في الربع الجنوبي من جنوب لبنان، لا تستطيع رؤية البلدات والقرى في فضاء الغبار، هذا الذي كان يضج بالخصب والأشجار الشامخة وحيطان الفصل بين ما هو ملكك وما هو ملك غيرك. انها الحرب الأكثر حداثة، جربتها إسرائيل في غزة محيلة إياها إلى مطحنة بشر وحجر ثم في لبنان، خصوصًا جنوبه، حيث تختصر القرية بمنحنياتها الأليفة إلى كتل من حُطَام الأبنية، هناك في نهايات مرابع الطفولة والشباب والحب والغناء، لا نلمس ولا نشم إلاّ الغبار، ونسميه طحين الحرب الأبيض، يغطينا كلنا أو يكاد.
ومثل طحين القرى، هناك في المدن الكبيرة نرى ما خلفته آلة القتل الجاحظة العينين، البناية هنا مثل غابة صغيرة والبيت المكلل بالقرميد الأحمر مثل شجرة، تتحطم كائنات أرضنا الجميلة ولا تجد من يبكيها. لقد رحل زارعوها المحبون أو ماتوا على وقع انتظار لا يصل إلى هدف.
كنت أمشي بين بنايتين، والآن بين بناية وحطام.
التوازن يختل بعد سنوات في هذا الشارع القديم، حيث الأشجار تشارك في تحديد معبر الهواء ويعلوها الغبار مثل تراث.
هدموا البناية الثانية واقتلعوا الأشجار التي تتقدمها. الآلات الضخمة لا تسمح بتفاصيل الهدم، كل ضربة تحطم غرفتين أو أكثر، ولا فرصة لفضاءات الممرات وقاعات الاستقبال وغرف النوم، حيث رُسمت أحلام وقرئت كتب وسمعت موسيقى ولهجت أصوات بين الضجيج وبطء التأمل، فضاءات لقاء وفقد ورسائل لم تصل وقصائد غير مكتملة، فضاءات مرايا الأجساد وألوان الثياب وأشكالها وذلك التبرج الحرّ داخل جدران أربعة.
أمشي بين بناية وآثار بناية. كيف يختفي سريعًا عالم من الذكريات البطيئة، خمسة طوابق تتحول إلى حُطَام قليل. ماذا يفعل الهواء في هذا الفراغ غير المعهود؟
في محل الحُطَام ستبنى مساكن لمهاجرين يحضرون بين وقت وآخر، مساكن بلا دفء مثل قاعة ترانزيت في مطار.
وليس الأفق المسدود مقتصرًا على الوطن، انه يلحق بالهاربين إلى بلاد الهجرة، يستقبلهم بوخز يصل احيانًا الى القتل.
فقد انهت جماعة “من أجل كولونيا” لقاءات هاجم خلالها نحو 300 مشارك، من ألمانيا وبلدان أوروبية أخرى، ما وصفوه بـ “غزو المهاجرين المسلمين القارة.”
ومدينة كولونيا الألمانية على نهر الراين، لا تشهد وحدها تحركات يقودها يمينيون متطرفون يرتكبون أحيانًا جرائم وترتكب بحقهم جرائم، فهناك رياح تعصّب تجتاح العالم كله، تجد أقوى تعبيراتها في الإرهاب الذي لبس ثوب الإسلام وقسم العالم الى “فسطاطين”، ويؤسس بلغته ما يمكن تسميته “قومية إسلامية” تهمل الفروق الثقافية بين الشعوب التي يدين كلها أو معظمها بالإسلام، ويأتي هذا تقليدًا لنهج اليمين الصهيوني الذي تبنى شعار “القومية اليهودية” متناسيًا الفروق الثقافية بين يهود العالم.
يستند اليمين المتطرف في أوروبا الى نزعتي التعصب “الإسلامية” و”اليهودية” ليبدأ مسيرة الانقلاب على الحضارة الأوروبية الحديثة القائمة على التنوع الثقافي والاعتراف بالآخر وسيادة القانون بالتساوي.
ثمة تكامل بين المتعصبين الذين يدعون الى الانكفاء وإقامة جدران عازلة بين الشعوب واتباع الأديان، فنرى اليمين الأوروبي المتطرف يعادي الجاليات الإسلامية واليهودية في بلاده، سواء بسواء، فيما يعمد الإرهابيون الذين يتلبسون ثوب الإسلام الى إعلان الحرب أو خوضها ضد الغرب “الصليبي”، ويستندون الى كتابات نازيين جدد ضد اليهود مغفلين أنها تنسحب على المسلمين أيضًا.
