توقفت أزمنة العاصمة واعتلت ليالي بيروت الموسيقية ذروة المجد، لتشهد أمسية استثنائية مبهرة بكل ما تحمل الكلمة من معانٍ، أبدع تفاصيلها المعهد الوطني العالي للموسيقى- الكونسرفتوار في ملحمة فنية كبرى تدفق فيها الإبهار والألق والوفاء المطلق في أنقى تجلياته، إيذاناً بافتتاح الموسم الموسيقي 2026–2027.
تقاطعت في هذه الليلة الباذخة معجزات الجمال، بدءاً بالتحيّة التي ارتكزت عليها الاحتفالية الكبرى، أن يكون هذا الاستهلال الموسيقي تحية حب وامتنان لرجل استثنائي وهب حياته لهذا الصرح. هذه التحية التي تحوّلت طقساً من طقوس الوفاء لقامة موسيقية وطنية استثنائية حفرت اسمها في ذاكرة الوطن في الذكرى الخامسة عشرة على غيابه، وهو الموسيقار الراحل الدكتور وليد غلمية، بالتزامن مع الإطلاق الرسمي لـ “عام وليد غلمية” (2026) والتي ستُستكمل بسلسلة من الفعاليات والحفلات المكرّسة لتخليد إرثه. مروراً بسحر المكان العريق ووقار تاريخ متحف سرسق حيث ارتفع المسرح الضخم بجلاله وإضاءته ومؤثراته في حديقة المتحف وباحته الخارجية، إلى عبقرية المؤلفات السمفونية، وصلابة حضور الأوركسترا الفلهارمونية الوطنية اللبنانية بقيادة المايسترو الساحر هاروت فازليان، وصولاً إلى الحشود الجماهيرية الغفيرة والحضور النخبوي النوعي الذي تقاطر ليشارك في هذا المحفل التاريخي.
ولم تتوقف هيبة المشهد عند حدود الإصغاء إلى العرس الموسيقي، وإنما تجسدت بصرياً بلوحات استحضرت عبر تقنيات الإضاءة المتقدمة وعروض الإسقاط الضوئي التي رَسَمت ملامح المكرّم الراحل الدكتور وليد غلمية بمداد النور على واجهة المتحف العريق، لتعانق روحه أفق بيروت وشموخ تاريخها.
واستكمالاً للإدهاش الذي رافق مفاجآت هذه الليلة الفريدة، أطلقت القواس “جائزة وليد غلمية” للتأليف والأداء الموسيقيّين، في خطوة رسّخت معاني الوفاء الذي ظلّل الاحتفالية. احتفالية شاء الكونسرفتوار، عبر رئيسته ومجلس إدارته وهيئاته الموسيقية والإدارية والتعليمية، أن تكون على مستوى من التفاني والاحتراف والكمال لتليق بروح مؤلف وقائد موسيقي، والأب المؤسس للبنية التحتية الأوركسترالية الحديثة في لبنان، ورؤيوي استثنائي استطاع بحلمه، وعزيمته، وفكره الثاقب أن يرفع الموسيقى السمفونية العربية إلى مصاف الإبداع العالمي، صاهراً في بوتقة واحدة بين عمق الإرث الشعبي والمقامات الشرقية وبين قواعد التأليف الكلاسيكي الغربي.
على وقع الحنين العابر للدهشة وللزمن الجميل، اختُتمت الأمسية الفريدة لتشكّل بياناً فنياً موسيقيّاً ثقافيّاً مدوياً، يكرّس الدور الحضاري الكبير للكونسرفتوار الوطني كحصنٍ حقيقي للذاكرة والابداع. فقد جسّد هذا الحدث التاريخي أسمى معاني الوفاء لصانعي الهوية، مؤكداً أن الموسيقى السمفونية الجادة قادرة على أن تكون لغة الأمة الناطقة بالخلود والتجدد. وإن انطلاق “عام وليد غلمية” من هذا الصرح العريق هو انتصار دائم للثقافة على الفناء، وبرهان ساطع على أن الأعمال العظيمة والمؤسسات الراسخة تظل الشعلة التي تضيء دروب المستقبل، وتحفظ للإنسان روحه التواقة أبداً إلى أسمى مراتب الجمال والكمال.




