إشعاع خارجي ونجاعة وفعالية محدودة بالداخل
مع حلول فصل الصيف يشهد المغرب العديد من المهرجانات الفنية والثقافية المتنوعة، والتي تقارب الـ 300 مهرجان موزع بين السينما والمسرح والموسيقى ومهرجانات أو مواسم تراثية تحتفي بطقوس واحتفالات معينة تنشط في الصيف بالمغرب مثل “التبوريدة” أو الفروسية وهي فنتازيا تستعرض فن ركوب الخيل أصبحت النساء فيها تنافس الرجال، وغيرها من الفنون التراثية التي تحتفي بالتراث الشعبي والمنتوجات المحلية كمهرجان الورد بقلعة مكونة مه ردان حب الملوك بصفرو، وكلها مهرجانات تعكس الهوية الثقافية والفنية والتاريخية العريقة للمغرب، غير أن المهرجانات الموسيقية بالتحديد تحتل نصيب الأسد في خريطة المهرجانات بالمغرب، حيث يرتبط الصيف بالمغرب بالموسيقى والرقص والغناء والاحتفاء بالجالية المغربية بالخارج التي تعود لقضاء العطلة بالبلد، وتوفير الفرجة الفنية الممكنة للسياح الأجانب الذين يتوافدون على المغرب في فصل الصيف للاستمتاع بالبحر والشمس.
لم يعرف المغرب كلمة “مهرجان” المعربة عن كلمة “مهركان” الفارسية الأصل التي كانت في الأصل عيدا قوميا للفرس، إلا بشكل حديث للتعبير عن مناسبات حديثة، وذلك عام 1939 مع مهرجان فاس للموسيقى المغربية التقليدية، الذي حرصت على تنظيمه دائرة الفنون الأصيلة التابعة للإدارة العامة والحماية الفرنسية في المغرب، لأن المغاربة تربوا على استعمال كلمة “موسم” وهو مفهوم يرتبط عادة بنهاية الدورة الزراعية وقد يرتبط كذلك بطقوس صوفية احتفاء بأحد الأولياء الصالحين. وبعد استقلال المغرب، كان أول مهرجان ينظم في المغرب هو مهرجان الفنون الشعبية في مراكش عام 1960 الذي لا يزال قائما حتى اليوم، وبعده جاء “موسم أصيلة الثقافي” في عام 1978الذي استعاد مفهوم الموسم وحافظ عليه إلى الآن.
تتوزع المهرجانات الموسيقية الصيفية بالمغرب، بين مهرجانات ذات طابع دولي وأخرى ذات طابع وطني محلي، ويتمركز أغلبها في كبريات المدن المغربية كالرباط والدارالبيضاء وطنجة ومراكش وأكادير وفاس والصويرة، وهي تظاهرات تساهم بشكل أو بآخر في تنشيط الحركة الفنية بالمغرب والتعريف بالتراث الفني الموسيقي المغربي من كناوة وعيساوة وموسيقى أمازيغية بمختلف تنوعاتها من ريفية وسوسية وأطلسية، وموسيقى صحراوية حسانية، وتوفير فرص عمل للفنانين المغاربة وكذا الأجانب، الذين أصبحت المهرجانات الموسيقية الكبيرة بالمغرب كـ “مهرجان موازين إيقاعات العالم” بالرباط نقطة جذب لهم. هذا بالإضافة إلى إنعاش الاقتصاد والسياحة بالمغرب، التي تنشط بشكل كبير في فصل الصيف، وتوفر فرص للشغل للكثير من المواطنين في جميع مجالات الخدمات، أو حتى في المجالات التقنية الفنية، كما أنها تقدم صورة إيجابية عن المغرب. ولكن هذه المهرجانات على كثرتها وتنوعها وتحقيقها للإشعاع بالخارج، ما زالت نجاعتها وفاعليتها محدودة بالداخل، وهو ما يطرح الكثير من الأسئلة حول تأثيرها الإيجابي على الساحة الفنية المغربية وعلى التنمية الثقافية بالبلد، فهل فعلا يمكن اعتبار هذه المهرجانات الموسيقية الصيفية عوامل فعلية لخلق الإشعاع الثقافي والفني للبلد؟ وما مدى تأثيرها على الحركة الفنية والموسيقية بالمغرب وعلى الفنان نفسه، خاصة أن اغلب تلك المهرجانات أصبحت تستقطب الكثير من الفنانين الأجانب ويظل الفنان المغربي في المرتبة الثانية أو الأخيرة؟ وكيف يمكن تحويل تلك المهرجانات من لحظات احتفالية عابرة إلى أداة فنية فاعلة في صناعة التغيير والتنمية الشاملة وتثقيف الجمهور وتربيته؟
ترتيب المهرجانات الموسيقية
يحتل “مهرجان موازين إيقاعات العالم” الذي أسس مند عام 2001 والذي نظمت دورته 21 بالعاصمة الرباط من 19 إلى 27 يونيو/ حزيران الماضي، الصدارة ضمن خارطة المهرجانات الموسيقية بالمغرب وبالخارج، حيث احتل المرتبة الأولى في قائمة أكثر المهرجانات جاذبية على الصعيد الإفريقي أيضا، وفق مؤشر عالمي حديث شمل 560 مهرجانا من مختلف أنحاء العالم، كما احتل المرتبة 32 عالميا، يليه “مهرجان كناوة وموسيقى العالم” بمدينة الصويرة الذي نظمت دورته 27 /ن 25 إلى 27 يونيو/ حزيران الماضي، وهو تظاهرة فريدة تحتفي بفن “كناوة” التراث الإفريقي العريق وتشهد مزجا فنيا رفيعا بين هذ الفن وإيقاعات وموسيقى العالم المتنوعة.
