Home / قضايا ثقافية / الأسطورة بوريس بيريزوفسكي وابنته إفلين في حواريّة بيانو ملحميّة

الأسطورة بوريس بيريزوفسكي وابنته إفلين في حواريّة بيانو ملحميّة

​شهدت الخشبة اللبنانية لقاءً هو الأول من نوعه في تاريخ المشهد الموسيقي الكلاسيكي: الأسطورة الروسي عازف البيانو بوريس بيريزوفسكي، يلتقي في حوارٍ ثنائي مع ابنته، العازفة ذات الحضور العالمي المرموق، والأكثر شهرة في جيلها، إفلين بيريزوفسكي.

بدعوة من الكونسرفتوار الوطني، أقيمت أمسية موسيقية استثنائية خارجة عن مألوف التقنيات العزفية، شكلت حدثاً بيروتياً عالمياً يتمحور حول مفهوم التناصّ الإبداعي وانتقال الإرث الفني عبر الأجيال. 

​وخصيصاً لهذه المناسبة الكبيرة، تأسّس المسرح بصريّاً على تقابلٍ هندسي دقيق، بيانوَان ضخمان وُضعا وجهاً لوجه على الخشبة، في تكوينٍ يعكس الرغبة في صياغة حوارية هارمونية عميقة. وعبر حجب المؤثرات البصرية وتوجيه انعكاسات الإضاءة الدافئة حصراً على العازفَين ومفاتيح الآلتين. عُزلت القاعة تماماً في ظلامٍ فنّي معبّر، ليخلق مناخاً “أنطولوجياً” يركّز الوعي السمعي على الكتلة الصوتية المتولّدة. فتحوّل الفعل الموسيقي من أداء لبرنامج موسيقي إلى تجربة تأمّلية واعية، تنصت إلى علاقة الذات بالآلة وعلاقة الإرث الجيني بالهويّة الموسيقية.

​شكّل العزف المشترك للمرة الأولى بين بوريس وإفلين، نموذجاً نادراً لـ “الهارموني الغريزي” المدعم بالدراسة الأكاديمية الصارمة. فحين تلتقي أصابع الجيلين فوق المفاتيح، يتلاشى البعد الزمني التراتبي، ليحل محله اتساق بنيويّ دقيق. وتتحول الرابطة الإنسانية إلى تكاملٍ فنّي عميق، يفكّك النص الموسيقي ويعيد بناءه بوحدة تعبيرية خارقة.

 بوريس بيريزوفسكي، الذي كرسته المحافل العالمية كأحد أكثر العازفين قوةً وعمقاً وحساسية، هو قامة كوكبية تحتل صدارة العازفين عالمياً في العصر الحالي. وهو أحد أساطير المدرسة الروسية المعاصرة وامتداداً حياً لعمقها التاريخي.

 أظهر بيريزوفسكي فوق الخشبة نضجاً فكرياً تجاوزياً. فهو يتجاوز النوتة كعلامة مجردة، ليمنحها بعداً حوارياً مستنداً إلى قراءة تفكيكيّة للمؤلفات الروسية والفرنسية. 

أما إفلين بيريزوفسكي، فكان حضورها على الخشبة البيروتية في ظل عبقرية الأب، إعلاناً صريحاً عن نضوج هوية فنية مستقلة ومكتملة الأدوات في المشهد الكلاسيكي المعاصر. فبرزت كذاتٍ فنية مستقلة تمتلك تقنية باهرة ومزاجاً تعبيرياً صارماً 

​افتُتح البرنامج بـ “المتتابعة الثانية” لسيرغي رخامانينوف (1873-1943)  (Suite no.2 Op.17)، وهي مصنّف يتطلب طاقة فيزيائية وفكرية هائلة لإبراز الطبقات الهارمونية الكثيفة. في حركتي الفالس والرومانس، تجلى التناظر المطلق بين الثنائي في توزيع النبرات وإبراز الخطوط اللحنية المتشابكة، بينما تحولت حركة الـ Tarentelle الختامية، إلى استعراض علميّ دقيق لكيفية السيطرة على الإيقاعات المتسارعة بالغة التعقيد، مظهرة عمق الإرث الموسيقي الروسي المشترك بينهما.

​وفي الشق الفرنسي من البرنامج، انتقل الثنائي إلى الانطباعية والسيولة الحسية مع رافيل وديبوسي. في “الرابسوديا الإسبانية ” (Rapsodie Espagnole)، تمكن العازفان من محاكاة الألوان الأوركسترالية عبر البيانوين، في تدفق عاطفي حرّ، فكانت النغمات الدقيقة في حركة “مقدمة الليل” تتماهى مع الإضاءة الخافتة لتخلق تجربة حسية فريدة.

​واختتمت الأمسية بـ “المتتابعة الصغيرة” لكلود ديبوسي (1862-1918)   (Petite Suite)، التي تميز أداؤها بالشفافية والوضوح البنيوي، لتعود الموسيقى إلى بساطتها العميقة.