تتفقدني مرة في الأسبوع أو مرتين، ويلهج صوتك بالقلق عليّ كلما سمعت تصريحاً لزعيم لبناني يهدد زعيماً آخر. انهم يهددون ليدفع المواطنون الثمن.
لو كنت معي في البص أو في التاكسي – سرفيس لسمعت شكاوى الناس، وقبل السماع وأهم منه، أن ترى وجوههم ومعاني العيون، ثمة مزيج من اليأس والأمل، من إصرار عجائبي على العيش في هذا الممر الجبلي حيث تعبر جيوش بسلاحها وصراخها وأموالها، ويخلف العابرون بعضاً منهم قبل أن يغادروا، راجع أسماء العائلات.
تتفقدني وتستغرب قدرتي على البقاء في مكان هو وطني ووطنك. قلت إن لبنان فكرة وليس حيزاً جغرافياً، وقد حملت الفكرة في جيبك، في عقلك، في وجدانك إلى حيث أنت. لكنني لا أقوى على تبديل الجغرافيا بجغرافيا أخرى. ولا أكون وقحاً إذا قلت إنني أشغل يومي بتعقب أخبار الجريمة والفساد، وأقرأ ما يشبه الكوميديا في تصريحات الزعماء المتصارعين، لا بد من شاهد عدل يستمع ويضحك ساخراً ليعرفوا أن السخرية في محلها، هؤلاء يريدون أن نصدقهم لكنهم، بالتأكيد، لا يصدقون أنفسهم.
وفي وطأة تراتبية السلطات لا بد من علاقات عامة، نصف وقتك أو أكثر تكرسه لهذه العلاقات، لمجرد أن تأمن في تنقلاتك وأن لا يعتدي عليك الأقوياء علناً في وضح النهار. علاقات عامة تبعدك عن النقاش السياسي ليبقى وجدانك صافياً في هذا الاعتكار الذي يعم المجتمع، ولنقل المجتمعات.
الوجدان الصافي هو ما يبقي على الرابط بيني، أنا المقيم، وبينك، أنت المهاجر. وأشعر هنا أنك تعتبرني حالة نادرة بين الأصدقاء. تستطيع أن تتكلم كما شئت على مسمعي عبر الهاتف أو عبر الإنترنت. وربما تتطرف فتشتم بلا حرج شخصيات يقدسها أتباعها. تعرف أن الوجدان الصافي هو ما يبقي على صداقتنا، وما يشعرك بالثقة في كلامي.
تتفقدني مرة في الأسبوع أو مرتين، لنمارس لعبة الإقامة والهجرة التي مارسها أجدادنا في القرن التاسع عشر. لعبة المواطنة الفريدة حيث الإنسان جزء من الضحايا الصامتين، ينتجون لبنانهم في خدمة أجيال آتية ستنتمي، على الأرجح، إلى هذا اللبنان المختلف، لكن، الحقيقي.
ألتفت هذه الأيام الى كلام معظم النخب الإسلامية الصاعدة، لا هو كلام المجتمع وقضاياه المتشابكة مع مجتمعات العالم القريبة والبعيدة، ولا هو كلام الأدب الشعبي المكتفي بالفولكلور الأليف. أي، لا هو كلام نجيب محفوظ ولا كلام عبدالرحمن الأبنودي.
وإذا صحت إحالة كلام النخب الإسلامية الصاعدة، فإنما تحال على سرد العصر المملوكي بالركاكة التي تميز بها، لذلك يخطئ كثيرون من الإسلاميين في الصرف والنحو، ويبدو كلامهم شطحاً لا حدّ له ولا ضابط من منطق.
لم تكن الكتابة في عهود الديكتاتوريات أفضل حالاً، والشاهد لغة الصحافة المصرية على وجه الإجمال. قيل إن محمد حسنين هيكل استقدم مدققين لغويين من الأزهر لضبط لغة الجريدة، لكن الأخطاء عادت إلى سابق عهدها بعد فترة وجيزة. هل تسمم أصحاب العالمية الأزهرية ففقدوا حسهم اللغوي السليم أمام سيل الأخطاء الغامر؟
عهد الديكتاتوريات، كان، بالمعنى الثقافي، ممهداً لعهد الإسلام السياسي ذي النموذج الطالباني. قال السلفي في ندوة تلفزيونية مصححاً: ما يلبس الرجل هو القميص وليس الجلباب، فهذا الأخير مخصص للمرأة وحدها. ولم يقل إن الثوب الطالباني الشرعي (ثلاثة أرباع) مأخوذ من أزياء كريستيان ديور للمعاطف الرجالية القصيرة في ستينات القرن الماضي.
ما يجري تهديده في بلادنا هو لغة النهضة الحديثة التي تلت مرحلة الأحياء، بالتخفف من ركاكة لغة العهدين الأيوبي والمملوكي واستلهام الجاحظ والمتنبي والشريف الرضي وأبو تمام، مع اعتماد الجملة القصيرة سمة لعربية حديثة وحيوية.
