Home / قضايا ثقافية / عملاق الرؤيه واستنارتها، والعروبه واصالتها، وفلسطين وتحريرها

عملاق الرؤيه واستنارتها، والعروبه واصالتها، وفلسطين وتحريرها

استطيع القول،دون ادني تجاوز لقدسية الكلمه،يمكنه ان يطاردني في مصداقيتي،اوتجاهل  لموهبة اصيله اعزوه لغفوتي ،اوحتى تطاول على اجتهاد يقلق ضميري.استطيع القول ان الصحافة المصريه،لم تعرف عبر تاريخها الطويل، سوى قاماتين فارعتين في مجال الكلمة المسؤوله ،أو الرؤيه المستنيره،النابعة من عين ثاقبه، لا تفوتها شعلة نار تحت الرماد يمكنها ان تشعل حريقاً ،أوبارقة امل ،تنبئ بلمعة ضوء تنيرالخطى عبر الطريق  .بعيدة بالطبع عن ضجيج  التطاول،او الادعاء،أو حتى المهاتره بغية المزايده،او تحقيق ماّرب خاصة تتنافي مع شرف المهنه ،وأمانة القلم ، سوى كاتبين كان لهما الاولوية في سباق المعرفة بجلالها والثقافة بعمقها، والسياسة بأدرانها، و الرؤية الشامله للكثير ان لم يكن بكل ابعادها ،وهما محمد حسنين هيكل في عالم السياسة الدوليه و مناهج القوى العظمي في ميادينها المختلفة، سواء في امجادها الحضاريه،في العلوم والفنون والأداب ،أو في نهمها الاستعماري،و جبروتها  الطاغي،نتيجة الافتتان بالقوة، واستخدامها الأعمي للسطو على ثروات الشعوب،وامتهانها الأكبر لقضايا الديموقراطية ومصادرة مفاهيم الحريه،رغم شعاراتها البراقه،على امتداد مستعمراتها  ،ومن ثم ما تركته من  بصمات سلبيه في حياة الانسان عبر التاريخ،واحمد بهاء الدين في استيعابه للتاريخ العربي ،وعمق ثقافته، وجلال انتمائه لقضية العروبة ،والالمام الشامل بتراثها الانساني والفكري،وقدراته في التطلع الى المستقبل بعقل واع ويقظ ،ووجدان حي يتفاعل مع السياسة بوصفها وسيلة لخدمة المواطن الانسان،وليست للمراوغه وسلب انسانية الانسان. وبدافع الأنصاف اقول ،كان هناك ايضا بجوارهما كتاب لهم اجتهاداتهم المثمرة مثل كامل زهيري ومحمد عوده واحسان عبدالقدوس وصلاح حافظ ومحمد سيد احمد، وصلاح عيسي ،كما ذاعت شهرة موسي صبري وانيس منصور،وجلال الحمامصي وابراهيم سعده،وان كان ذلك في ميادين مختلفة ،ومنهم من كان له جمهور وقراء، ومنهم من ،تتراوح مواقفهم بين اعمال العقل ويقظة  الضمير،والاستعداد لدفع فاتورة الموقف ،مهما كان حجم العقاب ،بينما هناك من يؤثر البحث عن مكان تحت سماء اي عهد او نظام، و السلطه بالتأكيد،يمكنها ان تغوى، وتمنح،وتزيد في العطاء ،كما يمكنها كذلك ان تضرب وتبطش وتحيل للتقاعد حيث جبروت النسيان، واتذكر مقولة جاءت في اطار حوار مع الكاتب الراحل انيس منصور،حدثت على مائدة عشاء ذات ليله من عقود ترجع الى الثمانينات من القرن الماضي ،اقامها الراحل عبدالمجيد فريد رئيس مركز الدراسات العربيه في لندن،بعد محاضرة للدكتور (فاروق الباز)عالم الفضاء الشهير،وحضرها كذلك  بعض رجال الصحافة.سألت الدكتور فاروق الباز (الصعود في الفضاء يكشف جلال الكون ،ومع ذلك نجد “جاجارين” رجل الفضاء السوفييتي يقول بحثت عن القوة الخارقه في السماء فلم اجدها) و تطوع الكاتب المعروف انيس منصور بالرد سريعا قائلا ( كيف تسأل عن جاجارين  ،وما هي قيمته الفكريه ،وهو ليس سوى سواق لطائره ! ) !. قمت بالرد على انيس منصور قائلا :استاذ انيس لدي رغبة جارفه في مناقشتك وامسك نفسي تماما) ابتسم وقال ( ارحب بالمناقشه فماذا تريد ان تقول) قلت ( كانت لك اهتمامات بالأدب والفلسفه فماذا اغراك بالدخول الى عالم السياسة ؟) رد قائلا ( ليتني ما دخلت للسياسة ،فلم اجن من ورائها الا المشاكل) قلت ( وحين تكتب في السياسه ،كيف طاوعتك نفسك لكتابة مقال مثل ( شذوذ ) ” المقال يقول ان الذين سجنهم عبدالناصر،ويقومون بالدفاع عنه الآن ،يشبهون المرأه التي تهوى من يعذبها”. قال ( كنت اريد بهذا المقال ان اقول (ابوك وأمك). قلت ( وحين يكون الحوار بين كبار الكتاب في مستوى ابوك وامك فكيف نصف حال الثقافة في مصر الآن ؟) رد قائلا ( مصر ليست بها حوارات ،مصر بها مهاترات) عدت للرد ( والمهاترات تلك من الذي يباشرها ،هل هم القراء، أم كبار الكتاب؟) رد قائلا بقدر من الانفعال ( كتاب ..كتاب من هم الكتاب . انهم ليسوا سوى قطط فوق سطح صفيح ساخن ) وكان ردي ( لا يااستاذ انيس ليس كلهم قططا .. الأستاذ احمد بهاء الدين ليس قطا ) رد منهيا الحوار(أوكيه بهاء ليس قطا ) كما تدخل الاستاذ عبدالمجيد فريد منهيا الحوار نعم نعم بهاء ليس قطا. هكذا كان انيس منصور،الكاتب،يرى زملاءه واصدقاءه من الكتاب بمنظور اّخر لما يراه جمهور القراء،وان كانت – للأمانه – رؤية انيس منصور تلك ليست غائبه عن جمور عريض من القراء،لما يرونه من تلون وتغيراساليب بعض الكتاب، وتنكر البعض منهم، لما سبق وان كتبوه قبل ذلك .لكن كل هذا لا ينفي بالتأكيد ان هناك نمطا من الكتاب حظي على الدوام باحترام كامل من جمهور القراء ،بل ومن رجال الحكم ،وكذلك من رجال المعارضه على السواء.وكان في طليعة هؤلاء الكتاب على الدوام الكاتب (المفكر العروبي المحترم والملتزم الراحل احمد بهاء الدين) .

