Home / رﯾﺎﺿﺔ / إغراءات المال تهدد مسابقات الفيفا

إغراءات المال تهدد مسابقات الفيفا

هل إستنجاد إنفانتينو بترامب سينقذ مستقبله في رئاسة الإتحاد الدولي لكرة القدم

هل وقع السويسري جياني إنفانتينو رئيس الإتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) في فخ الإغراءات المالية، أم أصابه الغرور بعد الإيرادات الضخمة التي حققتها كأس العالم الاخيرة في اميركا الشمالية والتي تجاوزت ال15 مليار دولار؟

لقد خرج إنفانتينو، بعد ختام كأس العالم التي توجت إسبانيا بلقبها يوليو الماضي، يتباهي بصواب فكرته في توسيع رقعة المنافسة من 32 الى 48 منتخبا في أكبر مسرح كروي في العالم، ومشيراً الى سعية زيادة عدد الفرق المشاركة في نسخة 2030 المقررة في إسبانيا والبرتغال والمغرب الى 64 منتخبا!. معظم خبراء اللعبة ومسؤولي الإتحادات في الدول الكبرى، يرون أن إنفانتينو بات يضع طموحات الفيفا التجارية كأولوية على حساب المستوى الفني للبطولة الأهم بالعالم، لكن ما تطرق اليه من خطط بيع حصة من الحقوق التجارية لكأس العالم لشركات خاصة، كان بمثابة فتح أبواب النيران التي تهدد بقائه في منصبه، برغم تراجعه عن فكرته. كان إنفانتينو يعتزم إنشاء شركة تحمل اسم “فيفا فوروورد إنتربرايز”، تكون مفتوحة أمام مستثمرين من القطاع الخاص، وتتولى إدارة الأنشطة التجارية والفعاليات الكبرى التابعة لفيفا، إلى جانب منح دفعات استثنائية بقيمة 20 مليون دولار لكل من الاتحادات الأعضاء البالغ عددها 211 والتي يملك كل منها صوتا واحدا في فيفا.

ودافع إنفانتيو عن موقفه بأن بيع حصة أقلية في عملياته التجارية سيدر مليارات الدولارات لدعم تطوير كرة القدم في جميع أنحاء العالم، واتهم وسائل الإعلام بتشويه المقترح، لكن الرد جاء من نائبه السابق جيم بويس بإن الاتحاد الدولي يجب أن يركز على مصالح المشجعين ولا ينبغي بأي حال من الأحوال “بيع اللعبه للمستثمرين”.

لقد كان العالم ينتظر من إنفانتينو ومنظمته تبريرات منطقية للأحدات التي شهدتها كأس العالم الأخيرة في الولايات المتحدة والمكسيك وكندا والتي أثارت الكثير من الجدل بسبب التدخلات السياسية وقرارات تحكيمية تدعوا للشكوك وتساؤل عن جدوى إستحداث تقنيات تكنولوجية جديدة، لكن بدلا من ذلك خرج متحدياً ومتباهياً بإنجازاته التي جلبت الكثير من المليارات للإتحاد الدولي. لم يدرك السويسري الطامح في ولاية جديدة لرئاسة الفيفا بعد 10 سنوات في المنصب، أن خطته الرامية إلى بيع حصة من الحقوق التجارية لكأس العالم، ستجلب عليه هذا الكم من الهجوم، ومن المؤكد أن مستقبله على رأس المنظمة العالمية، بات محل شك كبير بعدما أبدت العديد من الإتحادات الوطنية سحب ثقتها منه.

في استقصاء بحثي لأستاذ الاقتصاد بجامعه ماساتشوستس الأميركي فيكتور ماثيسون يقول: “بعد نهاية كأس العالم، كان إنفانتينو في قمة النجاح ويشعر بثقة كبيرة أنه سيعاد انتخابه بأغلبية ساحقة على خلفية نجاح مالي كبير للبطولة. لكن كل ذلك أصبح في خطر الآن”.

(إنفانتينو يستنجد بترامب)

كان إنفانتينو قبل العاصفة الأخيرة، يشعر بأن إستمراره على رأس المنظمة العالمية لكرة القدم في مأمن ولا يستطيع أحد المساس بمكانته، لكن بالتأكيد بات يدرك أن ردة فعل العنيفة من غالبية الإتحادات الوطنية (211 اتحاد) ستقف ضد طموحه في الفوز بالانتخابات المقررة في مارس المقبل من أجل ولاية جديدة حتى ولو أستنجد بالرئيس الأميركي دونالد ترامب لدعمه.