جماعة “من أجل كولونيا” عارضها عمليًا يساريون ألمان نظموا تظاهرات عنيفة ضمت حوالى 40 ألفًا حاملين لافتات “نحن كولونيا – تخلصوا من النازيين”، ودعوا الى التعايش في أوروبا بين المسلمين وغير المسلمين.
هؤلاء يدرجهم الإرهابيون في خانة الأعداء، لأنهم يمنعون تهجير المسلمين واليهود من أوروبا لتكتمل صورة عالم “الفسطاطين” ويعم البؤس بين البشر.
وأثناء اللقاءات في كولونيا والاحتجاج عليها أعلنت وزارة الخارجية المصرية أن مركبًا يقل 83 مهاجرًا غير شرعي فقد قبالة ساحل اليونان، وأنه غادر دمياط قبل ثلاثة أيام وانقطعت الاتصالات به، ولم يرد ما يفيد وصوله الى شواطئ اليونان.
دفعة جديدة من شباب يبتلعهم البحر ولا تتحقق أحلامهم بالانتقال الى “الفسطاط الآخر”. وحكاية الهجرة الشائكة تتكرر وتتشابه على درب آلام البشر.
وكانت فلسطين ولا تزال عنوانًا لتهجير شعب يصر على الانتماء الى وطنه مهما طال الزمن. ويعتبر الشاعر محمود درويش، في ذكراه الباقية، صخرة في سيل فوضوي يجرف الثقافة والسياسة والاجتماع في عالمنا العربي.
يخشون فقده، لذلك يتحدثون عنه قليلًا ويقرأون شعره كثيرًا. لقد أثبت محمود درويش ضرورته حيًا وميتًا.
ولم يتحقق طلب مثقفين في حينه بدفن الشاعر حيث ولد في الجليل، إذ استندت السلطات الإسرائيلية الى أنه مقيم وليس مواطنًا. هذه الحقيقة، وهي في أي حال حجة واهية تذكّر بواقعة هجرة درويش الطفل الى لبنان في عام النكبة 1948، ثم عودته الى فلسطين بعد سنتين أحصي خلالهما العرب الباقون وأعطوا هويات إسرائيلية، والذين لم يتم إحصاؤهم وبينهم العائدون أعطوا وثائق إقامة دائمة.
محمود درويش – الطفل العائد، واحد من كثيرين هجّرتهم الهاغاناه الى البلدان العربية المجاورة، لكنهم فضّلوا العودة قبل أن تستقر الأمور، ولم يصدقوا وعود زعماء ووجهاء بأن إسرائيل (كانوا يسمونها “الكيان المسخ”) آيلة الى زوال وأن العودة قريبة.
من أبرز العائدين مشيًا الى الجليل إميل حبيبي وعدد من أصدقائه في ما سمي آنذاك “عصبة التحرر الوطني”. ورد ذلك في ذكريات حنا نقارة التي نشرتها مجلة “مشارف” الحيفاوية في عددها لربيع 2003. يقول نقارة الذي لقبب بـ “محامي الأرض” وكان مسؤولًا عن تحرير مجلة “الجديد” الثقافية وتوفي في حيفا مطلع العام 1948: “قال لي إميل حبيبي، سرًا، انهم قرروا العودة. قلت: كيف؟ قال: عن طريق الجليل. قلت: متى يكون ذلك؟ قال: خلال بضعة أيام. قلت: وماذا ستفعلون؟ قال: نشن معركتنا في أرض الوطن من أجل عودة اللاجئين وتنفيذ قرارات هيئة الأمم المتحدة وإقامة الدولة العربية الفلسطينية”.
كان ذلك في صيف العام 1948، وسبقته محاولات لتنظيم مسيرة للمهجرين لم يكونوا استقروا بعد كلاجئين من لبنان الى فلسطين، لكنها لم تنجح. يكتب عن ذلك حنا نقارة، في المصدر نفسه:
“بعد الاحتلالات الجديدة في تموز يوليو وتدفق المزيد من اللاجئين، زرنا صيدا وصور والميه ومية حتى الحدود اللبنانية وشاهدنا الألوف يعيشون تحت الأشجار أو في غرف قُسمت الى أربعة أو خمسة أقسام بجدران من الخيش. حرّكتنا مشاهد البؤس والتشرّد والفاقة حتى الأعماق. قلنا يجب أن نقوم بعمل ما. العودة الى الوطن بأي ثمن.
