منذ 2 آذار 2026، عاد جنوب لبنان إلى دائرة النار بعد تصاعد التوترات العسكرية بين لبنان وإسرائيل. تعود جذور هذه التوترات إلى قضايا طويلة الأمد تشمل حقوق السيادة، والنزاعات الحدودية، ودور الجماعات المسلحة، وما يرتبط بذلك من التوتر الإقليمي. ومع اقتراب الصراع من مواجهة شاملة، حيث يعيش المدنيون بين فكي كماشة التوترات المسلحة، دخلت الأطراف المعنية في مفاوضات تشمل جنبات جغرافية جديدة. فقد كتبت أميركا القواعد بينما سعت روما لتطبيقها. ولكن السؤال الذي يتردد في الأذهان هو: هل نحن أمام مسار تفاوضي حقيقي يقود إلى السلام؟ أم مجرد إدارة متواصلة للتصعيد بين جولتين مستمرتين؟
1. الولادة من واشنطن: إطار المفاوضات
تدخلت أميركا بشكل مباشر بعد فشل هدنة آذار في الصمود. استدعت الولايات المتحدة 6 ضباط كبار من الجيش اللبناني إلى جانب نظرائهم الإسرائيليين، وكان الهدف واضحًا: وضع إطار لوقف الحرب. تعتبر هذه الخطوة بمثابة محاولة لتجنب تصعيد أكبر وإعادة تفعيل العملية الدبلوماسية التي كانت قد تجمدت لفترة طويلة.
أسفرت نتائج 5 جولات من المفاوضات في واشنطن عن وثيقة تتضمن 3 محاور رئيسية يجب أن تكون محور التركيز في جميع الأطراف المعنية:
– المحور الأمني: تم الاتفاق على إنشاء مناطق تجريبية في جنوب الليطاني، حيث ستقوم إسرائيل بالانسحاب تدريجيًا بينما ينتشر الجيش اللبناني على الفور. تعتبر هذه الخطوة حجر الزاوية في أي جهود لتحقيق استقرار طويل الأمد في المنطقة. وقد تم تحديد هذه المناطق بعناية لضمان عدم تعارضها مع مصالح الأطراف المختلفة.
– المحور السيادي: تم التأكيد على حق لبنان وإسرائيل في العيش بسلام كدولتين ذات سيادة. يعد هذا التصريح سابقة مهمة، حيث يعكس تغييرًا في النظرة التقليدية للعلاقة بين الطرفين منذ عام 1949. هذا التوجه يسعى لتعزيز الثقة وخلق بيئة تضمن عدم تصعيد العنف في المستقبل.
– حصر السلاح: يشير النص الضمني إلى أن الجيش اللبناني هو الجهة الوحيدة المخولة بالسلاح في المنطقة، مع تلميحات غير مباشرة لحزب الله والجماعات المسلحة الأخرى. يعتبر هذا الخطاب خطوة نحو تفعيل سيادة الدولة اللبنانية على أراضيها، ولكن ذلك يحتاج إلى آليات واضحة للتنفيذ.
ومع ذلك، تركت الوثيقة بعض الأسئلة الحاسمة بلا إجابات: من يبدأ بالتنفيذ؟ وما المدة الزمنية اللازمة لتحقيق ذلك؟ هذه الفجوات تبرز التحديات الكبيرة التي تواجه الأطراف في الوصول إلى اتفاق شامل.
2. لماذا روما؟ جغرافيا السياسة والوساطة
بعد واشنطن، كان من المتوقع أن تُستكمل المحادثات في نيويورك أو جنيف، لكن تم اختيار روما لعدة أسباب رئيسية:
– الحياد النسبي: إيطاليا ليست طرفًا مباشرًا في النزاع بين لبنان وإسرائيل. وزير الخارجية أنطونيو تاياني علّق في نيسان قائلاً إن إيطاليا مستعدة لاستضافة الحوار. هذا الحياد جعل منها مكانًا مناسبًا لاستضافة الجولات، مما يسهل على الأطراف التواصل دون ضغوطات من القوى الكبرى.
