“معرض بيروت العربي الدولي للكتاب” أجمل وأوسع وأغنى في دورته السابعة والستين هذه السنة. رسالته أن لبنان لا يزال ينبض قلباً للثقافة في عالم العرب بالرغم من الأهوال. وهذا في ذاته معجزة. وأن الكتاب الورقي لا يزال حياً يحتفظ بمكانته في العاصمة المدهشة، بالرغم من اجتياح الكتاب الرقمي. وهذه معجزة أخرى.
على الواجهة البحرية لبيروت، في Seaside Arena، ومساحة عشرة آلاف متر، انفلشت 165 منصة لدور نشر متفاوتة الأحجام، من بينها 23 داراً من دول عربية، وكلها تعرض إصداراتها المغرية المتعددة التوجه والاختصاص، تجعل الزيارة أشبه بجولة في سوق متاجر ذات واجهات جذابة لمن يقع في هوى القراءة والاستكشاف الفكري والأدبي والفنّي.
الانطباع الأوّل أمام المشهد: حقاً لا تزال المعادلة القديمة في عالمنا العربي قائمة: “القاهرة تكتب، بيروت تطبع، وبغداد تقرأ”. وإلا كيف تحلّ منتوجات مطابع هذه البلاد ودور نشرها في المرتبة الثانية من قائمة صادراتها إلى الخارج والمداخيل، بعد المصنوعات الذهبية والأحجار الكريمة؟
الأناقة سِمة اللبنانيين، تجلّت في هذا المعرض الذي يبدو نتيجة تراكم خبرات 66 معرضاً سابقاً منذ 1956. سِمَتهم الأخرى الانقسامات لكن المعرض تغلّب عليها أخيراً. فعلى مدى أعوام، وفي موازاة الانقسام الذي طبع الحياة السياسية في لبنان، كان يُقام معرضان، واحد للنادي الثقافي العربي، المؤسس والعريق في تنظيم هذه الاحتفالية الثقافية، وآخر لنقابة اتحاد الناشرين. هذه السنة معرض واحد لا معرضان. تيمّناً بالشعار الأثير لرئيس الحكومات الراحل صائب سلام ” لبنان واحد لا لْبنانَين”. المفارقة أن ابن شقيقه رئيس الحكومة، القاضي نوّاف سلام، هو الذي افتتح المعرض، وكانت كلمته تحريضاً على الفكر النقديّ الحر. قال إن الثقافة ليست ترفاً، إنما هي أساس لصنع الخيارات السياسية السليمة، ومواجهة الجهل والتضليل والتعصب وخطاب الكراهية، وأن دور بيروت البقاء مركزاً متجدداً للكتاب والإبداع والحوار، وهذا المعرض “ليس مجرد مساحة تجارية سنوية”.
والمعرض فسيح يتيح راحةً للعين أو للقراءة الهادئة، أو من تعب التجوال بين المنصات والواجهات، في حديقة خضراء مستحدثة تطلّ من جهة على معروضات دور نشر أجنبية، فرنسية خصوصاً وإنكليزية، ومن جهة أخرى على جناح فنون وأعمال غرافيكية تتعلّق بالحرف العربي وأغلفة الكتب والمطبوعات، تشارك فيه سبع جامعات رئيسية تعلّم اختصاص التصميم الغرافيكي والبصري.
وخلافاً لمعارض سابقة، تغيب الدعاية الترويجية لأحزاب وشخصيات سياسية مثيرة للانقسامات والحساسيات. ودور النشر تمثل كل الاتجاهات لكنها متباعدة فلا تنشر جواً فكرياً واحداً في أروقة محددة. وأما الأنشطة الثقافية فكثيفة: اكثر من 95 ندوة وجلسة، تشارك فيها مئات الشخصيات والقامات الثقافية، تتلاحق كل أيام المعرض التسعة، وتشغل على الدوام قاعتين. حين أن تواقيع المؤلفين لكتبهم بالعشرات يومياً في منصّات دور النشر. وهناك أيضاً لقاءات مع واسيني الأعرج ورشيد الضعيف ونجوى بركات والحبيب السالمي وجلال برجس وماجد خزعل وسواهم. وكذلك ورش كتابة ورسم وترجمة وأنشطة للأطفال والناشئة. ويضيف البرنامج الفرنسي لقاءات مع أكثر من 40 كاتباً ورسّاماً وفناناً من تسعة بلدان، بالفرنسية والعربية والإنكليزية.
وهكذا يبدو التحدي، الذي تحدث عنه مراراً المنظمون، في مواجهة كل الظروف الصعبة، رابحاً وأكثر.




