هل ستخرج غزة من دائرة النار التي دخلتها قبل ما يقارب من ثلاث سنوات ؟ بعد أن أقدمت على فعل زلزالي طالت آثاره الإرتدادية كل عواصم الكون ؟ لا زالت تلك العواصم تتحرك في محاولة للخروج من مأزق يتبدى في ظل استعصاءات لا تقل ضراوة عن استعصاءات الحرب نفسها فاللاعبون الرئيسيون والثانويون فيها كثر وكلُّ له مصالحه وشروطه ومتطلباته ومشاريعه التكتيكية والإستراتيجية التي لا تتوقف فإسرائيل التي ترى فيما يحدث فرصة لإقتلاع الغزيين من غزة لم تتراجع عن المشروع برغم العقبات الكبرى التي واجهته فقد عقدت حكومة اسرائيل مطلع الشهر الماضي إجتماعاً خاصاً لتهجير غزة ودراسة ما يلزم لإنجاحه فقامت بتغيير اسم المشروع من ” تهجير ” ليصبح ” مرور حر ” في محاولة لتخفيف وطأة الإسم على سبيل كسر الحاجز النفسي للغزيين وتشجيعهم على الهجرة ظناً منها أن الأمر بالنسبة لسكان غزة مجرد حالة نفسية دون إدراك أن هؤلاء اللاجئين الذين تحتضنهم كأكبر كتلة لا مكان لهم سوى غزة وأن لا دول تطوعت لأخذهم كما كانت تريد بل وبذلت ما يكفي من الجهود والإتصالات بعد أن شكلت في مارس من العام الماضي دائرة للهجرة عندما استعر النقاش منذ مطلع الحرب مستغلين السابع من أكتوبر لإنهاء حلم قديم بتفريغ المكان كان جهاز الإستخبارات الإسرائيلي ” الموساد ” عنصراً فاعلاً حاول أن ينجح فيها.
حماس من ناحيتها باتت تشعر أن المطلوب من المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي التي طرحها في أكتوبر الماضي لوقف الحرب في غزة تعني القضاء عليها بتسليم كل ما تملكه من حكم وممكنات قوة سواء حكماً مدنياً كان يوفر لحماس شرعية فرض الضرائب لتأمين جزء من رواتب ومصالح العاملين في المؤسسات الخدماتية العامة وتلك واحدة من ممكنات النفوذ وكذلك وهو الاهم أن تسلم حماس السلاح وهي تدرك أن هذا البند يعني أن تكتب بنفسها شهادة وفاتها كحركة جاءت محمولة على البنادق التي تزين شعارها حين عبأت فراغ الصدام مع الإحتلال كمعادلة طبيعية بعد أن ذهبت الحركة الوطنية الفلسطينية بإتجاه الحل مع اسرائيل من خلال اتفاقية أوسلو التي تمت عام 1993 والتي تضمنت إقامة سلطة وطنية فلسطينية تقوم بالتنسيق مع اسرائيل كانت حركة فتح عمود تلك السلطة.
ولدت حماس عام 1987 في مناخات الصدام في الإنتفاضة الأولى التي اندلعت رداً على دهس شاحنة اسرائيلية لعدد من العمال الفلسطييين شرق مخيم جباليا حين التقط قادة المجمع الإسلامي آنذاك تلك اللحظة ليعلنوا عن ولادة الحركة الجديدة برئاسة الشيخ أحمد ياسين وتعززت في الإنتفاضة الثانية والتي أظهرت قدراً كبيراً من العمليات العسكرية وتفجير الحافلات في المدن الإسرائيلية خصوصاً بعد أن تنكرت اسرائيل للتسوية وتعثر برنامج حركة فتح ثم خاضت الحركة حروباً مسلحة مع اسرائيل بعد طردها للسلطة اثر صدامات عام 2007 الداخلية بين حركتي فتح وحماس انتهت لصالح الحركة الإسلامية لتنفرد بحكم قطاع غزة وتقيم فيه بنية عسكرية أي أنها ابنة مناخات الصدام والحروب ورغم الخسائر واغتيال قادتها تباعاً كانت الحركة تتعزز أكثر وتصبح اكثر قوة وبات الآن وفقاً لخطة ترامب أن عليها أن تتخلى عن كلمة السر في نموها فالسلاح بالنسبة لحماس هو مسالة وجودية وليس وسيلة فقط حيث يحمل اسمها ” حركة المقاومة ” المقاومة المسلحة وهو ما أعطى حماس هذا الحضور في المجال العام والآن بات عليها أن تسلمه متنازلة طواعية عن هاذا التراث أو غير مرغمة كما تضغط الخطة التي وافقت عليها الحركة في ظروف معينة ووافق معها من الدول أصدقاء الحركة تركيا وقطر كنتيجة لنهاية حرب لم تكن في صالحها فالخلل في موازين القوى أكبر من أن يمكنها من إحداث ولو قدر من التوازن بحدوده الدنيا.