احمد بهاء الدين ..وقامته الرفيعه

كان احمد بهاء الدين يهوى الكتابه،وذهب ذات يوم لمقابلة رئيس تحرير مجلة المصور (اميل زيدان) وكان احد ملاكها وعرض عليه نماذج من كتاباته،وتمعن فيها (اميل زيدان) وقال له ( نحن لا ننشر مثل هذه الكتابات ذات الطابع الفكري،وليس ذلك من سياستنا في النشر) ويقول احمد بهاء الدين (وخرجت من دار الهلال دون ان احصل على وظيفه، ولكني عدت اليها بعد عشرين عاما ،لكي اكون رئيسا لمجلس ادارة مؤسسة دار الهلال ورئيسا لتحرير كبرى اصداراتها ،وهي مجلة المصور). التحق احمد بهاء الدين بالعمل في مجلة (الفصول) وكانت مجلة فصليه، يصدرها الكاتب الكبير محمد زكي عبدالقادر وكان واحدا من رؤساء تحرير جريدة (ألأخبار) وحين ادرك موهبة بهاء الدين افرد يده في ادارتها. حين تقدمت الولايات المتحده بمشرع امريكي عام 1951 تحت اسم (النقطه الرابعه) و رفضته الحكومه المصريه الوفديه ،قام الكاتب الشاب احمد بهاء الدين وهو في سن (21)عاما باصدار كتاب يطرح الاهداف الاستعماريه، وراء هذا المشروع، تحت اسم (الأستعمار الأمريكي الجديد) (النقطه الرابعه) ويحدد ابعاده. 

