انتقلت العلاقة بين لبنان وسوريا الى مرحلة جديدة مختلفة كليا عمّا كان عليه الوضع، بعد تسلم السلطات الجديدة الحكم إثر سقوط النظام السابق، وأظهرت الزيارات الرسمية المتبادلة بين البلدين انهما يسعيان لتنظيم ملفات العلاقات على اسس جديدة، سواء الملفات السياسية أم الاقتصادية والأمنية ام الحدودية ام قضايا المسجونين والمفقودين. وقد حصل تقدم في بعضها وتأخير وتعثر في بعضها الآخر، لا سيما حول موضوع ترسيم وتثبيت الحدود البرية، ومن ضمنها معضلة حدود مزارع شبعا التي تحتلها اسرائيل منذ العام 1968 بعد حرب حزيران 67.
ولعل افضل توصيف لما هو مرتقب من تصحيح العلاقات ما قاله رئيس مجلس النواب نبيه بري بعد لقائه وزير الخارجية السورية أسعدالشيباني في زيارته الاخيرة لبيروت: إنه “يتوقع تطوراً كبيراً في العلاقات اللبنانية – السورية خلال المرحلة المقبلة، متعمّداً الإشارة أمام أكثر من ضيف إلى ما وصفه بـالاجتماع الصريح والمثمر الذي جمعه بالوزير الشيباني”.
ونُقل عن بري قوله في مجالس خاصة: “إن سوريا الجديدة تريد الاستقرار وتصفير المشاكل من حولها، وأنها في صدد طيّ صفحة الخلافات لا سيما مع الشيعة في لبنان، على غرار ما حصل مع العراق”.
وقد فتحت زيارة الوزير الشيباني الأخيرة لبيروت، وجولته على الرؤساء وعدد من القوى السياسية، مدخلاً جديداً مهماً لتنظيم العلاقات مع لبنان، توجّت بتوقيع اتفاقية إنشاء “اللجنة العليا اللبنانية-السورية المشتركة”، والتي تم توقيعها من قبل رئيس حكومة لبنان نواف سلام، والشيباني في السراي الحكومي في بيروت. وتلتها بعد ايام قليلة زيارة وزير الاقتصاد عامر البساط، ثم زيارة وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني الى دمشق لإستكمال البحث في تفاصيل تنظيم العلاقات البينية. وقبل ذلك توقيع الاتفاقية الامنية حول تبادل المسجونين والتي بدأ تنفيذها بعد نحو شهر من زيارة نائب رئيس الحكومة اللبناني طارق متري الى دمشق على رأس وفد امني – قضائي. وقبلها ايضا زيارة رئيس الحكومة نواف سلام لفتح باب العلاقات الرسمية على أعلى مستوى.
وحسب المعطيات التي توافرت، لم تكن زيارة الوزير الشيباني، إلى بيروت مجرد محطة سياسية ودبلوماسيّة؛ إذ جاءت في ظل تحولات كبرى تشهدها المنطقة وخصوصاً لبنان، وبدت بمثابة إعلان سوري واضح بأن دمشق الجديدة تسعى إلى إعادة بناء علاقتها مع لبنان على أسس مختلفة تماماً عن تلك التي حكمت حقبة العلاقات الثنائية السابقة طوال أكثر من أربعة عقود. وفي هذا السياق، أرادت دمشق توجيه رسالة إلى اللبنانيين “بأن مرحلة جديدة بدأت، عنوانها احترام سيادة الدولتين وإقامة علاقات متوازنة بين دولة ودولة تقوم على المصالح المشتركة، وطمأنة جميع المكونات اللبنانية بعدم التدخل في شؤونهم الداخلية”.
ونقل الشيباني إلى رئيس الجمهورية جوزيف عون دعوة من الرئيس السوري أحمد الشرع لزيارة دمشق، في خطوة اعتُبرت مؤشراً إضافياً على رغبة القيادة السورية الجديدة في تعزيز التواصل السياسي المباشر مع لبنان من دولة الى دولة وعلى اعلى المستويات.
اتفاقية اللجنة العليا
وتنص اتفاقية اللجنة العليا المشتركة، التي تتألف من ثلاثة عشر بندًا، على التنسيق السياسي بين بيروت ودمشق، وتضع خريطة عمل واسعة، تشمل الاقتصاد والأمن والحدود والطاقة والنقل والصحة والتعليم والاتصالات. ويقوم التعاون بين الطرفين في إطار هذه الاتفاقية على المبادئ الآتية:
1- احترام سيادة واستقلال ووحدة وسلامة أراضي كل من الدولتين.
2- المساواة بين الطرفين.
3- عدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي من الدولتين.
