Home / ﻗﺿﺎﯾﺎ ﺳﯾﺎﺳﯾﺔ / الجزائر والامارات…
نهاية شهر العسل

الجزائر والامارات…
نهاية شهر العسل


الجزائر تقطع العلاقات الدبلوماسية مع الامارات اعتبارا من منتصف ليل الحادي عشر من ايلول الفين وستة وعشرين وتكلف سفيرها في ابوظبي بمغادرة البلاد خلال ثمان واربعين ساعة. كما اعلنت اغلاق اجوائها امام كافة الطائرات المسجلة في الامارات ابتداء من يوم الجمعة المقبل. البيان الجزائري الصادر عن وزارة الخارجية اتهم الامارات صراحة بالقيام بتصرفات استفزازية وعدائية تمس السيادة الوطنية للجزائر وبالتدخل في شؤونها الداخلية وبمحاولة احباط مشاريعها الاستراتيجية في محيطها الاقليمي لا سيما في ليبيا ومنطقة الساحل والصحراء الغربية.


في المقابل ردت الامارات ببيان مقتضب اعربت فيه عن اسفها للقرار الجزائري ونفت نفيا قاطعا اي نية للتربص بالجزائر مؤكدة ان سياستها الخارجية قائمة على مبدأ التوازن الاستراتيجي وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول ودعم الحلول السياسية في المنطقة. هذا التباين الحاد في الروايتين يفتح الباب امام واحدة من اخطر الازمات الدبلوماسية في المغرب العربي خلال العقد الاخير حيث لم تصل العلاقات بين بلدين عربيين الى هذا المستوى من القطيعة منذ سنوات طويلة. يرى المحللون الجزائريون ان ما حدث هو تتويج لمسار بدأ منذ عام الفين وعشرين حين بدأت تظهر بوادر التوتر بين العاصمتين. الدكتور حسام حمزة الخبير في الشؤون الاستراتيجية قال في مداخلة تلفزيونية ان العلاقات مع الامارات شهدت تفكيكا تدريجيا على مدى السنوات الخمس الماضية من خلال رسائل اعلامية وسياسية وحزبية كانت تمهد لهذه اللحظة.


ويضيف حمزة ان ما يميز هذه الازمة هو وصولها الى مستوى التناقض الاستراتيجي غير المسبوق في تاريخ الجزائر. فلم يحدث ان وجدت الجزائر نفسها في مواجهة مباشرة مع دولة عربية على هذا النحو في ملفات الامن القومي. ويضرب مثالا بليبيا حيث ترى الجزائر ان الرؤية الاماراتية للحل مناقضة تماما للرؤية الجزائرية رغم ان ليبيا تقع ضمن الدائرة الحيوية للامن القومي الجزائري ولا تدخل ضمن دائرة الامن الاماراتي المباشر.
الاتهام الاكبر الذي وجهته الجزائر هو ان الامارات تتربص بالجزائر وتستثمر اي خلاف ثنائي بين الجزائر واي دولة اخرى لتحويله الى عداء مفتوح. واستشهد بملفات دول الساحل وبالتوتر الذي حصل مع اسبانيا وكيف تم استثماره من قبل ابوظبي. بالنسبة للجزائر فان الامر لا يتعلق بخلاف عابر بل بمسألة امن قومي مباشر. فالجزائر ترى نفسها مستهدفة في عمقها الاستراتيجي وان هناك محاولات لتطويقها من خلال دعم اطراف مناوئة لها في المنطقة.


من جهة اخرى ظهر الخبير الاماراتي الدكتور محمد فراس النائب في نفس المنصة ليقدم الرواية الاماراتية للازمة.
النائب قال ان الدبلوماسية الاماراتية تتميز بالتوازن والفاعلية وانها تسعى لحماية ما وصفه بانجازات الامارات في مجال الرفاه والاستقرار والتنمية ولا تستهدف اي دولة بعينها. لكن المذيع الجزائري ضغط على الضيف الاماراتي بسلسلة اسئلة مباشرة حول ما وصفه بالتدخلات الاماراتية في السودان وليبيا والصومال واليمن وتساءل عن معنى التوازن الاستراتيجي في ظل مشاركة اماراتية مزعومة في النزاعات الدائرة في هذه الدول. كما وجه سؤالا عن العلاقات الاماراتية مع الكيان الصهيوني في مقابل ما وصفه بالعداء مع دول عربية شقيقة مثل قطر والسعودية ومصر. وسأله لماذا كل هذا العداء للدول العربية بينما العلاقات مع الكيان الصهيوني في احسن حالاتها.


الضيف الاماراتي اكتفى بالتأكيد على ان الامارات تدعم الحلول السياسية ولا تتدخل في الشؤون الداخلية لكنه لم يقدم ردا مباشرا على التفاصيل التي طرحها الجانب الجزائري. وهنا يبرز الفارق بين الخطابين. خطاب جزائري هجومي يقدم قائمة اتهامات محددة بتواريخ وامكنة. وخطاب اماراتي دفاعي يحاول التخفيف من حجم الازمة والتأكيد على انها مؤقتة وان الحوار سيعود في النهاية. توقيت اعلان القطيعة في منتصف الليل ومنح السفير مهلة ثمان واربعين ساعة فقط لم يكن اعتباطيا بحسب مصادر اقتصادية مطلعة.