انتماؤه القومي المبكر

التحق بالعمل بمجلة (روزا اليوسف)في عام 1952 تقريبا ،وفي احد اعدادها لم يتوان عن الرد على رئيس تحريرها احسان عبدالقدوس حين كتب مقالا بعنوان (مصراولا) فقام بالرد عليه (كلنا اولا)وهو رد يكشف بوضوح انتماء احمد بهاء الدين المبكر للفكر العروبي ،وايمانه الكامل بوجوب ان يتصدر هذا الفكر سياستنا بعد انتمائنا. وحين تم اعلان دولة ( الجمهوريه العربيه المتحده) التي تجمع كلا من مصر وسوريا عام 1958 . كتب مقالا طويلا في مجلة ( صباح الخير) تحت عنوان (كيف نفهم القومية العربيه ؟). تحدث فيه عن عناصرها كما وردت في الفكر القومي العربي،ولكنه اضاف الى تلك العناصر،عنصر اّخر،جاء في كتابات (جوزيبي ماتزيني ) الذي يعد الأب الروحي للحركة القومية الإيطالية وأحد أهم صانعي وحدة إيطاليا ،وقد اضاف الى عناصرها ( الأحساس بالوحده) وقال ان ذلك الشعور هو بمثابة الروح بالنسبة لعناصر (اللغه والتاريخ والمصير). وعندما حدث الانفصال عام 1961 بقيادة عبدالكريم النحلاوي،اصبح رئيس الحكومه (مأمون الكزبري) الذي كان من اعمدة التنظيم السياسي القائم في ذلك الوقت (الأتحاد القومي)،كما كان هومحامي الشركه الخماسيه،التي نالها نصيب التاميم في القرارات الأشتراكيه 1961. لذلك عمل عبدالناصر على تقييم المرحلة الماضيه،وعزل كل من تضرروا من القرارات الاشتركيه،عن الممارسة السياسيه،نتيجة لدرس الانفصال، فقد كان رئيس الاتحاد القومي ،هو رئيس الحكومه بعد الانفصال. هنا تقدم (احمد بهاء الدين) بافتراح ان يكون التنظيم السياسي ،تعبيرا عن توجه الدوله ،ولذلك حين نترك فكرة التحالف القومى العام ،بمفهومه الجامع،لابد ان يحمل التنظيم الجديد اسم (الأتحاد الأشتراكي العربي) وهوبذلك يكون التعبير المناسب والملائم عن التحالف الجديد بين(قوى الشعب العامل  وهم الفلاحون والعمال والمثقفون والراسماليه الوطنيه والجنود) الذي اقره المؤتمر الوطنى في انعقاده عام 1962 ،واصدر (الميثاق الوطنى) كدليل عمل في السنوات الثمانيه اللاحقه ويعقد المؤتمر الوطني من جديد للنظر في هذا الميثاق،ومدى ملاءمته لما حدث من انجازات والتطلع الى ماهو مطلوب لخطة العمل في المستقبل اي ان (الميثاق كان دليل عمل وليس نظريه قاطعه).

