Home / ﻗﺿﺎﯾﺎ ﺳﯾﺎﺳﯾﺔ / خطة بن غفير لتهجير غزة..!

خطة بن غفير لتهجير غزة..!

 لم تكن قد بدأت الدعاية الإنتخابية في اسرائيل بعد مطلع سبتمبر لكن الحمى التي تصيب الأحزاب الإسرائيلية بالسعار ضد الفلسطينيين تبدأ مبكراً هكذا اعتادت دولة تصر على أن تعتاش على احتلال شعب آخر وتصاب بالدهشة حين يتم انتقادها مستعيدة ثوب الضحية في حالة انفصام تعكس العقل الذي أصيب بخلل ارتباطاً بتجربة التاريخ التي اختلطت فيها الأسطورة بالواقع لتنتج هذا المستوى من السلوك الذي عبر عن توحشه بشكل أكثر وضوحاً  في السنوات الأخيرة في غزة من خلال الإبادة الجماعية التي تجسدت في هذه المنطقة الصغيرة . 

 في إطار الحالة المستعرة كان ايتمار بن غفير رئيس حزب العظمة اليهودية في اسرائيل وهو امتداد لحركة كاخ العنصرية التي رفعت شعار ترحيل وطرد الفلسطينيين التي أسسها الخاخام مائير كاهانا وقد تضاعفت قوة حزب العظمة اليهودية في هذه الحرب اثر استغلال حالة التخويف التي اجتاحت المجتمع الإسرائيلي بعد السابع من أكتوبر بما حمله تصريحات رئيس الحزب من عداء وكراهية للفلسطينيين  كان قد طرح مطلع سبتمبر خطة لتهجير الفلسطينيين سكان قطاع غزة أطلق عليها الخطة اسم ” فك الإرتباط 710 ” قال أنها تهدف إلى الهجرة الطوعية لجميع سكان قطاع غزة .

وحسب  بن غفير تهدف الخطة إلى مغادرة ربع مليون فلسطيني خلال السنة الأولى ثم 1.1 مليون خلال ثلاث سنوات وصولاً لمغادرة 1.86 مليون خلال 7 سنوات يكون بنظر بن غفير قد تم إفراغ القطاع وتتضمن الخطة حسب صحيفة يديعوت احرونوت ” توفير دولة تستقبل كل فرد أو عائلة تغادر إلى جانب وضع قانوني ووثائق وتأشيرات وتمويل للسفر وسكن أولي فضلاً عن التدريب المهني والمساعدة في التوظيف ودعم يصل ل 24 شهراً ، وتحتاج الخطة وفق صحيفة يديعوت إلى استثمار اسرائيلي أولي بقيمة 3.1 مليار دولار فيما يصل إطار التمويل الإسرائيلي المقترح للتمويل الكلي إلى 15.6 مليار دولار .

جاءت خطة وريث حركة كاخ بن غفير بعيد التصريح الذي لا يقل خطورة الذي أطلقه وزير الدفاع الإسرائيلي حاييم كاتس في مؤتمره الصحفي مطلع الشهر حين قال ” لا يوجد في نهاية المطاف حل حقيقي لغزة من دون الهجرة ” مضيفاً أن الحكومة الإسرائيلية ” منظمة ومستعدة لإخراجهم عن طريق البحر والجو وبكل وسيلة ممكنة ” كاشفاً عن وجود خطط جاهزة لدى اسرائيل لإخراج الفلسطينيين من قطاع غزة لكنها تنتظر الولايات المتحدة للتفاهم حول الجهة التي سيتم نقل الغزيين إليها “

الحرب على المكان هذا ما يمكن تلخيصه في الصراع المستمر منذ أجيال بين الفلسطينيين والإسرائيليين الذين عملوا بكل قوة على إخراج الفلسطيني من الحيز الجغرافي مستخدمين كل ما كانت تملكه الحركة الصهيونية من علاقات وتعاطف أوروبي تجسد بعد المحرقة اليهودية جعل القارة تتغاضى عن الجريمة التي لا تقل بشاعة فتلك الإزاحة لإحلال شعب جديد على أرض شعب متجذر سجلت كواحدة من مآسي التاريخ وغدره .

غزة كانت دوماً محل أنظار المؤسسة الإسرائيلية ليس فقط لجهة إعادة بعثها للمشروع الوطني بعد النكبة في ستينات القرن الماضي وإعادتها لجذوة الصراع من الإحتلال الذي اختفى نسبياً خلال الخمسينات والنصف الأول لستينات القرن الماضي بل لجهة كتلة ديمغرافية يصعب السيطرة عليها كما جاء في تقرير خبير الديمغرافيا أرنون سافير فبدأت المؤسسة تبحث عن حل في ثمانينات القرن الماضي حيث نشطت مراكز الدراسات أبرزها مركز اليهودية المعاصرة في القدس فغزة هي مجتمع لاجئين هاجر معظمهم من القرى الفلسطينية الجنوبية وظلوا أبناء ثقافة قروية من ناحية انجابية حيث الأسرة الكبيرة وبعد احتلال اسرائيل وتحسن أوضاعهم الإقتصادية حيث سوق العمل والدخل المرتفع زاد من تشجيعهم على الإنجاب ليضع اسرائيل التي تسيطر على الفلسطينيين أمام معضلة استراتيجية الأغلبية الفلسطينية المفترضة والأقلية اليهودية مع نضوب خزان الهجرة اليهودية في ثمانينات القرن .

