صديقي المقيم عند اسوار حطمتها جنازير الدبابات، يزداد بعده عن مجتمعه واحيانًا عن نفسه، فلا نستطيع وصولًا اليه، هو الذي تلقى أولى الضربات الإسرائيلية عند الزاوية الجنوبية من لبنان التي تطل على ما كان فلسطين وما كان سورية القريبة. صديقي هذا في بعده المزدوج: فكان الاستقرار الذي يصعب الوصول اليه، والزمان الغامض في الحدود الفاصلة بين الأحياء والأموات.
والحال أن الجيش الإسرائيلي احتل، حتى كتابة هذه المقالة، حوالى نصف جَنُوب لبنان مهجرًا السكان ومهدمًا البيوت ومقتلعًا الشجر. تلك المنطقة من لبنان سبق ان شهدت منذ سبعينات القرن الماضي موجات من الاحتلال الإسرائيلي، لكن الضربة هذه المرة مختلفة. أنها احتلال يطرد البشر ويهدم مساكنهم على الطريقة الغزاوية، بذلك يشهد العالم تضامنًا لبنانيًا غزاويًا معجونًا بالدم والغبار.
المقابر في القرى اللبنانية المهدمة تتساوى في الخراب مع البيوت، أي ان مساكن الأحياء ومآوي الأموات تتجلى في الحُطَام المتشابه فلا تصلح لزرع ولا لايواء. هنا لا أذكر إلاّ صدى رسائل على حدود الشعر بعثت بها إلى صديقي قبل موته وبعده:
حين تشعل القبائل حروبها باحثة عن الغزو في الكتب العقائدية، تتأبط شرك لتصرعك رصاصة من هنا وثانية من هناك. أيها الصوت الطالع من الذاكرة كضوء الشموع في سطوع القذائف. اللصوص يلبسون مسوح الأنبياء ودمك يبحث عن أرض جديدة.
وأتراجع من النَّظْرَة الشعرية لأستعين بنظرة مثقف إلى حال وطن في تناقضات وجوده، انه الشاعر الفرنسي الفونس دو لامرتين الذي زار لبنان عام 1833، ومن الانطباعات التي كتبها:” انه بانتصار إبراهيم باشا المصري في حمص على الجيش التركي المجتمع هناك، فتشكل وضع يؤمن نجاة لمسيحيي لبنان حلفاء المصريين. ولكن، إذا بقي إبراهيم باشا سيدًا على سورية فلن ينظر طويلًا بعين الرضا إلى امارة لبنانية مستقلة عن سلطته، وسيحاول ان يهدمها إما بالسياسة وإما بإنهاء حكم الأمراء الشهابيين الى الأبد.
ولكن، لم يبق إبراهيم باشا سيدًا على بلاد الشام واضطر الى الانسحاب الى بلده مصر بعد ضغط القِوَى الأوروبية التي حصرت طموحات محمد علي باشا وابنه إبراهيم في حكم مصر وحدها باعتراف السلطنة العثمانية والقوى الأوروبية.
وبالعودة الى جبل لبنان فقد كان مزدحمًا بالسكان وغنيًا أكثر من سائر مناطق سورية، وتميز أهله بالشجاعة والذكاء والقدرة على التنظيم، وكانت بلداتهم وقراهم وعرة يصعب سلوكها، لكن العقبة أمام تشكيل قوة وحيدة في تلك البلاد. كانت اختلاف الدين بين مكونات السكان الرئيسية الثلاثة: الموارنة والدروز والمتاولة (تعبير تاريخي يشير الى المسلمين الشيعة اللبنانيين)، وكان هؤلاء يعيشون بأعداد متساوية في تلك الجبال. ان اقوى رابطة قومية عندهم هي رابطة الأفكار الدينية، وهذا ما كانت عليه (وربما بقي تأثيرها طاغيًا بعد زيارة لا مرتين وحتى في أيامنا الحاضرة). ويرى لا مرتين ان الفكر الديني عندهم يلخص كل الأفكار الأخرى: الاخلاق والقوانين والوطن. كل شيء بالنسبة الى هذا الشعب موجود في دينه، وهذا في رأيه يمنع الشرق من تكوين امة واحدة وكبيرة، وهذا ما جعل الإمبراطورية التركية (المقصود العثمانية) تنهار.