 في عام 1968 اندلعت مظاهرات شملت الطلبه والعمال بعد محاكمات الطيران،وتعددت المطالب من الحكومة ،وكتب احمد بهاء الدين وكان نقيبا للصحفيين بيانا باسم النقابه ،وكتبه بنفسه وابرز ماجاء فيه،مساندة الشارع تأييدا لمظاهرات الطلبه والعمال،وتعبيرا صادقا عن الاراده الشعبيه، وطلب المساءله والمحاسبه عن الهزيمه (67) والاصلاح الديموقراطي والحريات العامه.وقد طالبت بعض الاجهزة اعتقال احمد بهاءالدين ,ورفض عبدالناصرذلك ،وطلب ان لا يقترب منه احد. اقترح ايضا انشاء دولة فلسطين ، بعد ازالة اّثار العدوان، وطالب  ان لا تعود غزه تحت اشراف مصر،وان لاتعود الضفه الى الاردن ،وتعلن دولة فلسطين،على الجزء المحرر منها،ثم تتولي هذه الدوله الدفاع عن الجزء المحتل،وان يقف العالم العربي وراءها ،يعزز من قدراتها وامكاناتها.وقد تولى الكثير من الفلسطينيين الرد على هذا الاقتراح بالترحيب والمسانده كما اشادوا به ،وقد صدر بعد ذلك كتاب يفصل هذا الاقتراح،ويعرض الأراء المختلفة عنه. اعترضت الرقابه في مصر اولا لأن نشر هذا الاقتراح بقيام الدولة الفلسطينيه، سيبدو من جراء نشره،أن مصر لها سياساتان ألاولى كما اعلنتها ( ازالة اّثار العدوان) والثانيه سياسة اخري تتعلق بانشاء دولة فلسطين،وتدخل جمال عبدالناصر شخصيا،بمساندة احمد بهاء الدين قائلا مصر الرسميه اعلنت سياستها (ازالة اّثار العدوان) ،ولكن مصر ايضا لن تصادر حرية الرأي،واجتهادات المفكرين،ولذلك على بهاء مواصلة طرح افكاره،وبذلك استمر النشر، ،ربما لا يعرف الكثيرون بناء على ذلك ان احمد بهاء الدين،هو اول من طرح فكرة (انشاء الدولة الفلسطينيه على كل من غزة والضفه الغربيه).

احمد بهاء الدين وعصر الرئيس السادات

الحديث عن احمد بهاء الدين،واطروحاته الفكريه والسياسيه الغزيره والعميقه،يحتاج الى مساحات واسعه،وبالنسبة لمرحلة الرئيس السادات،له كتاب يستعرض فيه احداث تلك المرحله، وقد صدر تحت اسم (محاورات مع السادات) وقد كشف فيه عن الشخصية التي يرى فيها الرئيس انور السادات انها مثله الاعلي وهي (شاه ايران)،وهنا اشير الى واقعتين معروفتين للكثيرين،وهى موقفه من الانفتاح الاقتصادي الذي اعلنه الرئيس الراحل انور السادات عام 1974 ،ويوجه فيه نقدا لاذعا لهذا الأنفتاح  وقد كتب أزاءه مقالا ناريا تحت اسم (هذا  الأنفتاح .. السداح مداح). وقد احدث ضجة هائله ،ومازال يمثل تاريخا لهذه الكارثه.والموقف الثاني كان عن معاهدات السلام المعروفه باتفاقيات (كامب ديفيد). وكان احمد بهاء الدين  بالطبع من معارضيها.

واخيرا 

الكتابه عن هذا المفكرالعظيم متعه،فالرحله مع فكره،بل وعن شخصيته الغنيه والمشعه ،وسلوكياته التي تتسم بالنزاهة والنبل والاحترام ،تثير في النفس الكثير من الوان النشوة لقيمة الأنسان حين يكون بالفعل انسانا، بكل ما تمثله الكلمه، من معنى ومبنى ،والمتجسده عن جدارة واستحقاق في (احمد بهاء الدين).