيدًا عن كل ما يشتته أو يبعده عن ذاته.