– الضغط الأميركي الناعم: أرادت أميركا تقديم غرفة خلفية بعيداً عن الأضواء. السفارة الأميركية في روما استضافت جولتي 15-16 تموز و4-6 آب، ووصف مسؤول في أميركا هذه الجولات بأنها إيجابية ومنتجة. وهذا يشير إلى أن الأطراف كانت قادرة على تحقيق بعض التقدم، وإن كان ببطء. ويبدو أن هذا التوجه يساعد الأطراف في استكشاف حلول مبتكرة وسط التوترات.
النتيجة الميدانية الأولى كانت في 20 تموز، حيث دخل الجيش اللبناني إلى قرى فرون وصرفا وزوطر الغربية. أكدت إسرائيل أنها ستبدأ بالانسحاب إذا أظهر الجيش اللبناني قدرته على المنع، وهذا يتطلب تعاونًا وثيقًا بين الجانبين، بما في ذلك جمع المعلومات الاستخباراتية وتنسيق التحركات.
3. خلق العقدة: من يتحرك أولاً؟
تبقى القضية الجوهرية المحورية في المفاوضات: من الذي يجب أن يتحرك أولاً؟ حيث يسعى كل طرف للعب دور المراقب والناقد لأفعال الطرف الآخر. وبهذا الصدد، يتهم كل طرف الآخر بتعطيل الاتفاق.
– الموقف اللبناني الرسمي: الحكومة اللبنانية تطالب بأن يتم الانسحاب أولاً وقبل أي شيء آخر، مبررًا ذلك بأن الوضع الأمني الحالي لا يسمح للجيش اللبناني بالانتشار تحت تهديد النار. دعم هذا الموقف يعكس رغبة لبنان في حماية سيادته وضمان عدم عودة حزب الله المسلح إلى الحدود.
– الموقف الإسرائيلي: الإسرائيليون يرون أن نزع السلاح يجب أن يأتي أولًا. يُصرح مسؤولو الأمن الإسرائيليون بأنه إذا لم يتم نزع سلاح حزب الله، فلن يكون هناك انسحاب. ويعتبرون أن وجود حزب الله يهدد أي استقرار مستقبلي. تتزايد هذه المخاوف مع استمرار التصعيدات العسكرية.
هذا السياق أسفر عن حالة من عدم اليقين والتوتر، حيث أدى عدم تحديد الأطراف الخطوة الأولى إلى تفاقم الأجواء. هذا التوتر يعكس الهوة الكبيرة بين المخاوف الأمنية للأطراف ونوايا السلام المعلنة.
فرنسا أيضًا عرضت نفسها كوسيط، وقدمت اقتراحاتها في سبيل دعم عملية السلام. ومع ذلك، ظلت الحكومة اللبنانية حذرة من مشاركة فرنسا في العملية، خشية أن يؤدي ذلك إلى ازدواجية الأدوار. تفادي توسيع دائرة المفاوضات يتطلب دقة في الاختيار بين الوسطاء.
4. حزب الله: الموقف بين طهران وبيروت
تعتبر مسألة حزب الله عاملاً محوريًا في تحديد مسار المفاوضات. لا يمكن فهم التوترات بشكل كامل دون أخذ موقف الحزب بعين الاعتبار.
– الموقف الداخلي: رفض الحزب للأطر المقترحة كان واضحًا، حيث وصف قياداته هذا الاقتراح بأنه استسلام. كما أن التصريحات التي أطلقها نعيم قاسم، نائب الأمين العام، توضح أن الحزب لن يقبل أي نزع سلاح قبل انسحاب كامل من الأراضي اللبنانية ومزارع شبعا. هذا الرفض يبرز رغبة الحزب في الحفاظ على قوته ووجوده في المنطقة.
– العلاقات الإقليمية: حزب الله مرتبط ارتباطًا وثيقًا بإيران، مما يزيد من تعقيد الأزمة. في ظل تزايد التوترات بين أميركا وإيران، ظهرت تحديات جديدة تتعلق بموقف الحزب ودوره في المفاوضات. العلاقات المتوترة أدت إلى توتر الأجواء، وارتفعت حدة التصريحات من الجانبين.
تزايدت التوترات داخل لبنان وخارجه نتيجة لذلك، حيث أصبحت الخطوط الحمراء تزداد وضوحًا. كلما ارتفع منسوب التوتر في الخليج، انخفضت مرونة حزب الله في التفاوض، مما يزيد من تعقيد المشهد. وهذا هو السبب الرئيسي وراء التصعيد في الهجمات الإسرائيلية، والتي كانت تهدف إلى إرسال رسالة بأن لن ننسحب تحت الضغط.