ويحتل “مهرجان فاس للموسيقى الروحية” المرتبة الثالثة، وهو موعد فني سنوي ينزم بالعاصمة العلمية للمغرب فاس، يهدف إلى مد جسور الحوار والسلام بين الثقافات والأديان من خلال الموسيقى الصوفية والروحية، وقد نظمت دورته 29 من 4 إلى 7 يونيو/ حزيران الماضي، فيما يحتل “مهرجان تيميتار” الأمازيغي الذي يعني العلامات والمنظم سنويا بمدينة أكادير المرتبة الرابعة، وهو تظاهرة تهدف إلى خلق لقاءات فنية بين الفنانين الأمازيغ وفناني العالم، نظمت دورته 21 من 23 إلى 25 يوليو/تموز الماضي ويأتي في المرتبة الخامسة “مهرجان جازابلانكا”، المهرجان السنوي الذي نظمت دورته 19 بالعاصمة الاقتصادية للمغرب الدارالبيضاء من 2 إلى 11 يوليو/تموز الماضي، وهو تظاهرة فنية مخصصة لعشاق موسيقى الجاز والموسيقى المعاصرة تقدم عروضه في عدة فضاءات بالمدينة.
وإلى جانب هذه المهرجانات تأتي مهرجانات أخرى مخصصة لموسيقى الجاز بمدينة طنجة وبالعاصمة الرباط وهو المهرجان الذي كان ينظم بالموقع الأثري شالة بالرباط والذي حمل المهرجان اسمه “جاز شالة”، و”مهرجان لبولفار” الذي يجمع أنواع موسيقية مختلفة كالراب والهيب هوب والروك ميتال، وغيرها من المهرجانات كـ “المهرجان الوطني للفنون الشعبية” الذي نظمت دورته 55 بمدينة مراكش من 2 إلى 6 يوليو/تموز الماضي، وهو من بين أقدم المهرجانات المغربية، و”موسم أصيلة الثقافي الدولي” الذي يجمع بين الثقافة والفنون، والذي جعل منظموه من مدينة أصيلة الشائطية الصغيرة ورشا مفتوحا للفنون التشكيلية وللقاءات الفنية والفكرية، وكان قبلة للعديد من الكتاب والمفكرين والسياسيين وحتى الفنانين الموسيقيين، ولكن بعد رحيل مؤسسه وزير الخارجية المغربي السابق محمد بنعيسى وسفير المغرب بأمريكا، ما زالت “جمعية المحيط” تسعى إلى الحفاظ على هذا المهرجان العريق، وكانت دورته الصيفية 47 المنظمة من 28 يونيو/ حزيران إلى 5 يوليو/ تموز الماضيين، مخصصة للفنون التشكيلية ولجداريات المدينة.
