Home / قضايا اقتصادية / كيف تهدد «الموجة الثانية» للتضخم استقرار الاقتصاد العالمي؟

كيف تهدد «الموجة الثانية» للتضخم استقرار الاقتصاد العالمي؟


ارتفاع أسعار الطاقة وعوائد السندات يبدد آمال «الهبوط الناعم» ويضيّق هامش حركة البنوك المركزية 

لم يكن العالم قد طوى صفحة التضخم المرتفع تماماً، حتى جاء مضيق هرمز ليعيد فتح واحدة من أكثر الجبهات حساسية في الاقتصاد العالمي: جبهة الأسعار. فمنذ اندلاع الحرب الأميركية ـ الإيرانية في فبراير (شباط) الماضي، لم يعد المضيق مجرد نقطة اختناق جيوسياسية أو ممراً استراتيجياً لتجارة الطاقة، بل تحول إلى مصدر مباشر لصدمة تضخمية تمتد آثارها من أسواق النفط والغاز إلى تكاليف النقل والإنتاج والغذاء، وصولاً إلى قرارات البنوك المركزية وأسواق السندات.

وتكمن خطورة الصدمة الحالية في أنها جاءت في وقت كانت فيه الاقتصادات الكبرى قد بدأت بالكاد تتنفس بعد سنوات من التضخم المرتفع. فمع تراجع ضغوط الأسعار تدريجياً، بدأت الأسواق تراهن على نهاية دورة التشديد النقدي وإمكان عودة أسعار الفائدة إلى مستويات أكثر اعتدالاً. لكن اضطراب حركة الناقلات عبر مضيق هرمز أعاد أسعار الطاقة إلى الواجهة، وفرض على المستثمرين إعادة حساباتهم بشأن التضخم والفائدة والنمو. وقد أدى اضطراب الملاحة إلى إبقاء علاوة المخاطر في أسعار النفط مرتفعة، حتى مع انخفاض الأسعار عن ذروتها الأولى للحرب.

وهنا تبدأ قصة “الموجة الثانية” للتضخم. فصدمة هرمز لا تعمل بالطريقة نفسها التي عملت بها موجة التضخم الأولى التي أعقبت الجائحة؛ إذ لا تقتصر آثارها على ارتفاع سعر برميل النفط، بل تنتقل تدريجياً عبر الاقتصاد بأكمله. ارتفاع تكلفة الخام يرفع أسعار الوقود، وارتفاع الوقود يزيد تكلفة النقل والشحن والطيران، فيما تؤدي زيادة تكاليف الطاقة إلى رفع تكلفة تشغيل المصانع ومراكز البيانات والمباني والخدمات. ومع انتقال هذه الزيادة إلى الشركات، يبدأ جزء منها بالظهور في أسعار السلع والخدمات التي يدفعها المستهلك في النهاية.

والأخطر أن أزمة الطاقة لا تضرب النفط وحده. فاضطراب أحد أهم ممرات التجارة العالمية يضغط أيضاً على أسواق الغاز الطبيعي المسال والمنتجات المكررة وبعض مدخلات الصناعة والأسمدة. وقد أظهرت بيانات حديثة أن أسعار الديزل والغاز في بعض الأسواق ظلت أعلى بكثير من المستويات التي كانت متوقعة قبل الحرب، ما يعني أن تراجع سعر النفط الخام وحده لا يكفي لإزالة الضغوط التضخمية.

مشكلة تضخم أوسع 

وهكذا، ينتقل أثر هرمز من صدمة في العرض إلى مشكلة تضخم أوسع نطاقاً. فحين ترتفع تكلفة الطاقة لفترة قصيرة، تستطيع الشركات امتصاص جزء من الزيادة أو انتظار عودة الأسعار إلى طبيعتها. أما إذا طال أمد الأزمة، فإن الشركات تبدأ بإعادة تسعير منتجاتها وعقودها وأجور موظفيها على أساس بيئة تكلفة جديدة. ومع الوقت، يمكن أن تتحول الصدمة المؤقتة إلى تضخم أكثر رسوخاً.

