من فبركة الحشود على الحدود اللبنانية إلى الاحتلال المائي الإسرائيلي في الجنوب السوري
في الوقت الذي نضج فيه منصات
لتواصل الاجتماعي بأنباء عن حشود
عسكرية سورية غير اعتيادية على الحدود مع لبنان في حوض القصير قبالة الهرمل.
نتجه الأنظار بعيدا عن المعركة الحقيقية التي ندور بصمت على بعد مئات الكيلومترات جنوبا ، في واد ضيق أخضر يشق الصحراء.
حوض اليرموك
نفت مصادر عسكرية خاصة صحة
المعلومات المتداولة بشأن وجود حشود وتعزيزات عسكرية ومدفعية غير اعتيادية على الحدود السورية اللبنانية في منطقة حرض القصير بريف حمص. قبالة منطقة الهرمل شرقي لبنان. مؤكدة أن ما جرى تدارله بهذا
الشأن عار عن الصحة جملة وتفصيلا.
وأوضحت تلك المصادر أن الموجود فعلياً هو انتشار اعتيادي للفرقتين 52 و84، وحدات استطلاع ميداني وهندسة ومدفعية ميدان، مهمتها ضبط التهريب بعد اشتباكات مع مهربين كانوا يتحركون عبر جانبي الحدود، ولا تعكس أي توجه نحو مواجهة مع لبنان، وأن دمشق لا تعتزم الدخول في أي صراع مع الجانب اللبناني.
هذا النفي الرسمي ليس مجرد تصحيح لخبر، بل هو مفتاح لفهم استراتيجية التضليل.
إشغال الرأي العام اللبناني والسوري بقصة وهمية على الحدود الشمالية، بينما يتم تثبيت احتلال مائي واستراتيجي في الجنوب.
التوغل الجديد: 9 كم داخل سوريا
وفقاً للمرصد السوري لحقوق الإنسان، شهد الريف الغربي لمحافظة درعا في الأيام الأخيرة تصعيداً هو الأخطر منذ سقوط نظام بشار الأسد. القوات الإسرائيلية نفذت توغلا عميقاً وصل إلى تسعة كيلومترات داخل الأراضي السورية، متجاوزة خط وقف إطلاق النار لعام 1974، المعروف بخط الفا.
الدبابات الإسرائيلية لم تكتف بالتمركز في المنطقة العازلة، بل سيطرت علي عدة قرى وبلدات في حوض اليرموك وصولا إلى سد الوحدة الاستراتيجي على الحدود السورية الأردنية، حيث تمركزت في مواقع استراتيجية، مع توجيه تحذيرات للسكان المحليين لتسليم أسلحتهم.
هذا التوغل لم يكن مفاجنا. منذ كانون الأول 2024، بدات إسرائيل بتوسيع نفوذها تدريجياً. شاحنات إسرائيلية تشق طرقاً عسكرية داخل المنطقة العازلة بالقرب من خط ألفا من بلدة مجدل شمس، وجنود يعبرون السياج الأمني نحو خط ألفا، وزيارة معلنا لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو للمنطقة العازلة.
في السابع عشر من كانون الأول، أوعز بعدها للجيش بالاستعداد للبقاء فى جبل الشيخ والمنطقة العازلة حتى نهاية عام 2025 على الأقل.
ما هو حوض اليرموك؟
لفهم أهمية ما يجري، يجب فهم جغرافيا الحوض. حوض اليرموك ليس مجرد نهر، هو منظومة مائية واقتصادية متكاملة.
يمتد الحوض كجزء من وادي نهر اليرموك، الذي يعتبر من أكبر روافد نهر الأردن، ينبع النهر من بحيرة مزيريب في ريف درعا الغربي، ويقطع مسافة سبعة وخمسين كيلومترأ، منها سبعة وأربعون كيلومترا داخل الأراضي السورية، والباقي يشكل الحدود الطبيعية بين سوريا والأردن.
على ضفافه أقامت سوريا منظومة سدود، أبرزها سد اليرموك وسد الوحدة الذي يعد الأكبر. هذا السد وحده يخزن مئتين وخمسة وعشرين مليون متر مكعب، ويروي نحو ثلاثة عشر ألفاً وستمائة وأربعين مكتارا من الأراضي الزراعية الخصبة، ويزرد القرى بمياه لشرب عبر شبكات ضخ رئيسية مثل خط الثورة لممتد من الحوض إلى مدينة درعا وريفها وصولا إلى ريف السويداء.
