بعد التعثر الحاصل على الجبهة الإيرانية
تعود اسرائيل لحجمها الطبيعي فلا أحلام امبراطورية ولا دولة اقليمية مهيمنة بعد أن هيمنت تلك الأوهام على عقل رئيس وزرائها الأطول حكماً في تاريخها معتقداً أنه سيغير الشرق الأوسط قبل أن يكتشف أن التاريخ ليس ابناً للإرادات والأحلام فقط بل هو الإبن الحقيقي للمؤهلات والإمكانيات والميادين كما قال بونابرت عندما سئل عمن سينتصر في المعركة البروتستانت أم الكاثوليك ؟ أجاب : من لديه مدافع أقوى ” فأوهام اسرائيل لم تكن تتكيء على مدافع بقدر ما كانت تتكئ على اعتقادات وهلاوس أكبر كثيراً من حجمها .
دولة محدودة المساحة التي سلبتها من الفلسطينيين ولم تتطور تطور طبيعي عبر التاريخ كشعب على هذه الارض مثل كل شعوب العالم بل جرى نقل جاليات معظمها من دول عربية وأوروبية تدين بالديانة اليهودية من أوطانها لتسكن هذه المساحة يضاف لها محدودية الديمغرافيا لدولة ينكشف حجمها حين يتعلق الأمر بالشرق الأوسط كجغرافيا ممتدة وديمغرافيا هائلة يضاف لها تجربة غنية نمت من خلال أحداث تاريخية كبرى دارت على هذه المساحة وصنعت التاريخ الأكثر استعصاء على أحلام وأوهام رئيس دولة صغرى على تغييره وهو ما جاءت به الأحداث وخصوصاً حرب ايران لتؤكد هامشية أو مركزية القوى في المنطقة وأن الإمكانيات أبعد كثيراً من الإعتقادات والتصورات .
أمام تعثر مشروع اسرائيل في المنطقة الذي بدأته بالشراكة مع البيت الأبيض لحظة أن ذهب نتنياهو لواشنطن مستعرضاً خطة ضرب ايران واسقاط نظامها كان ذلك في الحادي عشر من فبراير الماضي ليقنع الرئيس ترامب بسهولة المسألة وأنه أمام نصر فنزويلي سريع آخر في الشرق لتنتهي المسألة بإكتشاف فداحة الحلم وأن النظام الإيراني لم يعد يقدم التنازات التي كان مستعداً لها قبل الحرب وأنه لم يعد يخشى من توجيه ضربات شديدة للمدن الإسرائيلية لتظهر تلك المدن مكشوفة بشكل لم يكن من قبل وأن حزب الله الذي تركته في حالة نزيف بدا أنه مزمن في نوفمبر 2024 عندما وقفت الحرب هناك بإنتظار أن تقوم حكومة لبنان بتجريده من السلاح لشدة ضعفه تم الإكتشاف أنه رمم جروحه ووقف على قدميه موجهاً تلك اللكمات التي أفقدت نتنياهو وهج الإنتصار السابق ليجد نفسه عائداً بلا شيء يقدمه للمواطن في اسرائيل الذي يرى تعاظم التهديدات وتعاظم الوعود بإنهائها لكن الفرق بين المسالتين يتزايد وهو ما أشار له عاموس جلعاد رئيس شعبة الإبحاث السابق في الإستخبارات العسكرية في اسرائيل بقوله ” المستوى السياسي يتحمل مسؤولية الفجوة بين الوعود الفارغة والتهديد الذي لا زال قائماً فحماس لا زالت في غزة وحزب الله يحافظ على قوته وايران تواصل رعاية ودعم مجمل المشهد ” .
ما بين الإستعصاء الحاصل على الجبهة الإيرانية والفشل في اسقاط النظام كحلم تباعد بعد أن تم التحضير له لأكثر من أربعة عقود منتظراً لحظته وما بين عودة حزب الله بمسيراته وقدرته على ايقاع تلك الخسائر رغم تقدم اسرائيل في الأراضي اللبنانية لكن ذلك بات باهتاً أمام نقل قتلى وجرحى من هناك لم يعد على تلك الجبهتين ما يقدمه للمواطن خاصة أن اسرائيل تتقدم نحو حملة انتخابية بعد القراءة الأولى التي اتمتها الكنيست بحل نفسها بإنتظار القراءتين الثانية والثالثة والتي يشير المراقبون إلى أن الإنتخابات ستكون في سبتمبر القادم فكيف سيذهب نتنياهو للإنتخابات ؟ وهل هذه هي الصورة الأخيرة التي يمكن أن يحملها أي رئيس وزراء كمؤهل لإعادة ترشحّه ؟ فالمعارضة الإسرائيلية التي استلت السكاكين مبكراً بدأت تستخدم تلك الجبهات التي رفع نتنياهو في ذروة أوهامه عالياً فيها بدأت بإستخدامها بشكل معاكس ضد بنيامين نتنياهو وائتلافه الحاكم وكدليل على تخبطه وفشله وتعثره واصطدام مشاريعه كمادة دعائية لهزيمته وإنهائه سياسياً .