كانت اتفاقيات أوسلو هي الحل الممكن اسرائيلياً من خلال ايجاد حكم فلسطيني لقطاع غزة المزدحم وإحداث نوع من الفصل مع الكتلة الديمغرافية اليهودية وإفقاد الفلسطينيين في باقي المناطق التي تسيطر عليها اسرائيل ” الداخل والقدس والضفة الغربية ” أي أغلبية  وهذا ما يفسر تدمير اسرائيل لإتفاقيات أوسلوا وما يتعلق منها بالضفة الغربية بعد أن ضمنت تشكيل السلطة بغزة ” عدم قدرة باقي المناطق مستقبلاً على تحقيق أغلبية عربية وخصوصاً أن الثقافة الإنجابية لتلك المناطق تختلف عنها في غزة وبهذا تضمن التفوق العددي اليهودي كما كان يقول أرنون سافير حسب النداء الذي أطلقه قبل حوالي ربع قرن في مؤتمر هرتسيليا الأول حين قال ” سينتصرون علينا بالديمغرافيا وغرف النوم ” موجهاً انتقاداً للدولة الإسرائيلية التي لم تبذل جهوداً كافية لمعالجة ما أسماه بالخطر الإستراتيجي حين قال ” الديمغرافيا تسير بسرعة الفهد وإجراءات الحكومة تسير بسرعة السلحفاة ” 

بعد اتفاقيات أوسلو انسحبت اسرائيل تماماً من القطاع عام 2005 وبعد ذلك قامت حركة حماس بطرد السلطة الوطنية منه لتستغل اسرائيل الظرف الناشيء وحكم غزة من قبل جهة غير معترف بها وهي لا تعترف بالإتفاقيات لتعمق عملية الفصل مع القطاع بحدها الأقصى لكنها ظلت تحاصره سواء على سبيل استمرار كي الوعي أو على سبيل إفقاره وتخفيف كتلته الديمغرافية لكن القطاع منتج الثورة الفلسطينية الحديثة ظل متقداً يبحث عن حلول لواقع شديد التعقيد فينفجر في السابع من أكتوبر بشكل اتسعت نيرانه لتطال عواصم بعيدة .

وارتباطاً بقراءة اسرائيل لتاريخ القطاع وارتباطاً بإستدعاء الندم التاريخي بعدم إفراغه عام 48 وارتباطاً بلحظة تاريخية توفرت واعتقدت أنها ممكن أن توفر لها الفرصة لإخلاء القطاع من السكان كانت حرب اسرائيل منذ البداية تعمل على تدمير مقومات الحياة في المكان وتحويله لبيئة طاردة فلا يمكن لأي مراقب وهو يشاهد اسرائيل تقوم بضرب خزانات المياه والمستشفيات ومراكز الرعاية الأولية وأعمدة الإنارة وموصلات الكهرباء إلا أن يدرك أن الأمر يعني القضاء على  الحياة وأن الصراع على المكان هو المسألة فالتهجير لم يكن مسألة على هامش الحرب ولم تكن مادة انتخابية لبن غفير بل كانت مسألة تتعلق بإعادة هندسة الجغرافيا وهو ما كانت قد تدربت عليه ودربت المواطنين الفلسطينيين من سكان قطاع غزة على النزوح المتكرر بعضهم تنقل لأحد عشرة مرة خلال حرب الإبادة للدرجة التي كاد ينسى مكان سكنه الأول بعد عشر مرات حاول أن يستقر في سكن جديد قبل أن ينتقل وهكذا كانت الحياة تؤهل نفسها للرحيل كل مرة .

حاولت اسرائيل من خلال الحد الأقصى للقوة ودفع وإزاحة العزيين نحو الجنوب وتكديسهم في مدينة رفح ومع القصف العنيف لجعلهم يدفعون الجدار الفاصل بين غزة ومصر وبالتالي تحت وقع هذه القوة يتم تنفيذ مشروع التهجير لكن الفلسطينيون لم يفعلوا رغم حمم الجحيم التي كانت تتساقط فوق رؤوسهم وكانت مصر تحذر سياسياً وتضع قواتها على الجدار لمنع موجة الهجرة وهكذا فشل التنفيذ لكنه لم يختفي أو يتراجع بالنسبة لدولة ترى أن المناخ العام الذي تشكل بعد السابع من أكتوبر فرصة لإزاحة مجموع السكان خارج المكان وهنا لدولة عنيدة لا تتواضع في الإعلان عن فاشية هي جزء من التكوين السياسي بعد أن انتقلت من هامش الحياة السياسية نحو مركزها فتنتقل لما تسميه التهجير الطوعي وخطة بن غفير وريث فكرة الترانسفير .

