كأنه لا تكفي لبنان مشكلاته الامنية مع الاحتلال الاسرائيلي ومعاناة اهله لا سيما الجنوبيين من نتائج العدوان التدميري التهجيري، حتى تصاعدت الضغوط المعيشية والاجتماعية على اللبنانيين، في ظل مشاركة الحكومة بزيادة هذه الضغوط عبر التمسك بسياسة فرض ضرائب ورسوم إضافية على المواطنين، بحيث تعطي موظفي الدولة باليمين زيادة على الرواتب وتأخذ منهم ومن جميع المواطنين باليسار ضعف تلك الزيادة.
وإذا كانت أسعار المحروقات حجة في هذا الانفلات الفوضوي في أسعار المواد الغذائية والسلع الاستهلاكية، فإن أسعار النفط تراجعت عالمياً، لكن أسعار الاستهلاك لم تواكب هذا التراجع بل ارتفعت اضعافاً.
تفيد أرقام العام 2026 إن 799,207 من اللبنانيين باتوا بحاجة إلى دعم في الحاجات من الغذاء وفق معايير الصحة العالمية. فيما تخفّض بعض الأسر غذاء أطفالها وطبابتهم وتعليمهم، وتبيع أسر أخرى ممتلكاتها والأدوات التي تؤمّن لها دخلاً، كي تستمر. هذه خلاصة ثلاثة تقارير أممية صدرت أو حُدّثت في العام الحالي، ترسم المسار نفسه: تقرير اليونيسف بعنوان “كابوس مستمر، وتقرير المفوّضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين عن الاحتياجات التمويلية الحرجة، ولوحة متابعة قطاع التغذية ضمن خطة الاستجابة للبنان.
ويكشف تقرير قطاع التغذية حجم الهوّة المرتبطة بشبكة المساعدات. ففي النصف الأول من عام 2026، كان هناك 1.048 مليون شخص بحاجة إلى دعم في الوجبات الغذائية. استهدف القطاع منهم 679,149 شخصاً، ووصل فعلياً إلى 284,871 حتى نهاية حزيران. وبين اللبنانيين تحديداً، أحصى التقرير 799,207 أشخاص بحاجة إلى تدخّلات في الدعم الغذائي، استهدف منهم 517,607، فيما وصل فعلياً إلى 173,267 شخصاً فقط.
لم يدخل لبنان خارطة بؤر الجوع العالمية عام 2026 بصورة مفاجئة. فقبل ست سنوات، وتحديدًا في نيسان 2020، نبّهت منظمة “الاسكوا” في دراسة بعنوان “خارطة لبنان ما بعد كورونا… هل نحن أمام انفجار اجتماعي؟” من أن الانهيار الذي بدأ مالياً ونقدياً أخذ ينتقل سريعاً إلى حياة الأسرة اللبنانية، مع فقدان العمل وتراجع الدخل وارتفاع الأسعار، حتى أصبح تأمين الغذاء والدواء والحاجات الأساسية مهدّداً لشرائح متزايدة من السكان.
وبعد ست سنوات، أصبح لبنان بين 13 بؤرة جوع عالمية حذرت منها منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO) وبرنامج الأغذية العالمي (WFP) ، لكن هذا التصنيف لا يعني أن لبنان يعيش مجاعة، ولا أن الأزمة تتوزع بالتساوي بين سكانه ومناطقه.
لقد كانت مرحلة 2019-2020، نقطة الانكسار الأولى، حيث فقدت الأجور والمدخرات جزءًا كبيرًا من قيمتها، وأقفلت مؤسسات وفُقدت فرص عمل، بينما ارتفعت كلفة الغذاء والخدمات. وبحلول 2020 كانت تقديرات الفقر قد تجاوزت 50%، فيما تعرض دخل نحو ثلثي الأسر اللبنانية للتراجع. وهنا ظهرت للمرة الأولى بوضوح المعادلة التي سترافق الأزمة: الغذاء موجود في الأسواق، لكن الوصول الاقتصادي إليه أصبح أكثر صعوبة.
وجاءت المحطة الثانية مع اتساع الفقر. فقد أظهر تقييم الفقر والإنصاف في لبنان الصادر عن البنك الدولي عام 2024 أن نسبة الفقر في المناطق التي شملها المسح ارتفعت من 12% عام 2012 إلى 44% عام 2022، أي أكثر من ثلاثة أضعاف. وبين اللبنانيين تحديداً، أصبح نحو واحد من كل ثلاثة تحت خط الفقر. ولا يمثل رقم 44% تعداداً وطنياً شاملاً، بل يخص المناطق المشمولة بالمسح، لكنه يبقى أحد أوسع القياسات الحديثة.
وفي عام 2022 ظهرت علامة أخرى على عمق التحول: خفّض البنك الدولي تصنيف لبنان من بلد ذي دخل متوسط أعلى إلى بلد ذي دخل متوسط أدنى، بعدما هبط نصيب الفرد من الدخل القومي الإجمالي إلى نحو 3,450 دولاراً عام 2021، منهياً نحو ربع قرن بقي فيه لبنان ضمن الفئة الأعلى.