الحوض يتغذى من أربع كتل جبلية: جبل الشيخ، والجولان، وجبل العرب، وعجلون. كل واد صغير في السويداء ودرعا وريف دمشق.
مثل وادي الرقاد ووادي الهرير ووادي الذهب ووادي الزيدي، يصب في النهاية في اليرموك.
من يسيطر على المصب يسيطر على كل المنبع.
الوجه الآخر للاحتلال… حرب المياه
هنا نصل إلى جوهر القضية. المبررات الإسرائيلية الرسمية للتوغل هي منع تشكل تهديد أمني وحماية الأقليات بعد أحداث السويداء. لكن باحثة إسرائيلية تدعى مور التشولر كشفت الوجه الحقيقي: ضرورة السيطرة على مصادر المياه والطاقة في جنوب سوريا.
الممارسات على الأرض تؤكد ذلك. قوات الاحتلال لا تكتفي بتدمير التحصينات العسكرية السورية السابقة، بل تتعمد منع المزارعين من الوصول إلى حقولهم، وردم الآبار، وتجريف الاراضي الزراعية.
هذه ليست إجراءات أمنية، بل سياسة ممنهجة لتجفيف مصادر الرزق ودفع السكان للهجرة، على غرار ما يحدث في الضفة الغربية. والهدف التقني واضح: الحد من استهلاك المياه الجوفية في الجانب السوري من الحوض لماذا؟ لأن الخزانات الجوفية في اليرموك تتغذى من نفس المنظومة. استنزافها في درعا يعني انخفاض منسوبها في الجولان المحتل ووفقا لبيانات 2023، رغم ان الأراضي المروية في درعا لا تمثل سوى ستة عشر بالمئة من الأراضي المستثمرة، فإن عدد الآبار المخالفة ارتفع خلال الحرب إلى نحو الفين وثمانمائة بئر. تجفيف هذه الآبار يعني إعادة ملء الخزان الجوفي الإسرائيلي.
ما بعد المياه… البازلت
والنفط الصخري
الخطر لا يتوقف عند المياه. الجنوب السوري يضم ثروات أخرى.
أولاً: الصخور البازلتية عالية الجودة المستخدمة في البناء وإكساء الواجهات والأرضيات.
ثانياً: السجيل الزيتي. في وادي اليرموك ومحيط بلدات تل شهاب وزيزون وحيط يوجد احتياطي يقدر بنحو ستمائة وخمسة وسبعين مليون طن، بمتوسط سماكة غطاء صخري مئة وثلاثة عشر إلى مئة وتسعة وعشرين مترأ.
دراسة هيئة المسح الجيولوجي الأميركية تشير إلى أن رواسب الحوض قد تمتد لمئات الكيلومترات المربعة بسماكة تصل أربعمائة متر.
خبير نفطي سوري اوضح أن تاخر استثمار هذا المورد كان بسبب الحرب والعقوبات، لكن الفرصة اليوم متاحة للاستفادة منه لإنتاج الزيت وتوليد الكهرباء وصناعة الإسمنت.
التداعيات
بالنسبة لسوريا، خسارة حوض اليرموك تعني خسارة شريانها الماني الجنوبي. مدينة درعا تعتمد على خط الثورة القادم من اليرموك.
بالنسبة للأردن، سد الوحدة بني أصلاً لصالح الأردن بشكل أساسي لتأمين مياه الشرب لمدينة عمان وإربد. اي سيطرة إسرائيلية على السد تعني أن الأردن سيصبح تحت رحمة القرار الإسرائيلي.
القصة الكاملة هي كالتالي: فبركة إعلامية عن حشود سورية ضد لبنان في الشمال، بينما الحشود الحقيقية هي إسرائيلية في الجنوب، تحفر وتردم وتجرف وتسيطر على سد استراتيجي.
معركة حوض اليرموك ليست معركة محلية لدرعا، بل هي جزء من معركة الأمن المائي العربي. من يخسر ماء اليرموك يخسر قراره الزراعي والغذائي، ومن يتحكم بالسد يتحكم بدرعا والسويداء وإربد.
المطلوب اليوم ليس فقط نفي الإشاعات الشمالية، بل توثيق ما يجري جنوبا بالصور والخرائط والأرقام، لأن تجريف الأراضي وردم الأبار هو جريمة حرب بيئية موثقة.
* صحافي – وزير لبناني سابق