4- الالتزام بمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
5 – تسوية الخلافات بالوسائل السلمية ومن خلال الحوار والتشاور.
6- احترام علاقات الأخوة وحسن الجوار.
7- تحقيق المصالح المشتركة.
ومن أهداف اللجنة العليا:
تشكل منصة لتنسيق عمل الوزارات المعنية وإعداد مذكرات تفاهم تفصيلية-
التركيز على مجالات التعاون المشترك مثل الربط الكهربائي، النقل، وتسهيل حركة التجارة والسلع-
وأكد الجانبان أن إنشاء هذه اللجنة يمثل طياً لصفحة الماضي والانتقال نحو شراكة مؤسساتية تحترم سيادة الدولتين-
وتم الاتفاق على أن تشكّل اللجنة العليا إطاراً مؤسسياً يجمع الوزارات والجهات المعنية للعمل على تطوير الشراكات الاقتصادية والاستثمارية والتجارية، وتعزيز التعاون بما يحقق المصالح المشتركة للبلدين. و اللجنة ستعمل على توسيع نطاق التفاهمات الأمنية وتعزيز التنسيق والتعاون الثنائي في مختلف القطاعات، بما يسهم في دعم الاستقرار ومواجهة التحديات المشتركة.
يمكن حذف هذه الفقرة عند اللزوم: كما أن الإتفاقية تمنح اللجنة العليا صلاحيات واسعة تشمل رسم التوجهات العامة للعلاقات الثنائية، وإنشاء اللجان القطاعية والفنية المشتركة، والإشراف على تنفيذ القرارات، واقتراح تعديل الاتفاقيات والبروتوكولات الثنائية، واستحداث آليات أو هيئات مشتركة كلما اقتضت الحاجة.
ووفق المعلومات فإن دمشق تتطلع أيضاً إلى إقامة شراكات اقتصادية ثلاثية تضم لبنان وسوريا وعدداً من دول الخليج والاردن، بما ينعكس إيجاباً على اقتصاد البلدين.وتجلى ذلك الشهر الماضي بإعلان الحكومة الأردنية “تزويد لبنان بالغاز الطبيعي عبر الباخرة العائمة في ميناء العقبة، بالتعاون مع الجانب السوري، بهدف دعم احتياجات لبنان من الطاقة اللازمة لإنتاج الكهرباء.وبموجب الترتيبات، سيستورد الأردن الغاز الطبيعي المسال ثم يُعيده إلى حالته الغازية باستخدام وحدة التغويز العائمة والبنية التحتية المتاحة في المملكة، قبل نقله عبر خطوط الغاز الممتدة من جنوب الأردن إلى شماله، ومن ثم تمريره إلى لبنان عبر الأراضي السورية”.
و في الجانب السياسي، انطوت زيارة الشيباني على رسائل جديدة، إذ أعلن “انفتاحه على لقاء حزب الله إذا اقتضت المصلحة”، في موقف يجسّد بالنسبة لمحللين “رغبة سوريا بتغليب الحوار على المواجهة من حيث المبدأ، والسعي إلى فتح قنوات حوار مع البيئة الشيعية”. كما حرص الوفد السوري “على توضيح اللغط الذي ساد بالنسبة إلى الحديث عن تدخل عسكري سوري في لبنان” ، بعد كلام الرئيس الاميركي دونالد ترامب عن هذا الموضوع.
تفعيل الاقتصاد والتجارة
وبالنسبة لزيارتي وزير الاقتصاد عامر البساط ثم زيارة وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني الى دمشق، فتم الإعلان الرسمي عن تشكيل مجلس الأعمال اللبناني السوري، وتم البحث في تعزيز مشاريع الربط بين البلدين، بما يشمل خطوط نقل النفط والأنابيب والطاقة، وشبكات النقل البرية والبحرية. كما تطوير التعاون في القطاعات الحيوية، لاسيما الخدمات، والسياحة، والقطاع المصرفي، مع تهيئة الظروف لدور أكبر للبنوك في المرحلة المقبلة. وأهمية الاستفادة من المعرفة المتبادلة بين الشعبين لتعزيز التكامل السوري–اللبناني وبناء ثقة أكبر لدى المستثمرين، مع ضرورة المباشرة بالحلول العملية للملفات العالقة والتقنية بما يخدم المصالح المشتركة.
كما تم الاتفاق على إعادة تفعيل وتطوير الربط السككي بين لبنان وسوريا، وفي مقدم المشاريع المطروحة ربط مرفأ طرابلس بالشبكة الحديدية السورية، بما يسهم في تسهيل حركة البضائع، وتنشيط التبادل التجاري، وتعزيز دور المرفأ كمحور لوجستي يخدم لبنان والمنطقة.