ومع أعلان الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا)، أغنى وأكثر الاتحادات القارية الستة نفوذا ومن بعده الإتحادين الأميركي الشمالي والأسيوي، الوقوف ضد خطط رئيس الإتحاد الدولي والتهديد بمقاطعة جميع فعاليات “فيفا”، تراجع إنفانتينو عن فكرته ببيع نسبة من أرباح بطولاته للشركات الاستثمارية، لكن لن يكون لك كافياً للسويسري البالغ عمره 56 عاما لإرضاء تلك الإتحادات التي تطالب بعزله بعد اتهامه ببيع روح اللعبة من أجل المال.

ويضم اليويفا والكونكاكاف والاتحاد الآسيوي مجتمعين 143 اتحادا محليا، أي ما يزيد عن نصف أعضاء الفيفا البالغ عددها 211 عضوا وهو الأمر الذي سيجعل موقف إنفانتينو صعباً في الانتخابات المقبلة حال وقفت هه الإتحادات ضده. استقالة كارلوس كورديرو المستشار البارز في الفيفا احتجاجا على ما وصفه بأنه “صفقة سيئة لكرة القدم”، وزعم كيفن لامور المدير التنفيذي للعمليات في الاتحاد الدولي بأنه تعرض للخداع، وضع إنفانتينو في موقف محرج أمام أقرب داعميه قبل معارضيه.

إنفانتينو، الذي تولى رئاسة الفيفا عام 2016 بعد أن أنهت فضيحة فساد عهد مواطنه السويسري سيب بلاتر الذي استمر 17 عاما كرئيس للاتحاد، كان يرى ان قدرته على الحفاظ على خزائن الفيفا ممتلئة تكفي لتمكينه من تجاوز أخطائه، إلا أن مناورته الاخيرة جاءت بنتائج عكسية بشكل مذهل.

ويرى الإتحاد الاوروبي أن إنفانتينو بأت يدير الفيفا بشكل فردي، ويستقل بقرارته بعيدا عن اللجنة التنفيذية، التي بقيت في الظلام بينما كان هو يجتمع مع المستثمرين ويختار شركة “ثرايف كابيتال” التي أسسها جوشوا كوشنر، وهي شركة تربطها صلات عائلية وثيقة بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، من أجل بيع حصة بطولات كأس العالم المربحة.

كانت العلاقة الوثيقة بين إنفانتينو وترامب موضع تدقيق بالفعل بعد أن منح الفيفا الرئيس الأميركي جائزته الأولى للسلام في ديسمبر الماضي. لكن ما حدث خلال كأس العالم الاخيرة عندما قال ترامب إنه اتصل بإنفانتينو ليطلب إلغاء إيقاف اللاعب الأميركي فولارين بالوجون بسبب بطاقة حمراء، حتى يتمكن من المشاركة في إحدى مباريات الأدوار الإقصائية، كان بداية للشعور بأن مصداقية المسابقة باتت محل شك!

ولم يسهم السماح لبالوجون باللعب في النهاية، في تبديد الانطباع بأن ترامب كان يتدخل في شؤون كرة القدم من خلال إنفانتينو، بل جاء إسم جوشوا كوشنر شقيق زوج ابنة الرئيس الأميركي كأحد المرتبطين بالتسويق لشراء جزء من حصص بطولات الفيفا ليضع مزيد من الزيت على النار المشتعل. ومع التأكيد بأن أنفانتينو طالب بموعد للقاء ترامب من أجل الحصول على دعم في أزمته الأخيره ، الا ان الرئيس الأميركي لم يلب طلبه بل وأسار الى انه لا يعرف شيئا عن اقتراح بيع حصص في كأس العالم!

(إنفانتينو تحت الضغط)

كان إنفانتينو يهدف الى إغراء الاتحادات الوطنية المنضوية تحت لواء الفيفا بمنحه تصل الى 20 مليون دولار حال تنتفي مخططه ببيع 20 من حصص كأس العالم التي يرى أنها ستجلب نحو 4.5 مليار دولار للإتحاد الدولي. لقد فتحت الفكرة الجدلية للإنفانتينو الباب مجددا حول مصداقية مسابقات الفيفا، بعد أيام من إتهامه هو شخصياً بمحاولة توجيه بطولة كأس العالم لصالح الأرجنتين التي وصلت للنهائي بعد مشوار شهد قرارات تحكيمية جدلية قبل أن تفوز إسبانيا بالكأس.

ويرى معظم خبراء اللعبة أن وجود شركاء استثماريين للفيفا سيضع مصداقية بطولات كأس العالم محل شك. ورغم تراجعه عن فكرته الا ان المعارضة القوية التي واجهها، والانتقادات غير المسبوقة من الإتحادات القارية الا أن بقاء إنفانتينو على رأس المنظمة العالمية للعبة بات محل شك. ويرى مايكل باين، مدير التسويق السابق في اللجنة الأولمبية الدولية ان مقترح إنفانتينو كان بمثابة إعلان عن إنتحار سياسي وأوضح: “لا أعتقد أننا شهدنا يوما سقوطا سريعا بهذا الشكل لزعيم رياضي… بعد كأس العالم كان إنفانتينو يحلق عاليا متباهيا بالتنظيم الناجح، وبعد اسبوع واحد من مقترحه ببيع حصص المسابقات الدولية هناك شك كبير في بقاءه بمنصبه … إنه الغرور المفرط!”.