ومن بين أهم المهرجانات أيضا، والتي رغم صغر حجمها والتي تمكنت من تحقيق الإشعاع والتميز ببرمجتها الفنية الرفيعة وسعيها إلى الرقي بالموسيقى المغربية بمختلف أنواعها وتتويج المبدعين فيها بجوائز قيمة، نذكر على سبيل المثال “مهرجان صيف الأوداية” الذي كان وراء تأسيسه عام 2011 الفنان والموسيقار المغربي الراحل حسن مكري بإشراف من المجلس الوطني للموسيقى الذي كان يرأسه، والعضو في المجلس العالمي للموسيقى التابع لمنظمة اليونسكو، وذلك بدعم من وزارة الثقافة وولاية الجهة، والذي ينظم في نهاية شهر يوليو/ من كل سنة على ضفة نهر أبي رقراق، احتفاء بعيد العرش )الجلوس(، بعدما كان ينظم في فضاء الأوداية الأثري. ويتميز هذا المهرجان عن غيره من المهرجانات الموسيقية المغربية باهتمامه الحقيقي بالفنان الموسيقي المغربي وخلق فرص له للقاء فنانين عالميين، وتحفيزه عبر جوائز قيمة ذات اعتراف دولي يعود الفضل في تأسيسها إلى الفنان الراحل حسن مكري، وتلك الجوائز هي: جائزة الرباب الذهبي التي منحت لفنانين كبار أمثال الراحلين عبد الوهاب الدكالي وعبد الهاي بلخياط، وجائزة زرياب المهارات التي تتوج كبار الموسيقيين، وجائزة الخلالة الذهبية المخصصة للفنون الشعبية وتحديدا الفن الأمازيغي، ثم جائزة الفارابي المخصصة للموسيقى التراثية العريقة.
ورغم رحيل مؤسس هذا المهرجان، فإن ابنه الفنان نصر مكري وزوجته وفاء بناني والمجلس الوطني للموسيقى الذي ترأسته بعده، ما زالا يواصلان العمل من أجل استمرار هذا المهرجان، كما صرحت زوجته لمجلة “الحصاد”، بنفس الروح والقيم، وعبر الانفتاح على الجيل الجديد من الفنانين الشباب في الراب والهيب هوب وغيره، حيث تم إحداث هذه السنة جائزة للفن الشعبي حملت اسم “جائزة شيخ الشعبي” وحصل عليها الفنان الحاج عبد المغيث، كما تم تتويج الفنانين فؤاد الزبادي ومحمود مكري بدرع المهرجان تقديرا لعملهما الفني ومسارهما المتميز.
الفعالية والنجاعة
تستأثر بعض التظاهرات الفنية بالاهتمام في المغرب أكثر من غيرها، وهي ما ننعته عادة بالمهرجانات الكبرى، التي تتوفر على ميزانية ضخمة واستقرار في موعد انعقادها وحضورها الإعلامي والتسويقي، ومع ذلك يرى الباحث والموسيقي المغربي أحمد عيدون في تصريح لمجلة “الحصاد”، أن هذه المؤشرات “غير كافية للحكم على نجاعة تأثيرها في محيطها المحلي والوطني فضلا على إشعاعها الدولي. بل يجب الانتباه بشأنها إلى معايير موضوعية تتعلق بالفعالية والنجاعة والاتساق في الفقرات”.
ويضيف عيدون الدكتور المتخصص في اقتصاد الثقافة أن المهرجانات التي تحقق للمواطن جانب الترفيه من المنطقي أن نطمع في مزيد من فعاليتها، بدءا بتدبير خارطة المهرجانات، وتحديد مهام كل منها من خلال حجمها وتوجهها ثم تصنيفها المحلي أو الوطني أو العالمي، وهنا تبرز مسألة التنمية الثقافية والاقتصادية للجهات وتبرز ضرورة الاعتماد على معايير الفعالية والنجاعة والمردود الاقتصادي والثقافي.
ويشير عيدون، الذي صدرت له مجموعة من المؤلفات حول الموسيقى المغربية، إلى أنه في غياب دراسة دقيقة تتعلق بتأثير وجدوى هذه المهرجانات، التي يمكن من خلالها قياس التأثير الاقتصادي للمهرجان على محيطه من خلال تحقيق موارد مالية وتوفير فرص للعمل وتنشيط الحركة السياحية والتجارية والفنية، وقياس سوسيولوجية العروض الفنية، وعلاقة الجمهور بالفن وكذلك الانتباه إلى تمكين الفنانين المغاربة من إنتاج رصين يتجاوز التنشيط البسيط إلى تكليف مسبق يراعي شروط الإبداع بما يخدم تثمين الموسيقى المغربية. فإننا، كما يقول، “سنستمر في استقطاب فنانين أجانب وصرف مبالغ كبيرة من العملة الصعبة، فتكون الاستفادة مخصوصة لهؤلاء بينما لا يتقاضى الفنان المغربي إلا مبلغا متواضعا. والسبب في ذلك هو أن الفنان المغربي لا تسنده صناعة موسيقية وطنية”.