5. ما تم تحقيقه حتى آب 2026
على الرغم من المشكلات العديدة، هناك نقاط إيجابية يجب التوقف عندها:
– انتشار الجيش اللبناني: في خطوة غير مسبوقة، قام الجيش اللبناني بالإشراف على الانتشار في مناطق جديدة. هذا يمثل تقدمًا في عملية استعادة السيطرة الميدانية، وهو كسر لمعادلة سلاح المقاومة يحمي. هذه الخطوة تعزز من موقف الجيش اللبناني كجهة مسؤولة.
– آلية أميركية للمتابعة: الحضور الدائم لوفد عسكري من أميركا في لبنان يشير إلى التزام أميركا بتوقيت الانسحابات وعدم ترك فراغ. هذه الآلية تمثل ضوءًا أخضر لمزيد من الانتشار اللبناني، كما تعكس التفاؤل الحذر من قبل المجتمع الدولي تجاه تحقيق الاستقرار.
– زخم دبلوماسي: زيارة رئيس الجمهورية اللبناني جوزيف عون إلى أميركا في يوليو، والتي أظهرت اهتمام البيت الأبيض بالموقف اللبناني، تعكس تغييرًا في الديناميكية الدبلوماسية. زيادة التواصل بين الحكومتين يعكس الرغبة في استكشاف حلول جديدة.
ومع ذلك، لا تزال هناك نقاط ضعف بارزة. على سبيل المثال:
– غياب جدول زمني: وثيقة واشنطن لم تحدد موعدًا لانتهاء الإسرائيليين من انسحابهم، مما يزيد من حالة عدم اليقين.
– لا اتفاق على السلاح: حزب الله لا زال يرفض أي حديث عن نزع سلاحه، والدولة اللبنانية لا تملك أدوات فرض. تعتبر هذه النقطة نقطة شائكة، حيث يُعتبر سلاح الحزب جزءًا من معادلة القوى في المنطقة.
– استمرار العنف: الغارات الإسرائيلية لم تتوقف، مما يظهر وجوب الحاجة إلى إعادة التفاوض حول القضايا الحالية. ارتفاع عدد العمليات العسكرية يزيد من حدة التوتر ويعقد المفاوضات.
– الانقسام الداخلي: استطاعت الحكومة اللبنانية تحقيق بعض التقدم، لكنها تعاني من الانقسامات السياسية التي تزيد من صعوبة فرض توافق موحد. هذه الانقسامات تعكس الانقسامات الكبيرة في المجتمع اللبناني وتأثيرها على العملية السياسية.
6. سيناريوهات الطاولة المقبلة
عند النظر إلى الوضع الراهن، يمكن تصور عدة سيناريوهات للمضي قدمًا. في هذا السياق، يعود ذلك إلى مدى تلبية احتياجات الأطراف والقدرة على إحراز تقدم:
– السيناريو الأول: التوسع التدريجي (احتمال 40%): من الممكن أن يؤدي تقدم الأطراف نحو توافق حول المناطق التجريبية إلى تقليل التوتر والنزاع. إذا تمكّن الجيش اللبناني من إثبات قدرته على السيطرة، فقد تلقى نجاحًا كبيرًا.
– السيناريو الثاني: تصعيد النزاع (احتمال 30%): إذا استمرت الأطراف في التمسك بمواقفها المتعارضة، قد نشهد تصعيدًا عسكريًا جديدًا. في هذا السيناريو، يمكن أن تشتعل المواجهات مرة أخرى، مما يؤدي إلى تفاقم الوضع الإنساني والاقتصادي في لبنان.
– السيناريو الثالث: العودة إلى وضع ما قبل المفاوضات (احتمال 30%): في حال فشل أي تقدم، قد يعود الوضع بشكل كامل إلى الحالة السابقة، مع ارتفاع نسبة النزاع والاضطرابات.