هنا المسألة بل أم المسائل فقد تبقت غزة المكان الوحيد الذي يمكن أن يشكل حالة تعويضية بعد تعثرها الإقليمي وبقراءة تاريخ الصدام خلال العقود الأخيرة فقد كان قطاع غزة شاخص رماية كل الذين تنافسوا في اسرائيل قبل الحملات الإنتخابية فقد شنت اسرائيل الحروب قبيل الإنتخابات هذا كان قبل السابع من أكتوبر فما بالنا أو كيف تصبح الحرب على غزة أولوية قصوى بالنسبة لحكومة تلقت طعنة في كبريائها وكرامتها صبيحة ذلك اليوم الذي سجل حصرياً بإسمها ومنذ ذلك التاريخ وهي تحاول أن تمسح هذا العار من الذاكرة الإسرائيلية كانت تعتقد أن لديها ما يكفي من الوقت الذي داهمها على ما يبدو مع تعثر الجبهات ليصبح القطاع أمام كتلة الشر التي انفجرت دفعة واحدة من حكومة شريرة تكمن أزمتها بأنه أصبح يطلق عليها في اسرائيل ومن قبل المعارضة ” حكومة 7 أكتوبر ” كوصمة عار لن تنجو منها لكن ذلك يعكس حجم الخطر على القطاع ودوافع التربص لهذه المنطقة الفقيرة والتي حشرت قوة الإحتلال سكانها في أقل من ثلث مساحته في خيام بائسة ولم يعد يقوى على المقاومة فهو مكان صغير وتحاصره اسرائيل منذ أكثر من عامين من الجهات الأربع بعد أن كانت لسنوات طويلة تحاصره من ثلاث جهات أما الرابعة فقد كانت حدوداً مشتركة مع مصر وقد قاتلت الفصائل الفلسطينية لمدة عامين ومع استنزاف ما لديها من عتاد لم يبق ما يمكن أن تواجه به اسرائيل ما يفتح شهية الحكومة بتحقيق نصر معتقدة أنه يمكن ترجمته في صندوق الإقتراع .
الأساس في ملف قطاع غزة هو تداخل التكتيكي بالإستراتيجي وتداخل العاجل مع الآجل بمعنى أن اسرائيل تخطط لما هو أبعد من حرب وتجريد سلاح كما وضعت في خطة الرئيس الأميركي لوقف الحرب على قطاع غزة بل أن في رفع الشروط على الفصائل والقوى الفلسطينية ما يجعلها عاجزة عن الإستجابة حيث يوفر هذا العجر ما ترى أسرائيل بأنه كافياً لعودة الحرب على القطاع وهنا التكتيكي بالإستراتيجي فالحرب مهمة في سياق استكمال تحطيم المكان والإمعان في قتل بقايا الحياة فيه خدمة للمشروع الأبعد الذي عبر عنه اسرائيل كاتس وزير الجيش في اسرائيل وهو مشروع التهجير وتلك حقيقة أغلب الظن أن اسرائيل تسعى لهذا معتقدة أن تلك المنطقة التي تضم 80% من سكانها من اللاجئين الفلسطينيينالذين لجؤوا بسبب نكبة عام 1948 لن يتوقفوا عن الكفاح ضدها رغم ما ارتكبته من إبادة في إطار تجربة التاريخ مع تلك الكتلة وتعاقب الأجيال التي تسلم بعضها الراية وكان آخرها تجربة السابع من أكتوبر وترى اسرائيل أنه نشأت لأول مرة فرصة لإقتلاع القطاع من جذوره فمن راقب العمليات الحربية وكيف تمت إبادة البنية التحتية بالقطاع كان يمكن له ببساطة أن يدرك أن اسرائيل تستهدف البقاء في القطاع وليس حركة حماس أو السلاح وهنا جاءت خطة ترامب وتقسيمها إلى مرحلتين الأولى تتسلم فيها أسرائيل أسراها من حركة حماس أما الثانية التي تعني استقرار القطاع وإعادة إعماره فتلك لا تريدها لكنها لا تستطيع الإعلان عن ذلك فتقوم بتهيئة المناخات اللازمة واضعة كل عقد السياسة في منشار الحل وتجعله عصياً جداً لدرجة تعجز فيها الفصائل الفلسطينية عن التنازل لتظهر اسرائيل أنها مضطرة لأخذ الامور على عاتقها لأن الفلسطينيين لم يستجيبوا لخطة الرئيس الأميركي فتضرب عدة عصافير بحجر واحد أولها الإنتخابات التي تجري في نهر الدم الفلسطيني كما كل مرة والثانية جعل قطاع غزة مكان غير قابل للحياة .