أما المحطة الثالثة، فكانت استنزاف قدرة الأسر على التحمُل والمقاومة. فمع استمرار الأزمة لم يعد انخفاض الدخل مجرد خسارة نقدية؛ أصبح يعني المفاضلة يومياً بين الغذاء والدواء، والكهرباء والنقل، والتعليم والسكن. واستطاعت الأسر التي تتلقى تحويلات من الخارج أو دخلاً بالدولار حماية جزء من قدرتها الشرائية، بينما تحملت الأسر المعتمدة على الليرة والعمل اليومي والاقتصاد غير المنظم العبء الأكبر.
ثم جاءت الحرب والنزوح لتضيف فقدان المسكن والعمل والأرض ومصادر الرزق إلى الأزمة السابقة… وهكذا لم يبدأ خطر الجوع بنقص الغذاء نفسه، بل بـتآكل الدخل والقدرة على الوصول إليه، وهو ما اكده لـ “الحصاد” رئيس نقابة مستوردي المواد الغذائية هاني بحصلي نتيجة ارتفاع الاسعار عالميا وبالتالي محلياً.
تخفيض صحّي وتعليمي
وحسب الارقام الاممية، خفّضت 61% من الأسر إنفاقها الصحي، ولم تتمكّن 38% من تأمين الأدوية الأساسية لأطفالها، فيما قالت 31% من العائلات إن أطفالها لم يحصلوا على الرعاية التي احتاجوا إليها، أساساً بسبب الكلفة. وفي التعليم، خفّضت 46% من الأسر الإنفاق، واضطرت 17% إلى وقف تعليم أطفالها. وفي الوقت نفسه، أصبحت 14% من الأسر تضم طفلاً واحداً على الأقل يعمل، مقابل 6% في كانون الثاني 2025. أي إن العائلة لا تقف أمام خيار واحد سيّئ، بل أمام سلسلة تنازلات، كل واحدة منها تُستهلك لتغطية التي قبلها.
وتقول أرقام منظمة اليونيسف الاممية في تقييم أُجري في تموز الماضي عبر مقابلات هاتفية مع 3,016 شخصاً في مختلف أنحاء لبنان، صرّح 82% من أرباب الأسر المشمولة بالتقييم، أن تأمين الحاجات الأساسية أصبح أصعب مُقارنة بما كان عليه قبل ثلاثة أشهر. والأخطر هو ما تفعله الأسر لتعويض العجز: 55% لا تستطيع توفير ثلاث وجبات يومياً لأطفالها، و25% باعت موجودات منزلية، و20% باعت أصولاً تُستخدم في الإنتاج أو توليد الدخل.
لكن نائب الحزب التقدمي الاشتراكي الدكتور بلال عبد الله المهتم بالشأن الحياتي والطبي والاجتماعي، رأى ان ارقام المنظمات الدولية مبالغ فيها، وطلب الاعتماد على مديرية الاحصاء المركزي الحكومية في موضوع الاستبيان وتحديد الارقام الدقيقة بصورة رسمية.
خطط الحكومة ونقص التمويل
وعلى الرغم من صمت هيئات المجتمع المدني على مدى أشهر طويلة على هذا السلوك الحكومي، وصدرت اتهامات لبعضها بالتواطؤ مع السلطة السياسية، إلا أن تلك الهيئات لم تعد قادرة على الاستمرار في سياسة إغماض أعينها على ما يحصل، وصارت مجبرة على التحرك قبل أن يسبقها الشارع ويأخذ المبادرة منها، ويكشف عطبها وخلفيات صمتها.
كما أنه يمكن للحكومة أن تحذو حذو العديد من حكومات العالم، وآخرها ألمانيا، حيث اتخذت إجراءات بحذف أو تخفيف الضريبة على المحروقات، لضبط الأسعار والتخفيف عن كاهل المواطنين، بينما الحكومة تمعن في زيادة ضرائبها على المحروقات وتتمسكّ بهذه السياسة التي تؤدي إلى فوضى التسعير، وفي غياب أي دور رقابي.
وتقدم خطة الاستجابة للبنان (Lebanon Response Plan – LRP) لعام 2026، التي تشكل إطار الاستجابة المشترك بين الحكومة اللبنانية والأمم المتحدة وشركائها، مؤشراً آخر إلى حجم الضغط الاجتماعي والإنساني؛ إذ تقدر وجود نحو 2.99 مليون شخص بحاجة إلى شكل من أشكال المساعدة. من لبنانيين يعانون أوضاع هشة وصعبة، ونازحين سوريين ولاجئين فلسطينيين ومهاجرين. ولا يمثل هذا الرقم نسبة للفقر، لكنه يكشف اتساع قاعدة السكان المعرضين للهشاشة في بلد صغير المساحة وخدماته العامة منهكة.