صدمة الفرنسي لا مرتين في المجتمع اللبناني المنقسم على نفسه نجدها، وإن من زاوية مختلفة، لدى الشاعر والمفكر العراقي معروف الرصافي. لقد كان صاحب رؤية خاصة في الحاضنة الأولى للدين الإسلامي وفي تكوين العراق، وقد نشرت أفكاره في هذا الشأن بعد وفاته في كتابيه “الرسالة العراقية” و”الرسالة المحمدية”، كان الرصافي ثابت الاعتقاد بالسلطنة العثمانية، وقد صدم بانهيارها وتفكك مناطقها، خصوصًا العربية، الى كيانات متمايزة تخضع لانتداب فرنسا (واحتلالها في بعض البلدان) وبريطانيا وإيطاليا واسبانيا. وتبنى الرصافي مواقف تنسجم مع الرأي السياسي السائد لدى المفكرين والكتاب في عصر النهضة الذين واجهوا الحكم العثماني ودعوا الى استقلال العرب.
الملفت (والطريف أيضا) ان الرصافي الذي تخلى عن عثمانيته ليتبنى فكرة العروبة الجامعة، واجه صدمة فكرية (وشخصية أيضا) في ارتداد معظم المفكرين النهضويين الذين تأثر بهم أو زاملهم، اذ خلع هؤلاء ثوب العروبة ليتبنوا كيانات صغيرة تعتمد مراجع تاريخية تسبق العروبة والإسلام أو مراجع محلية ترى تمايز فئة من العرب عن فئة أخرى، وأكثر الصدمات التي تلقاها الرصافي كانت من مثقفين لبنانيين، يذكر منهم شكري غانم الذي قال في احد مقالاته المنشورة:” لسنا عربًا وإن تكلمنا بالعربية وانما نحن فينيقيون “، فردّ الرصافي على غانم وغيره من المتراجعين عن دعوة العروبة، في قصيدة طويلة، ومما جاء فيها:
عجبت لقوم اصبحوا ينكروننا
وقد عرفونا في الزمان الذي مرّا
هم أسمعونا نعرة عربية
فدوّى صداها في المسامع مضطرا
فكم من خطيب قام فيها مثرثرًا
فطرَّى لنا من يابس القول ما طرّى
وكم شاعر قد أرخص الشعر دونها
وكم قلم فوق الطروس بها صرّا
وكنا أجبناهم إليها إجابة
بها قد تركنا جانبَ الدين مزورّا
رجاء اتحاد في طريق سياسة
تعمُّ مراميها بني يعربٍ طُرّا
لعمري لقد ساء الكرام ابن غانم
بباريس إذ قد قال ما يُخجل الحرّا
نفى عن مناميه العروبة وادعى
جُزافًا وخلّى منهم القوم وابترّا
وهل حسِبوا أن العروبة في الورى
من العرّ حتى أنكروا ذلك العرّا
فما أحد منهم وفى بعهوده
ولا أحد منهم بما قال قد برّا
وكان غرورًا كل ما حالفوا به
وشر الحليفين الذي خان أو غرّا
ان كلام لا مرتين عن لبنان واللبنانيين وكلام معروف الرصافي عن تناقضات العقل العربي في النظر الى ثقافته الجامعة والى المصالح العليا لأبناء منطقته، إذا لم نقل أمته. هذا الكلام يميل الى واقع المشرق حيث يشكو العراق من صراع قوميات أو ثقافات أو ديانات أو طوائف من ديانة واحدة، وتشكو سورية من صدمة انهيار حكمها الدكتاتوري العسكري والحزبي الذي شكل زلزلًا بدل أن يشكل يقظة تحتاجها سورية أكثر من أي وقت مضى، وحيث يشكل لبنان نموذجًا للتنوع على قاعدة الاعتراف، ويكاد هذا النموذج يتحطم من وطأة الصراع العربي الإسرائيلي وتدخل دول إقليمية ودولية في القرارات السيادية للدولة اللبنانية.