مطلع الشهر انتهت واحدة من جولات الحوار التي تحاول ايجاد مقاربة تجنب غزة حرباً جديدة يريدها الإسرائيلي كما ذكر لأسباب تكتيكية واستراتيجية فقد اجتمعت الفصائل الفلسطينية والوسطاء ووزير المخابرات المصرية حسن رشاد ووزير المخابرات التركية ابراهيم قالن وورئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني في محاولة لإيجاد مقاربات لمسألة بدت عالقة منذ أشهر فالإعلان عن خطة الرئيس الأميركي كانت في الثامن من أكتوبر الماضي وقد تم تقسيمها لمرحلتين الأولى يتم فيها تبادل الأسرى خلال 72 ساعة ولتدخل الأطراف في المرحلة الثانية والتي تضمنت كما الطلب الإسرائيلي الذي كان حاضراً في صياغة نصوص الخطة قبل عرضها فقد نص البند الثامن على تسليم حركة حماس لسلاحها لكن الظروف والمناخات التي صنعها ويصنعها الإسرائيلي تجعل من تسليم السلاح وسط هذا الواقع تبدو مستحيلة فلم تنسحب اسرائيل من غزة بل وذهبت أبعد عندما قامت بتشكيل مجموعات من العملاء على شكل عصابات تقوم هذه بتهديد حماس في حال فقدت أمكانيات الحماية الشخصية وبالتالي عادت حركة حماس تطرح تساؤلات في الحوار دون أن تجد إجابة وعاد الوسطاء أمام واقع ينذر بأمطار من النار من جديد على القطاع .
هل اسرائيل معنية بالدخول بالمرحلة الثانية ؟ سؤال يقسم الشارع الفلسطيني ما بين من يعتقد أنها معنية فعلاً لأن هدفها تجريد غزة من السلاح وجزء آخر يعتقد أن اسرائيل لم تكن معنية إلا بالمرحلة الأولى التي حصلت فيها على أسراها وليست معنية بالذهاب للمرحلة الثانية إذ أصبح من المعروف أن اسرائيل عندما تقوم بتقسيم أي حل على مراحل فإن ذلك وبتجربة الفلسطينيين الطويلة معها كانت تهدف لإقتناص المرحلة الأولى التي تضع فيها كل ما تريد والتهرب من باقي المراحل هذا حدث في أوسلو قبل ثلث قرن وحدث في يناير العام الماضي حين أخذت المرحلة الاولى وعاودت الهجوم على غزة وهذه المرة لم يكن هناك تفسير أيضاً لتقسيم الخطة التي قدمتها لترامب على مراحل لأن في المرحلة الثانية ما يعيد تمكين مجتمع غزة من جديد بعد أن عملت على تفكيكه ويعيد إعمار ما دمرته على امتداد الحرب فالدمار كان يستهدف البنى التحتية والوجود الفلسطيني في غزة وتحويلها لحالة طاردة للحياة فلم تفعل اسرائيل كل هذا من أجل إعادة الإعمار وبين هذا وذاك تقع غزة ضحية الشر الإسرائيلي الذي انفجر دفعة واحدة بعد السابع من أكتوبر .
في جولة الحوار في القاهرة وبحضور الوسطاء حاولت الأطراف البحث عن مقاربات يمكن ان تجد قبولاً لدى كل الأطراف حيث جرى الإتفاق بين حركة حماس والوسطاء على تحييد السلاح وحصره بديلاً عن تسليمه وهو ما نصت عليه خطة ترامب التي تحولت لقرار مجلس أمن وهنا يمكن القول أن اسرائيل التي تتوق لحرب تضع العصي في دواليب استقرار غزة وإعادة إعمارها وتثبيت مجتمعها لن تكون معنية بإبداء أية مرونة تتطلبها لحظة هدوء في المنطقة خصوصاً بعد التعثر الحاصل على الجبهة الإيرانية فما هي خيارات اسرائيل مع غزة ؟ هذا سؤال بدأ يطرح فإن لم تتوصل الأطراف المعنية والوسطاء ربما تكون غزة على موعد مع تصعيد جديد يزداد احتماله في بورصة الإنتخابات الإسرائيلية .
جيش اسرائيل يحتل الآن 60 % من مساحة القطاع فربما تتقدم لتحشر السكان في مساحة أقل وتستمر في الزحف بهدوء دون ضجيج يثير العالم الذي لم يعد يقبل ما فعلته في بداية الحرب من إبادة فصورة اسرائيل أصبحت أكثر انكشافاً ونبذاً بعد تحريضها لترامب ودفعه لحرب ايران وما أحدثه تحريضها من خراب على المستوى الدولي تسبب بذلك النبذ ولكن هل يكفي ذلك لرئيس وزراء بات كالذئب الجريح تطارده لعنة السابع من أكتوبر ويحتاج لشيء صاخب على نمط حرب كبيرة دون اعتبار للعالم ؟ هذا ممكن لدولة تعتبر نفسها فوق القانون وتعمل بشكل دون اعتبار لأي شيء طالما تساندها الولايات المتحدة التي يقودها رئيس خارج كل الإعتبارات الدولية ، كل الخيارات السيئة واردة طالما أن اسرائيل قررت التخلص من غزة وأن كل السياسات جميعها لها هدف واحد سحق المكان فأي شكل سيكون ؟ ننتظر …!