في الحالة الفلسطينية وفي غزة بشكل خاص ليس هناك تهجير طوعي وما يحدث من خروج بسيط ليس طوعياً فالهروب من أتون الحرب هو فعل قهري والخروج من مكان لا يصلح للحياة هو خروج قهري وتحويل المكان لمكان طارد للبشر يعني فعل قهري وتهجير قسري فالتلاعب بالكلمات لا يمكن أن تخفي فداحة النوايا ولا تغطي على الجريمة وهنا نصل الى جوهر الفكرة فاسرائيل لا تتحدث فقط عن نقل اشخاص من مكان الى مكان لأن هناك في اليمين الاسرائيلي تصور ابعد يتعلق بمستقبل غزة نفسها وقد ظهرت خلال الحرب افكار متعددة تتحدث عن الهجرة واعادة تشكيل القطاع، كما ان الحديث عن اعادة الاستيطان في غزة لم يختف من الخطاب السياسي الاسرائيلي، حتى عندما حاولت الحكومة التمييز بين “الهجرة الطوعية” وبين اعادة توطين اليهود في القطاع وهو ما بات يشكل جزءاً من النقاش العام في اسرائيل سبق الدعاية الإنتخابية بل استعر حين كانت النار تحرق القطاع وسكانه كان الجناح اليميني في الحكومة الإسرائيلية يضع تصوراته لإعادة بناء المستوطنات واستيطان القطاع وقد قام بجولات ميدانية في المناطق الشمالية ونظم اليمين الإستيطاني  رحلات بحرية استكشافية لرؤية الأماكن التي سيتم الاستيطان فيها  .

تحاول اسرائيل من خلال الحديث عن التهجير تطبيع المسألة في الوعي العام بعد أن كانت مجرد الكلمة تثير حملة مضادة لكن الآن باتت تمر بإعتبارها جزء من نقاش عام بعد السابع من أكتوبر في إطار البحث عن الحلول الإسرائيلية دون الإنتباه أن مجرد التطرق للمسألة هو جريمة تفصح فيها الدولة عن رغبتها بتطهير عرقي حيث اقتلاع شعب من أرضه وإعطائها لشعب آخر ليستوطن جزء منه فيها وهو ما أشار له نتنياهو بزيارته غزة الشهر الماضي بأن اسرائيل لن تخرج من غزة فترك اسرائيل وحدها تبحث عن حلول فاشية يشكل جريمة بحد ذاته ليس لأن الحل عنصرياً فقط بل لأن لا أحد يشير للإحتلال بإعتباره أم الجرائم وكل ما ينشأ بعده هو مجرد ردود فعل وأعراض لهذا المرض فمن سخريات التاريخ أن يبحث الإحتلال عن رحيل الشعب الذي وقع عليه الإحتلال لا أن يبحث العالم عن رحيل الإحتلال وتلك مأساة أخلاقية قبل أن تكون مأساة قانونية .

المعركة باتت واضحة فإسرائيل تستكمل طرد الفلسطينيين وكأنها نذرت نفسها لإستمرار إقتلاعهم بلا توقف واستمرار التوسع والسيطرة على المكان وهي ليست معركة الفلسطينيين وحدهم بل معركة العرب الذين وقفوا هذه المرة أمام التهجير ومعركة العالم أجمع الذي رأى وسمع وشاهد بل وقف على الحياد حتى وصلت النار إلى أقدامه عندما أشهرت اسرائيل جنونها وهي تتصرف بلا فرامل تدفع بالقوة الأمريكية نحو حريق أكبر لا يتوقف يصل في حرارته كل عواصم العالم وهو ما يجب أن يشكل تحالفاً دولياً لوقفها لأن استمرارها مع تضخم الفاشية يعني استكمال حرق وإبادة وطرد الشعب الفلسطيني فلا ينبغي السماح للجنون الإسرائيلي أن يستمر أكثر لأنه يشكل خطراً كبيراً على النظام الدولي وقيمه الإنسانية.

حين تصبح الفاشية ثقافة في النظام السياسي ينبغي إشعال الأضواء الحمراء في كل عواصم الكون وينبغي التحذير من أن اسرائيل رغم صعوبة تهجير مليوني فلسطيني والسيطرة على الأرض لكنها لم تتنازل بعد عن حلمها بتكرار جريمة طرد شعب مرة أخرى وإذا كان العالم حينها تواطأ بالصمت ينبغي هذه المرة لجم اسرائيل عن مجرد التفكير بذلك.