واكد البساط خلال وبعد الزيارة، “إن لبنان وسوريا سيبدآن في الأشهر المقبلة مراجعة اتفاقات تجارية تعود إلى عقود مضت بهدف إحياء علاقاتهما الاقتصادية”. وأشار البساط إلى أن البلدين قد يسعيان في نهاية المطاف إلى إبرام اتفاق تجاري ثنائي أوسع نطاقاً، وكشف البساط من سوريا: لن نقبل بالعمل على أساس المعاهدات التي كانت موقّعة مع النظام السوري السابق إذ يجب أن نُعيد كتابتها اليوم على أساس الاحترام المتبادل للمصالح المشتركة.
قضايا معلقة
واذا كانت زيارات الرئيس سلام والوزراء متري والبساط ورسامني قد اسهمت في الاتفاق على مسائل تهم البلدين على صعد متعددة، فإن قضايا اساسية ومهمة بقيت معلقة منها عدم تجاوب سوريا حتى الان مع مطلب لبنان فتح الحوار لترسيم الحدود البرية، وهي عملية صعبة ودقيقة وتتطلب وقتاً ليس بقصير، وردّت سوريا تأخّر الامر الى انشغالاتها الداخلية الكثيرة السياسية والامنية والاقتصادية والتنموية والعمرانية. لكن حقيقة الأمر ان ترسيم الحدود سيبقى غير مكتمل نتيجة الخلاف على موضوع حدود مزارع شبعا وتلال كفر شوبا المحتلة والتي تتداخل مع حدود لبنان الجنوبية مع فلسطين المحتلة والشرقية مع سوريا وفلسطين.
وزاد تعقيد المسألة الموقف الاسرائيلي بعدم الانسحاب من المناطق السورية التي احتلتها بعد سقوط نظام الرئيس بشار الاسد، من جبل الشيخ حتى تخوم دمشق من جهة السويداء ودرعا والقنيطرة، والغاء خط وقف اطلاق النار، وربط الحدود السورية المحتلة بالحدود الجنوبية المحتلة، تحت حجة اقامة منطقة امنية من جبل الشيخ الى جنوب لبنان. كما اعلن وزير الحرب يسرائيل كاتس.
عدا ذلك، برزت في مسألة الحدود المخاوف الأمنية من تواجد مقاتلين اجانب من الجانب السوري ممن قاتلوا مع المعارضة السورية لم تجد السلطات السورية لهم حلّاً بعد نتيجة رفض الدول التي اتوا منها استقبالهم فباتوا عبئاً ثقيلا على السلطة السورية الجديدة. ومقابلهم من الجانب اللبناني مقاتلون من حزب الله والعشائرالبقاعية، امكن للسلطات اللبنانية الامنية ضبطهم بعد نشر وحدات كبيرة من الجيش اللبناني عند الحدود.
بين ترامب والشرع
اضفى موقف الرئيس الاميركي ترامب بدعوة سوريا الى تولي عملية القضاء على حزب الله والنفوذ الايراني في البقاع اللبناني وبقايا تنظيم “داعش” الارهابي، ازمة سياسية – امنية سرعان ما تم تداركها من الجانبين السوري واللبناني، حيث اعلن الرئيس احمد الشرع رفضه زج سوريا في اي مشكلة مع لبنان، كما قلل الرئيس اللبناني عون من اهمية كلام ترامب واكد رفض الجانبين للإقتراح الاميركي المتهور،ولكن تردد ان رفض الشرع اثار استياءً في البيت الأبيض، بعدما رفض الشرع إرسال قوات سورية للقتال عند الحدود مع لبنان.
ونقل عن الشرع قوله: أن سوريا لديها ما يكفي من المشكلات المشتركة مع لبنان، وأن الأولوية تتمثل في ترسيم الحدود، ثم التعاون لمكافحة تهريب الأسلحة والمخدرات، من دون تدخل عسكري سوري داخل الأراضي اللبنانية.
وبقي السؤال مطروحاً حول مصير المعاهدة الاساس بين لبنان وسوريا وهي معاهدة الاخوة والتعاون والتنسيق، التي اتفق الجانبان اللبناني والسوري في اجتماعات ولقاءات سابقة بينها زيارة رئيس الحكومة سلام، على ان يتم الغاؤها. ويبدو ان الامر ينتظر الاجتماعات التنسيقية بين الجانبين عبر اللجنة العليا للبحث في الغائها، لكن اعتبر البعض ان تشكيل اللجنة العليا المشتركة خلال زيارة الوزير شيباني كان بمثابة البديل العملي لمعاهدة الاخوة والتعاون والتنسيق التي اصبحت بحكم المعطلة نتيجة الاتفاقات الجديدة التي عقدت او تلك التي ستعقد لاحقاً.