القرار الجزائري يشمل تجميدا فوريا لاستثمارات اماراتية استراتيجية تقدر بمليارات الدولارات. واهمها ادارة شركة موانئ دبي العالمية لميناء الجزائر العاصمة وميناء جيجل وهما بوابتان حيويتان للتجارة الخارجية الجزائرية.
كما يشمل القرار مشروع مصنع عين السمارة في قسنطينة لانتاج المدرعات المدرعة فوكس تو والذي تبلغ قيمته حوالي ثلاثة مليارات دولار ويمثل احد اهم مشاريع التعاون العسكري بين البلدين. الى جانب ذلك هناك استثمارات اماراتية في قطاعات البنية التحتية والعقارات والانشاءات والصناعات الغذائية وهي قطاعات تعتبرها الجزائر اساسية في خطتها لتنويع الاقتصاد بعيدا عن المحروقات. اغلاق الاجواء امام الطائرات الاماراتية اعتبارا من يوم الجمعة يهدف بحسب خبراء الى منع سحب الاصول او تهريبها قبل تجميدها رسميا.


الخطر الاكبر الذي يواجه الجزائر الان هو امكانية لجوء الشركات الاماراتية الى التحكيم الدولي والمطالبة بتعويضات ضخمة في حال اعتبرت ان الجزائر الغت الاتفاقيات بشكل تعسفي. وهذا ما يفسر حالة الورطة التي تحدث عنها المحللون في ابوظبي. الامارات اليوم بين خيارين. اما القبول بالامر الواقع وتكبد خسائر اقتصادية كبيرة. او اللجوء الى القضاء الدولي والدخول في مواجهة قانونية طويلة مع الجزائر.


ما ميز هذه الازمة انها لم تبق في الغرف المغلقة بل انتقلت الى الاعلام مباشرة.
التلفزيون الجزائري الرسمي بث خلال الايام الماضية تقارير مطولة اتهم فيها الامارات بممارسة افعال دموية ضد المصالح العربية وباستخدام ادوات ناعمة لتفكيك الدول العربية من الداخل. في المقابل حاولت الامارات عبر ضيوفها الاعلاميين التقليل من حجم الازمة والقول انها تأمل ان تكون القطيعة مؤقتة وان الحوار سيعود في النهاية. لكن الضيف الجزائري قلب الطاولة عندما تحداها قائلا اتحدى ان تجد تورطا جزائريا واحدا في دم عربي او افريقي. او مثالا واحدا على ان الجزائر شاركت في نهب ثروات السودان كما تفعل الامارات. هذه الجملة تحولت الى مادة اعلامية واسعة الانتشار ووضعت الامارات في موقف دفاعي صعب. ويحسب للرئيس عبد المجيد تبون انه كان اول رئيس عربي خاطب الامارات علنا باللغة التي تليق بالافعال التي تمارسها بحسب التعبير الجزائري. وهذا الخطاب ساهم في انشاء حملة اعلامية ضد الافعال الاماراتية التي تندرج ضمن الافعال الدموية ضد المصالح العربية.


حتى الان التزمت واشنطن الصمت الكامل ازاء الازمة رغم ان مراسلين اميركيين اشاروا الى وجود تواصل من المبعوث الاميركي مسعد بولس مع الطرفين. مصادر اميركية قالت ان واشنطن لا تريد الدخول في مواجهة مع اي من الطرفين في هذه المرحلة خاصة ان الامارات شريك استراتيجي في الملفات الاقليمية والجزائر لاعب اساسي في امن الساحل والطاقة المتجهة الى اوروبا. لكن هذا الصمت قد لا يستمر طويلا اذا توسعت دائرة القطيعة لتشمل الجوانب الاقتصادية والعسكرية. فالولايات المتحدة لديها مصالح مع الطرفين ولا تريد ان تخسر احدا منهما.
الجزائر تركت الباب مواربا لعودة العلاقات اذا تراجعت الامارات عن تدخلاتها. لكن ابوظبي لم تعلق بشكل رسمي على هذا الشرط.

المحللون يتوقعون تصعيدا اعلاميا ودبلوماسيا بين الطرفين. مع احتمال تدخل اطراف اقليمية ودولية لتخفيف التوتر.
السيناريو الاول ان تبقى الازمة محصورة في الجانب الدبلوماسي مع محاولات وساطة لاعادتها الى نقطة الصفر. وهذا ما تتمناه الامارات عندما تقول انها مؤقتة. السيناريو الثاني هو التصعيد الاقتصادي والقانوني حيث تلجأ الشركات الاماراتية الى التحكيم الدولي وترد الجزائر بتأميم الاستثمارات. وهو ما سيدخل البلدين في مواجهة طويلة ومكلفة.
السيناريو الثالث وهو الاخطر ان تتمدد الازمة الى ملفات اقليمية اخرى في ليبيا والسودان والساحل حيث تتنافس البلدان على النفوذ بشكل مباشر.


القطيعة بين الجزائر والامارات ليست مجرد خلاف دبلوماسي عابر. بل هي اشتباك بين رؤيتين مختلفتين للامن الاقليمي. الثمن سيدفعه الاقتصاد والاستقرار في المغرب العربي. والمنطقة تنتظر ما اذا كانت ابوظبي ستتراجع ام ستتسع دائرة المواجهة.