وهذا تحديداً ما يجعل “الموجة الثانية” أكثر تعقيداً من الموجة الأولى. فالبنوك المركزية لا تواجه اليوم مجرد ارتفاع مؤقت في أسعار الطاقة، بل خطر أن تنتقل الصدمة إلى التضخم الأساسي، في وقت لا تزال فيه أسواق العمل في عدد من الاقتصادات المتقدمة متماسكة، فيما تبقى الأجور وأسعار الخدمات مرتفعة نسبياً. وبذلك يصبح السؤال أمام صانعي السياسة النقدية ليس فقط: إلى أين ستتجه أسعار النفط؟ بل: إلى أي مدى ستنتقل صدمة الطاقة إلى بقية الاقتصاد؟

وتزداد المخاطر عندما تبدأ الأسر والشركات في بناء توقعاتها على أساس استمرار الأسعار المرتفعة. فإذا اقتنع العاملون بأن تكاليف المعيشة ستواصل الارتفاع، فقد يطالبون بزيادات أكبر في الأجور، بينما قد ترفع الشركات أسعار منتجاتها تحسباً لارتفاع تكاليفها مستقبلاً. وعند هذه النقطة، تبدأ صدمة الطاقة في إنتاج ديناميكية تضخمية ذاتية الاستمرار، وهو السيناريو الذي تسعى البنوك المركزية جاهدة إلى تفاديه. 

من “هرمز” إلى عوائد السندات 

وتظهر حساسية هذا المسار بوضوح في أسواق السندات. فكلما ارتفعت توقعات التضخم، تضاءلت قدرة المستثمرين على الرهان على خفض سريع لأسعار الفائدة، وارتفعت العوائد التي يطلبونها على السندات الحكومية طويلة الأجل. ومنذ بداية الحرب في فبراير، ارتفعت عوائد السندات في الاقتصادات الكبرى، ما أدى إلى زيادة تكلفة الاقتراض الحكومي بمليارات الدولارات. ووفق تحليل حديث لـ”فاينانشال تايمز”، تحملت دول مجموعة السبع حتى الآن نحو 16 مليار دولار من تكاليف تمويل إضافية بسبب ارتفاع العوائد، وقد ترتفع الفاتورة إلى نحو 34 مليار دولار بحلول نهاية الربع الأول من 2027 إذا استمرت المستويات الحالية.

وتكشف هذه الأرقام كيف تتحول صدمة الطاقة تدريجياً إلى مشكلة مالية. فارتفاع عوائد السندات لا يعني فقط أن المستثمرين يطلبون تعويضاً أكبر عن مخاطر التضخم، بل يعني أيضاً أن الحكومات ستدفع أكثر عند إصدار ديون جديدة أو إعادة تمويل الديون القائمة.

وبذلك يصبح مضيق هرمز جزءاً من معادلة أكبر بكثير من سوق النفط. فاضطراب الملاحة يرفع أسعار الطاقة، وارتفاع الطاقة يعيد التضخم إلى الحسابات النقدية، وارتفاع التضخم يؤخر خفض الفائدة، وبقاء الفائدة مرتفعة يرفع عوائد السندات وتكاليف الاقتراض، ما يضغط بدوره على الحكومات والشركات والأسر. إنها سلسلة اقتصادية واحدة تبدأ من ممر مائي ضيق وتمتد إلى موازنات الدول وأسعار الرهن العقاري وقرارات الاستثمار حول العالم.

البنوك المركزية أمام مأزق نادر التعقيد 

في قلب هذه المعادلة، تجد البنوك المركزية نفسها أمام مأزق نادر التعقيد. فرفع أسعار الفائدة لمواجهة تضخم تقوده الطاقة قد ينجح في كبح الطلب، لكنه لا يستطيع زيادة إمدادات النفط أو فتح الممرات البحرية. وفي المقابل، فإن تجاهل صدمة الطاقة قد يسمح بانتقالها إلى توقعات التضخم والأجور والأسعار، بما يهدد بإعادة إنتاج دورة تضخمية جديدة.

ويبدو الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في قلب هذا الاختبار. فارتفاع عوائد سندات الخزانة الأميركية لا يعكس مخاوف التضخم وحدها، بل يتداخل أيضاً مع القلق بشأن العجز والدين العام واحتياجات التمويل الضخمة. وقد أصبحت هذه العوامل أكثر أهمية في بيئة تتنافس فيها الحكومات والشركات وقطاعات جديدة، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي، على رأس المال العالمي.

أما أوروبا، فتواجه معادلة أكثر حساسية. فهي تعتمد بدرجة أكبر على واردات الطاقة، ولذلك يمكن أن تنتقل صدمة هرمز إلى المستهلك الأوروبي بسرعة أكبر عبر أسعار الوقود والغاز والكهرباء. وفي الوقت نفسه، فإن النمو الأوروبي أضعف من النمو الأميركي، ما يعني أن مواجهة التضخم برفع الفائدة قد تأتي على حساب اقتصاد يعاني أصلاً من هشاشة الطلب.