عندما وافقت حركة حماس على خطة الرئيس الأميركي في أكتوبر الماضي كانت توافق تحت ضغط اللحظة إذ كانت الإبادة مستمرة والطائرات تحرث غزة والجثث تملأ الشوارع والأخطر هو صدور انذار من جيش اسرائيل يطلب من مدينة غزة عاصمة القطاع التي تضم المؤسسات الحكومية والمجلس التشريعي ومقر إدارة غزة إخلاءها نحو الجنوب والمعابر التي تمد غزة بالغذاء مغلقة وحملة التجويع والترويع لا تتوقف كانت حماس بحاجة لإلتقاط أنفاس على أمل أن تحدث المفاوضات اللاحقة بعض التغيير المهم حينها أن يتوقف الدم وبعد ذلك كما يقال يخلق الله ما لا تعلمون أو لأنها حركة دينية ربما كانت تثق بتدخل القدر في لحظة ما فيقلب معادلة موازين القوى التي لم تكن في صالح حركة استنزف سلاحها وجزء كبير من رجالها ومالها وتعرض مقاتلوها للمجاعة ولم يعد بالإمكان الإستمرار في الصدام أكثر كانت وقفة لم تريدها أو لم تتصورها الحركة أنها ستكون النهاية التي لم تحلم بها في أسوأ كوابيسها.
منذ لقاء شرم الشيخ للإعلان عن المبادرة لم تتوقف الحوارات بين حماس والوسطاء ولم يتم التوصل لنتيجة ، أوراق تتقدم ويجري نقلها للطرف الإسرائيلي الآخر ثم تعود محملة بتعديلات وبين التعديلات والإستدراكات قتلت اسرائئيل أكثر من ألف فلسطيني وتقدمت أكثر داخل الخط الأصفر الذي رسمته لتبتلع 70% من القطاع وربما ساعة نشر هذا المقال تكون قد تحركت تلك المكعبات الإسمنتية التي أصبحت تتحرك على عجلات لتسيطر على مزيد من المكان وتزيد من حشر السكان واستفحال الأزمة لأن في هذا ما يعود للتذكير بالإستراتيجية الإسرائيلية التي لم تتنازل عنها وعقدت اجتماعاً لها وهي استراتيجية اخلاء قطاع غزة من سكانه.
بدا أن المفاوضات بين الفصائل والوسطاء تتعثر وأن لا حل في الأفق ويزداد الأمر سوء كلما اقتربنا من الإنتخابات الإسرائيلية التي لا يمكن لحكومة يمينية متطرفة أن تقدم تنازلات ربما تطلبها الحركة فقد درجت العادة في اسرائيل على أن تكون الحملات الإنتخابية عبارة عن مزاد لكراهية الفلسطينيين أو بازار لدماء الفلسطينيين وعلى سبيل فتح ثغرة في جدار المفاوضات الصلب قامت حركة حماس بحل اللجنة الحكومية لإدارة غزة والتي يتقوم بدور الوزارة التي تشرف على تسيير مؤسسات القطاع بهدف إظهار قدر من المرونة في ظل حديث كان يتصاعد بان نيكولاي ميلادينوف المندوب السامي المعين من قبل مجلس السلام الذي نصت عليه خطة ترامب كان على وشك أن يعلن بأن حماس تعيق المفاوضات والأمر الثاني أن تلقي الكرة في ملعب الأطراف الأخرى على اعتبار أنها حلت تلك اللجنة ولم تعد تدير القطاع وعلى لجنة التكنوقراط الوطنية أن تتسلم مهامها بشكل فوري دون أن تدرك أن الامر أكثر تعقيداً من ذلك فاللعبة هي لعبة موازين قوى ومقدرات وإمكانيات فالسلاح هو الطرف الأقوى الذي يقرر السياسات وشكل الحكم وهو من يدير الإدارة المدنية نفسها لذا بدا أن حل حماس للجنة عملية ليست رئيسية لن تؤدي إلى تحقيق تقدم اعتقدته الحركة.