في الوقت نفسه، تتراجع قدرة المنظمات الدولية على سدّ الفراغ. ففي تقرير المفوضية العليا لشؤون اللاجئين UNHCR المُحدّث في أيلول عن الاحتياجات التمويلية الحرجة، جاء لبنان في المرتبة الثانية بعد اليمن بين العمليات العشر المشمولة، لجهة متطلبات التمويل الحرجة، مع حاجة إلى 27 مليون دولار لأنشطة عاجلة مختارة حتى نهاية 2026. وهذه ليست مُجمل حاجات لبنان، بل التمويل المطلوب لأولويات مُحدّدة لا تزال مُهدّدة حتى نهاية السنة. وبموازاة ذلك، طلبت اليونيسف 388.5 مليون دولار لتغطية الاستجابة في لبنان خلال 2026، لكنّ نداءها كان مُموّلاً بنسبة 54% فقط حتى نهاية تموز، ما أبقى فجوة تمويل كبيرة.
أي إن النموذج الذي اعتاد أن يترك جزءاً من الحماية للمنظمات والمانحين نفسه يضيق. لهذا، ليست المشكلة في حاجة الحكومة إلى اختراع مساعدة جديدة عند كل رقم سيّئ، بل في استمرار التعامل مع النتائج واحدة تلو الأخرى بعدما تقع. وهذا هو مبدأ “الترقيع” الذي تُتقِنه الدولة فعلياً في مختلف الأمور.
وفي آخر دفاع له عن إجراءات الحكومة حدد الرئيس نواف سلام مكامن المشكلة لكن لم يحدد بدقة مقترحات الحل المتكامل للأزمة المعيشية، حيث قال: أن الحرب أعادت الاقتصاد اللبناني إلى الوراء بعد نمو حقّقه في بداية العام، وأوضح في خطاب وجهه إلى اللبنانيين، أن الاقتصاد اللبناني حقق العام الماضي نمواً بنسبة 4.2 في المائة وشكّل بداية لمسار تعافٍ وفرصة للبناء عليها، إلا أن الحرب أوقفت هذا المسار وأعادت الاقتصاد إلى الوراء، مع تقدير الانكماش هذا العام بنحو 6.4 في المائة. وردّ الازمة المعيشية الى “الأزمة الإقليمية وارتفاع أسعار النفط، ولا سيما المازوت والبنزين، اللذين انعكسا على كلفة المعيشة في لبنان، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد”، ومع انه اكد “أن مسؤولية الحكومة تتمثل في تخفيف الأعباء عن المواطنين وحمايتهم من الاستغلال، وأن أي انخفاض في كلفة الاستيراد والنقل يجب أن ينعكس على أسعار السلع والخدمات”. أعلن حلا واحداً لتخفيف جانب من الازمة بقوله:أن الحكومة طلبت تكثيف الرقابة على المولدات والتزام العدادات والتسعيرة الرسمية، وتنظيم محاضر ضبط بحق المخالفين وإحالتهم إلى القضاء، مشيراً إلى إقرار ستة رواتب إضافية ورفع التعويضات العائلية وتعديل بدل النقل لموظفي القطاع العام دون سواهم من موظفي قطاعات، وتعديل الحد الأدنى للأجور، مع التشديد على ضرورة الحفاظ على التوازن المالي وعدم زيادة النفقات من دون تأمين التمويل.
ومن ضمن إجراءات الحكومة: كما أشار سلام، رفع مساهمة موازنة 2027 في برنامج “أمان” الذي تتولاه وزارة الشؤون الاجتماعية لإعالة عشرات آلاف العائلات المحتاجة والفقيرة، إلى 70 مليون دولار، بما يتيح، مع التمويل المنتظر من البنك الدولي، زيادة عدد العائلات المستفيدة من نحو 100 ألف إلى 150 ألف عائلة. موضحاً أن بعض الرسوم عُدّلت لتتلاءم مع أسعار الصرف الحالية، فيما استُحدثت رسوم على اليخوت والطائرات الخاصة.وفي القطاع الصحي، أعلن زيادة اعتمادات وزارة الصحة بنحو 16 في المائة مقارنة بالعام الحالي، لتعزيز تغطية الاستشفاء والدواء والرعاية الصحية.
لكن ذلك مجرد وعود وخطط يُنتظر ترجمتها على ارض الواقع. حيث اثيرت تساؤلات لدى عدد من الخبراء الاقتصاديين، حول قدرة الحكومة على اتخاذ خطوات فورية للتخفيف من الأعباء عن المواطنين، ومدى توافر الإمكانات المالية اللازمة لذلك. واعتبر بعضهم “أن رئيس الحكومة قدّم شرحاً مسهباً للواقع الاقتصادي والمالي والنقدي في لبنان، إلا أن الظروف المعيشية الراهنة تستدعي أكثر من مصارحة اللبنانيين بحجم الأزمة، بل تتطلب اتخاذ إجراءات سريعة تحدّ من تفاقم الفقر وتدهور القدرة الشرائية”.