وفي اليابان، تضيف تحركات أسعار الطاقة ضغوطاً جديدة إلى معادلة سعر الصرف. فضعف الين يرفع تكلفة الواردات، بينما يمكن أن يؤدي ارتفاع أسعار الفائدة الأميركية إلى زيادة الضغوط على العملة اليابانية، بما يجعل صدمة الطاقة أكثر كلفة على الاقتصاد المحلي.

أين الذكاء الاصطناعي من هذه المخاطر؟

لكن “هرمز ” ليس العامل الوحيد الذي يمكن أن يغذي الموجة الثانية. فالعالم يعيش في الوقت نفسه تحولاً استثمارياً واسعاً في الذكاء الاصطناعي، وإنفاقاً متزايداً على الدفاع والبنية التحتية والطاقة والتحول الأخضر. وهذه الاستثمارات تحتاج إلى كميات ضخمة من الكهرباء ورأس المال والمواد الخام، ما يخلق منافسة جديدة على الموارد في وقت ترتفع فيه احتياجات الحكومات إلى التمويل.

وهنا تبرز مفارقة الاقتصاد العالمي الجديد: الاستثمار الذي يفترض أن يرفع الإنتاجية والنمو قد يضيف في الأجل القصير ضغوطاً على الأسعار ورأس المال والطاقة. فالطفرة في بناء مراكز البيانات والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي، على سبيل المثال، أصبحت محركاً للنمو العالمي، لكنها في الوقت نفسه تزيد الطلب على الكهرباء ورأس المال.

أما العامل الأخطر، فيبقى احتمال تحول هذه الضغوط المتفرقة إلى ركود تضخمي؛ أي اجتماع نمو ضعيف مع تضخم مرتفع وفائدة مرتفعة. ففي هذه الحالة، يصبح هامش المناورة أمام البنوك المركزية ضيقاً للغاية: خفض الفائدة قد يعيد إشعال التضخم، بينما رفعها أكثر قد يضعف النمو ويزيد تكلفة خدمة الديون.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن الاقتصاد العالمي يتجه حتماً إلى أزمة شبيهة بسبعينات القرن الماضي. فالاقتصادات اليوم أكثر قدرة على امتصاص صدمات الطاقة، كما أن تنويع مصادر الإمداد وزيادة الاستثمار في الطاقة البديلة يمكن أن يخففا من أثر الصدمة بمرور الوقت. كما أن محاولات تطوير طرق بديلة لتصدير الطاقة من الخليج يمكن أن تقلل تدريجياً من الاعتماد على المضيق.

لكن الدرس الأهم من أزمة “هرمز” هو أن التضخم لا يحتاج دائماً إلى طلب قوي كي يعود. فقد يأتي من جانب العرض، ومن الجغرافيا السياسية، ومن اضطراب طرق التجارة، ثم يجد طريقه إلى الأسعار والأجور وتوقعات المستثمرين. ولهذا فإن “الموجة الثانية” قد تكون أكثر صعوبة في التعامل معها من الأولى؛ لأنها لا تأتي من مصدر واحد يمكن للبنك المركزي استهدافه، بل من شبكة مترابطة من الطاقة والتجارة والسياسة المالية والاستثمار العالمي.

لقد انتهى على الأرجح عصر الاعتقاد بأن التضخم يمكن أن يختفي بمجرد رفع أسعار الفائدة، وأن عودة الفائدة إلى مستويات منخفضة مسألة وقت فقط. ومع استمرار تداعيات أزمة هرمز، يدخل الاقتصاد العالمي مرحلة جديدة يتعين فيها على الحكومات والبنوك المركزية والشركات أن تتعامل مع عالم أكثر تكلفة وأعلى مخاطرة وأقل يقيناً.

وفي هذه المرحلة، لن يكون السؤال فقط: هل ينخفض التضخم؟ بل سيكون السؤال الأصعب: هل يستطيع الاقتصاد العالمي خفض التضخم من دون التضحية بالنمو والاستثمار والاستقرار المالي؟

وربما لهذا السبب تحديداً، أصبح مضيق هرمز أكثر من مجرد ممر للطاقة؛ فهو اليوم أحد الاختبارات الحقيقية لقدرة الاقتصاد العالمي على تحمل صدمة تضخمية جديدة، وعلى منع “الموجة الثانية” من التحول إلى دورة طويلة من التضخم المرتفع والفائدة العالية وتباطؤ النمو.