تأخرت حماس في قرارها هذا وفي السياسة دوماً ما حين يكون القرار في توقيته يحقق النتائج المطلوبة ولكن حين يتأخر فإنه يكون قد أضاع فرصة توقرت فيها عناصر النجاح قبل أن تتلاشى شروط هذا النجاح كان يجب على الحركة أن تبدأ بتطبيق الخطة إذا كانت تسعى لإنجاحها في أكتوبر أو نوفمبر الماضي مستغلة الزخم الذي نشأ حينها وإندفاع الرئيس الأميركي الذي جاء للمنطقة ليحضر الإعلان عن خطته وقبل أن تبدأ حرب ايران والتي أزاحت كل الإهتمام الدولي وكل الإنشغال الأميركي حينها بإعتبارها أحدث ما أنتجته السياسة الأميركية التي كانت فخورة قبلها بنجاحها في وقف أصعب الحروب قبل أن تذهب لفتح حربِ أخرى كانت أكثر تأثيراً في شرايين الإقتصاد والسياسة العالمية من حرب الإبادة في غزة حيث الضرر الإقتصادي للأولى وصل كل مكان في العالم فتراجع الإهتمام بالوضع الفلسطيني وكانت تلك واحدة من إخفاقات السياسة الفلسطينية.
يبدو أن الحسابات التي أضحت ليست الحسابات التي كانت فإسرائيل تضع شروطاً مهينة بالنسبة لحركة دينية تعتبر الشهادة أقرب لها من تلقي الإهانة وكذلك الحركة نفسها ليست مستعدة للتخلي عن سلاحها فالأمر بالنسبة لها جزء من هوية الحركة فالفكرة تموت إذا ما تخلت الحركة عن سلاحها بمحض إرادتها كأنها تعلن فشل المسار الذي قررته ذات يوم عام 1987 حين تشكلت وصاغت هويتها العسكرية ورفعت شعاراتها بالجهاد والمقاومة فماذا سيتبقى من الحركة إذا ما سلمت سلاحها ؟ تلك معضلة كبرى.
بالنسبة لإسرائيل تبدو كل الخيارات مريحة وهي تذهب لإنتخابات مع حكومة متطرفة لكنها تذهب محملة بعار السابع من أكتوبر وتعتقد أن في إظهارها للعنف والكراهية والتطرف ما يمكن أن يتحول إلى أصول انتخابية فسواء وافقت حركة حماس على نزع السلاح أم لم توافق سيمتطي الإسرائيلي أي خيار ويسير به فإن سلمت السلاح هذا يعني انتصار اسرائيل على فكرة الكفاح المسلح ضدها الذي بدأه الفلسطينيون منذ حوالي قرن وتكرَّس كبرنامج منتصف ستينات القرن الماضي مع ولادة منظمة التحرير الفلسطينية تحت رعاية الرئيس القومي جمال عبد الناصر أما إذا لم تسلم فتلك توفر لها الذريعة لشن حرب جديدة وخاصة أن الإعلام الإسرائيلي بات يتحدث بكثرة عن إعادة حماس لبناء قوتها المسلحة وهو مؤشر على استعداد اسرائيل للحرب وهنا يكمن مأزق المفارقة حيث تبدو كل الخيارات صعبة أمام الفلسطينيين في قطاع غزة تحاصرهم بجميعها اسرائيل وتحشرهم سياسياً كما تحشرهم جغرافياً في مناطق تضيق أكثر في المنطقة الغربية للقطاع.
تعثر البرنامج الإسرائيلي الذي تعد له منذ عقود والمتمثل بإسقاط النظام ويمكن القول أبعد بعد انكسار الحلم تصبح اسرائيل أكثر عدوانية ومع عدم قدرتها على الإستمرار في ضرب ايران سواء لردود الفعل الإيرانية في الداخل الإسرائيلي أو بسبب الصرامة الأميركية التي أدركت أن الحروب لا تؤخذ بهذه الخفة التي صورها نتنياهو لها محرضاً الرئيس والتي تسببت بإنكشاف ما لنتنياهو أمام جزء من الإدارة الأميركية أبرزهم نائب الرئيس جي دي فانس وأمام هذا الفشل المدوي تصبح اسرائيل اليمينية القومية أكثر شراسة وتنعدم المرونة المعدومة أصلاً لدى حكومة اليمين وتنعدم مع كل الحكومات على أبواب الإنتخابات.
وما بين مرونة غير كافية تبديها حركة حماس حيث القصة الأكبر هي قصة السلاح وبين تصلبِ اسرائيليِ ليس مستعداً لإبداء أي قدر من المرونة حتى ولو شكلياً يبقى الوضع في قطاع غزة مفتوحاً على سيناريوهات ليست تفاؤلية فلا حماس مستعدة للذهاب حيث يراد لها ولا الإسرائيلي مستعد لتلقف إي تنازل ليعتبره انجازاً يقدمه للشارع وما بين هذا وذاك وتلك المناخات يخشى الغزيون الذين أصيبوا بالإحباط لأن ثمانية أشهر بعد اتفاق وقف إطلاق النار لم تغير في الواقع بل زاد قسوة ومع اقتراب الإنتخابات يرى الغزيون الذين خبروا حروب اسرائيل الإنتخابية على أجسادهم أن المستقبل القريب لا يحمل الكثير من الأمل.