محدودية دور النقابة
وهو الشي نفسه الذي يؤكده الفنان الموسيقي مصطفى أحريش الأمين العام للنقابة الحرة للموسيقيين المغاربة، الذي يرى أن المساهمة المغربية في المهرجانات الفنية الكبرى بالمغرب من مثل “مهرجان موازين إيقاعات العالم” الذي نعته بالمهرجان “التجاري” لا تتعدى 5 في المائة، وهو ما يعد إجحافا في حق الفن والموسيقى المغربية، لأن حتى الفنانين المغاربة الذين يتم إشراكهم في مثل هذه التظاهرات التجارية ليسوا بفنانين حقيقيين، كما يقول، هذا ناهيك عن استغلال الفن في المجال السياسي، وتسخير بعض المهرجانات التي تنظمها مثلا بعض الجماعات لفائدة الأحزاب التي ينتمي إليها مسؤولوها ولفائدة أجندتهم الانتخابية. ويضيف أحريش بأن المهرجان ليس مجرد سهرة موسيقية وحسب، بل هو مجال للتلاقح الفني والثقافي وتبادل التجارب والمعارف، وهو ما حرصت عليه النقابة الحرة للموسيقيين التي توالى على تدبير شؤونها كبار الموسيقيين والفنانين المغاربة، حيث نظمت مهرجان الأغنية العربية بالدارالبيضاء، ومهرجان الأغنية المغربية بمراكش، وهو ما ساعد في بروز بعض الفنانين والملحنين وكتاب الكلمات، ولكن تلك التظاهرات لم تعرف الانتظام ولا الاستمرار، ولم يشهد لهذه النقابة ولا لغيرها من النقابات الموسيقية بالمغرب أن تدخلت للحد من الفوضى والعبث الذي تعرفه مجموعة من المهرجانات التجارية ولا حتى تلك ذات الطابع الانتخابوي السياسي، ولم يكن له أي دور فاعل، كما هو الشأن مع النقابة الفنية بمصر مثلا، في الحد من تهميش الفنان المغربي على حساب الفنان العربي أو العالمي، مع العلم أن أحد الأدوار الأساسية للنقابات الفنية هو الدفاع عن الفنان الحقيقي في المهرجانات وإعادة الاعتبار له عبر حمايته من الاستغلال ورفع الحيف عنه.
المهرجانات والتنمية
وحول المهرجانات الفنية بالمغرب، يقول أحمد عيدون، إنها تعرف أربعة اتجاهات رئيسية: مهرجانات تتبنى موضوعًا ذا صلة تاريخية وشرعية بالتراث المحلي، ومهرجانات ذات بعد وطني، ومهرجانات مفتوحة للمشاركة الدولية، ثم مهرجانات تستند إلى التراث المحلي لتبرير توجهها الدولي، ومع ذلك، لا يراعى فيها دائما، كما يوضح “التمييز بين المحلي والوطني والدولي. فكثيرا ما ينتقل المنظمون، خوفا من ضياع المفهوم الأساسي، من فئة إلى أخرى. على سبيل المثال، يتحول مهرجان كناوة إلى “موسيقى كناوة والعالم”، ومهرجان الراي الدولي الذي يستقبل العديد من الأنواع الموسيقية التي لا تمت بصلة إلى الراي (وهو نوع موسيقي يقتصر على الجزائر والمغرب)، ومهرجان “تيميتار” الذي يتميز برنامجه بالمرونة لاستقبال جميع الفنانين من مختلف أنحاء العالم، والمهرجان الوطني للفنون الشعبية الذي وافق على الترويج للموسيقى الجديدة”.
ويخلص الخبير في اقتصاد الثقافة أحمد عيدون إلى أن إنشاء المهرجانات بالمغرب يعرف تناقضا صارخا مع مركزية الاقتصاد، لأن الهدف، في نظر المروجين، كان تحديدا كسر الحواجز بين بعض المناطق، وهو هدف تحقق جزئيا. وبناء على ذلك، تهيمن مهرجانات الموسيقى على إجمالي عدد المهرجانات، وهو اتجاه يعزى إلى حد كبير إلى تنوع الأنواع الموسيقية الموجودة. ولكن أن تصبح المهرجانات محركات أساسية للتنمية المحلية، وعاملا لتحقيق النجاعة والأثر المطلوبين، فهو أمر لن يتحقق برأيه “إذا لم نجعل من المهرجان مخرجا طبيعيا لسلسلة الصناعات الثقافية في جانبها الموسيقي والإبداعي. وبذلك لن يكون للمهرجان دوره الترفيهي المشروع فقط في وظيفة الترفيه في صيغته الساذجة والبسيطة، لأن الترفيه كذلك حين يواجه فنا راقيا يكون ذا أثر إيجابي على رفعة الذوق وتلك مشكلة أخرى تعود بنا إلى أسس نشر الثقافة والقيم الإنسانية الكبرى”.