تحليل بيان اجتماع روما – آب 2026
في 4-6 آب، صدر بيان أميركي يحمل نقاطًا رئيسية تتعلق بالمفاوضات. تمحورت هذه النقاط حول توسيع المناطق التجريبية، معالجة النقاط الحدودية، والانتقال نحو اتفاق أمني شامل. يعتبر هذا البيان نقطة تحول حقيقية، حيث يعكس تغير الموقف الأميركي تجاه لبنان وإسرائيل.
ما بين السطور: نص البيان يعكس السعي لضمان الأمن والاستقرار في المنطقة. إلا أن البيان يثير أسئلة حول تغطية الملفات المهمة مثل ملف السلاح، الأسرى، وإعادة الإعمار.
الخلاصة: ماذا يعني بيان روما؟
يمثل البيان خطوة نحو تثبيت الهدوء المدارة، لكنه في ذات الوقت يحمل تحديات تتعلق بغياب جدول زمني ملزم. سيكون من المشوق ملاحظة كيف ستتطور الأمور في الأشهر القادمة، ومدى قدرة الأطراف المعنية على الالتزام بالتفاهمات. يعتبر هذا التصريح شريان حياة للأطراف المعنية، خصوصًا مع وجود ضغط دولي كبير لتحقيق السلام.
توصيات للوفد اللبناني المفاوض
في إطار العمل نحو تحقيق الأهداف المرجوة، يجب تخطيط خطوات واضحة ومحددة:
1. فرض جدول زمني ملزم: يجب أن تتضمن الاتفاقات جدولًا زمنيًا صارمًا لضمان تنفيذ الانسحابات في المواعيد المحددة، مما يساهم في تحقيق الأمان المطلوب.
2. فصل ملف الحدود: ينبغي معالجة النقاط الحدودية الـ 13 بشكل منفصل عن مسار الانسحاب، مما يضمن عدم ربط السلام بالأرض ويعزز العمليات الدبلوماسية.
3. التأكيد على آلية التحقق: العمل على ضمان أن التحقق يتم فقط من خلال اليونيفيل والوفد من أميركا، دون منح صلاحيات للدول الأخرى، مما يعزز الثقة بين الأطراف.
أولويات ميدانية ودبلوماسية
– تسريع انتشار الجيش: عند أي انسحاب إسرائيلي، يجب أن يكون لدى الجيش اللبناني خطط واضحة للإشراف على المناطق خلال 72 ساعة. هذا يعزز قدرة الدولة على حماية مصالحها.
– تعزيز الخدمات الأساسية: العمل على إعادة بناء المناطق المتأثرة بالحرب، مما يساهم في تعزيز العلاقة بين سكان الجنوب والدولة اللبنانية. هذه الخطوة لن تعزز ثقة الشعب بل ستساعد في بناء مستقبل أفضل.
– تصدير الرواية: يجب على الحكومة والجيش العمل على تقديم بيانات يومية حول التقدم المحرز، مما يساعد على استعادة الثقة.
الخطوط الحمراء
تحديد الخطوط الحمراء يعد جزءًا أساسيًا من المفاوضات، وينبغي التأكيد على:
1. لا انسحاب دون تأكيدات محددة.
2. لا دور تحقق لدول خارج إطار اليونيفيل.
3. ينبغي تجنب أي ربط بين ملفات سياسية أخرى.
تأثير المجتمع الدولي
لا يمكن إغفال دور المجتمع الدولي في هذه المفاوضات. لقد شهدت المنطقة تدخلاً من عدة دول ومؤسسات دولية تسعى لتحقيق الاستقرار. كما أن وجود الأمم المتحدة في المنطقة يعزز من جهود السلام، مما يجعل من الضروري التنسيق بين جميع الأطراف لتحقيق أهداف مشتركة تتجاوز الأهداف الوطنية.
المستقبل الغامض
بينما نتطلع إلى المستقبل، لا بد من تقييم التحديات والفرص التي قد تواجه لبنان في سياق هذه المفاوضات. الأوضاع الاقتصادية المتدهورة في لبنان، والتحديات الاجتماعية والسياسية، قد تزيد من تعقيد الموقف.
من ناحية أخرى، يمثل الحوار المفتوح فرصة حقيقية لبناء علاقات جديدة وتحقيق الأمن والاستقرار. استخدام القنوات الدبلوماسية بشكل فعال قد يجعل لبنان أكثر قدرة على مواجهة التحديات المستقبلية.