ويرى باين الذي ساهم خلال نحو عقدين في اللجنة الأولمبية الدولية في تحديث العلامة التجارية للمنظمة وتحسين أوضاعها المالية، أنه يخشى تداعيات استمرار إنفانتينو في منصبه. وقال الإيرلندي البالغ 68 عاما: “تعلمت منذ وقت طويل ألا أقول أبدا إن أمرا مستحيل في هذا العالم، لكن إنفانتينو يحتاج إلى أكثر من معجزة كي ينجو”. وأمام مطالب الإتحاد الأوروبي بضرورة حفظ الوثائق وعدم إتلاف رسائل البريد الإلكتروني أو الملفات أو البيانات المتبادلة بين إنفانتينو والشركات التي كانت معنية بشراء حصص المسابقات الدولية حتى يتم إجراء تحقيق فيها، يبدو أن رئيس الفيفا دخل النفق المظلم .

ومنذ أن تولى المنصب خلفا لبلاتر في عام 2016، أعيد انتخاب السويسري مرتين بالتزكية، وبدا أنه يسيطر على المنظمة لكن انتخابه للفترة من 2027 إلى 2031 بات محل شك. وهدد الاتحاد الأوروبي باتخاذ إجراءات قانونية حال إتلاف أي أدلة محتملة في الاقتراح السري لإنفانتينو مع المستثمرين ومن بينهم شركة جوشوا كوشنر في نيويورك، وأكد محامو “يويفا ” أنهم يدرسون بجدية اتخاذ إجراءات قانونية أو اللجوء للقضاء أو تقديم شكاوى إدارية أو كل هذه الإجراءات بشأن بمقترح إنفانتينو وخطته الاستثمارية، وطالبوا 18 مسؤولا تنفيذيا في الفيفا بالاحتفاظ بالبيانات والوثائق والرسائل الإلكترونية كأدلة محتملة.

لقد تعرضت سلطة إنفانتينو لضربة قوية، بسبب شعوره بأنه لا يمكن الإطاحة به، بعدما فاز برئاسه الفيفا لدورتين من دون منافس في عامي 2019 و2023، وأمام تغير المعادلة هذه المرة فقد يرى العالم رئيسا جديدا في الانتخابات المقررة مارس المقبل. وينظر الى السلوفيني ألكسندر تشيفيرين رئيس الاتحاد الأوروبي للعبة (يويفا) على انه الشخص الأجدر لقيادة المنظمة العالمية حيث يتمتع بمصداقية كبيرة من دول القارة العجوز.

ولا تبدو العلاقات جيدة بين تشيفيرين وإنفانتينو جديدة من زمن طويل، بسبب تداخل المنافسات الاوروبية والدولية، لكن السلوفيني عبر عن خلافه بوضوح عندما قاطع نهائي كأس العالم احتجاجًا على قرار الفيفا بإلغاء إيقاف مهاجم الولايات المتحدة الأمريكية فولارين بالوجون بعد تدخل من ترامب.

ولم يكن ذلك هو الأمر الوحيد فقد سبق ليويفا الاعتراض على سياسة الفيفا بشأن التسعير التلقائي لتذاكر المباريات وفترات الراحة لشرب الماء خلال كأس العالم، لكن الخلاف الأكبر كان يتعلق بمونديال الأندية المُوسّع الذي كان يراه الإتحاد الأوروبي مهددا مباشرًا لدوري أبطال أوروبا. في السابق، كان اليويفا هو المنظمة الوحيدة التي تُدير بطولة دولية للأندية تضم أفضل اللاعبين، ويشاهدها مليارات الأشخاص حول العالم، وتُدرّ أرباحًا طائلة.

لكن في الصيف الماضي، سيطر الفيفا على هذا المجال بإطلاق مونديال الأندية الموسع بمشاركة 32 فريقا يمثلون نخبة القارت المختلفه. ومع قرب نهاية ولايته كرئيس ليويفا، ولأنه لن يترشح مرة أخرى في عام 2027، ربما يجد تشيفيرين ان هذا هو التوقيت المناسب للمنافسه على رئاسة الفيفا. وان استضافة إسبانيا والبرتغال إلى جانب المغرب لكأس العالم القادمة عام 2030، فرصتة للحصول على دعم الأوروبيين للإطاحة بإنفانتينو.