كلام النخب الإسلامية الصاعدة، من أعلى القيادات إلى أدنى التابعين، يصلح خطباً فوق الخرائب لا يسمعها أحد، إنما تصلنا إيقاعاتها غير المتناغمة، كمثل معدن يهوي من مكان عال ضارباً بعضه بعضاً.
ضجيج الكلام ليس بكلام، إنما هو خطف الكلام وقتله في العتمة.
وكلام الحروب يقطع الصلة مع جوهري المضمون والشكل، فمتابعو الحروب الصغيرة والكبيرة في بلادنا، يتعرفون إلى أسماء مدن و قرى، بل إلى أسماء مناطق، لم يسمعوا بها من قبل. هكذا تكشف الحروب بلاداً لا يعرفها أهلها ومعهم سائر العرب.
وحين تزور بلداً أوروبياً أو أميركياً يمكن أن تشتري خريطة تفصيلية له، فتتعرف إلى الطرقات والمدن والقرى، بل يمكن أن تتعرف إلى الشوارع الضيقة، كما في الدليل البريطاني الشهير. A-Z
هذه المعرفة محرّمة أو شبه محرّمة عندنا، فإذا سألت عن الأمكنة وتفاصيلها قد يحمل سؤالك على شبهة التجسس. صارت الدول تراقب بعضها بعضاً من الفضاء، ولا تزال إداراتنا الأمنية تعيش في الخمسينيات، حين يحدث رجل الأمن ثقباً في جريدة يقرأها، ويراقب من خلاله الجالسين في المقهى أو المارة في الطريق.
تنكشف بلادنا في الحروب، أي في أجواء خطرة تمنع الزيارة أو السياحة، انكشاف يوسع مسرح القتال (مسرح الجرائم) ليطاول بشراً عزلوا أنفسهم منذ مئات السنين ليحافظوا على خصوصيات ورثوها. لم تكف وسائل الاتصال المتتابعة، من الإذاعة إلى التلفزيون إلى الكمبيوتر، لكشفهم، فها إن الرصاص يأتي ليعرض عليهم الانضمام إلى الجماعة أو الموت.
لا يعصم جبل عالٍ ولا غابة كثيفة من الطوفان. إننا أمام مجتمعات صغيرة تزول بالقوة القاهرة بعدما ذوبتها وسائل الاتصال. ولم يبقَ منها سوى أغان مرشحة للضياع في الفضاء الموحد، وسوى صور في الذاكرة قد تدوّن أو لا تدوّن.
وليست وحدها المجتمعات المعزولة مرشحة للضياع، إذ يشاركها مجتمع المدينة المتنوع، فهو مرشح للبتر لينسجم مع الصوت الواحد المدجج بالسلاح الحديث والفكر البسيط والمال الكثير. لكن مجتمع المدينة يدافع عن نفسه جيداً بالتدوين والإيقاع والصوت والصورة.
يطلقون الرصاص اليوم على قصة ورواية ومعهما إيقاع موسيقي وصورة توثق الذاكرة.
وحده الشعر في حيرة، تأخذه الحماسة إلى الصوت الواحد المسلح، ويأخذه الضمير إلى الضحايا.
وحده الشعر حائر.
وأهرب من الحيرة الى تأمّل السماء في حلكة الليل، ذلك الليل مخصص للسماء، أراقبهم من مغرب الشمس حتى شروقها، وجسدي متيقظ بعد نوم النهار. لا أرغب في تنفيذ وصية الحاكم بأمر الله حين أمر أهل القاهرة لسنوات بالنوم نهاراً والعمل ليلاً. إنها رغبتي في رؤية ما هو ثابت في هذا الكون بعدما زلزلت الأرض بكلام النهار وحروبه وأصوات خطبائه وصياح فتيانه الضائعين.
وحدها الكهرباء عائق. ضوؤها يضلل الديوك، فتصيح إذ يخيل إليها أن نور الكهرباء فجر جديد. الديوك تضل أما أنا فأهتدي، ومن دون معرفة أسماء النجوم، أراها في السماء وأكاد أحصيها مرتكباً المستحيل. تلك السماء السائرة من زرقة إلى سواد، وتلك النجوم الآتية من شحوب رمادي إلى ضياء نافر. انظر إليها ملياً فأتحول بعد دقائق إلى كائن وحيد واقف على نجمة اسمها الأرض، أتخيل الكائنات أشباهي، كلّ له نجمته، وكلّ ينظر إلى السماء المزينة بهذه النقاط اللامعة.
يصير الخيال حقيقة وتصغر أحداث الأرض حتى لا تستحق الاهتمام. أين أمجاد الكائنات الزائلة أمام عرس الضياء البهي في ليل الاحتفال هذا؟