…قلنا إن القضية الملتهبة الآن هي مشكلة اللاجئين. فإذا قمنا بمسيرة من عشرات الألوف الى وطننا ماذا سيفعل اليهود بهذه المسيرة؟ ما ترى سيكون رد فعل الرأي العام العالمي؟ وماذا سيكون رد فعل هيئة الأمم المتحدة؟
قال لنا رشيد الحاج إبراهيم: أنتم تعيشون كلاجئين في بلد له سيادته وحكومته، وأي عمل من هذا النوع يجب أن يكون بمعرفة وموافقة الدولة المضيفة على الأقل، وأرى أن تجتمعوا برئيس الوزراء، رياض الصلح، وتعرضوا عليه الفكرة…
كانت قضية اللاجئين شغل الحكومة اللبنانية الشاغل. فاستجاب رئيس الوزراء للطلب. ذهب وفدنا مشكلًا من أحمد الخليل وحسن حوا وبطرس ملك وأنا. كان هذا في آخر تموز 1948. استقبلنا رياض الصلح في ديوانه وحده.
… قلنا: لقد قررتم إغلاق الحدود، فنطلب إصدار تعليماتكم الى قوات الأمن كي لا تعترض سبيلنا، ونحن على استعداد لتشكيل مسيرة والتوجه الى مواطننا.
قال: هذا أمر لا أستطيع أن أفعله. قلت: أنت رئيس الحكومة فكيف لا تستطيع إصدار مثل هذه التعليمات؟ كان رئيس الوزراء يلبس طربوشًا. فرفع يده اليمنى فوق الطربوش وقال: هذه تحتاج الى أمر من فوق من فوق”.
لبنان البلد الأقرب الى فلسطين ويسير على خطاها مدفوعًا من قوى واعية وغير واعية. لبنان هذا في اصعب مفترقات وجوده هذه الأيام. قال صديقي: لا تلتصق دائمًا بالواقع، واعزف على أوتار وجدانك بين وقت وآخر فهي سبيل الشفاء من واقعك الشقي. وهنا استحضرت العازف في ليالي الوداع:
عند آخر الكراسي يذوي الضوء حيث نجلس، ومن بعيد عازف الكمان العجوز مثل بدر وهالته الموسيقى.
عند آخر الكراسي نبقى بعد رحيل المدعوين. يقترب الموسيقيون، لكن كبيرهم، العجوز، يبقى هناك نائمًا تحت مصباح كاشف.
نتركه هناك على الكرسي ونغادر عابرين طرقًا ترابية وأحواض ماء غريبة ونبات قصب ليس في محله.
انه أيلول، نسماته الباردة وقطرات المطر توقظ العازف العجوز، يعود الى بيته وحيدًا.
ولكن، كلامك فوق الصخرة هدية مسافر لن يعود:
خبرتنا العيش في خطر، أغنية ليوم واحد وشجرة لأيام ليست لنا، نغرسها كمن يؤدي حسنة. والبيت بسيط أرقى بقليل من خيمة. بيت مثل غيمة، والقصور هناك في سهول تمتد من أول الشرق. كان يكفينا البيت ملحقًا حيث نحب ونقلّ عددًا. الأبناء لما وراء البحر ونحن علامة التلّة، قد يصادفنا مستكشف فيقرأ ورقة أولى من كتاب عالمنا.
وصاحبي يقتطف ثأره من كتاب قديم، غير آبه، ويدفع خصمه عند الحافَة فيهويان. لا هدأة قبل الكلام أو استعارة الكلام. تنفر الحروف مثل رماح أو رَصاص، حروف مستعارة من تراث.
أكان صاحب المخطوط يتوقعه فتيلًا لمتفجرة، حين كان يكتب في ضوء قِنْدِيل شاحب؟
الآلات الضخمة تقطع شرايين الماء، ليبقى الصخر وحده في الوادي، وتجارة الصخر. كم يحتاج أنصار البيئة الى شعراء، يستنهضون بشرًا وشجرًا.


