Home / قضايا ثقافية / قضايا ادبية / شهداء أنصار: وحدن بيبقوا متل زهر البيلسان

شهداء أنصار: وحدن بيبقوا متل زهر البيلسان

تقول والدة الشهيدة، المعلِّمة والمربِّية نورا شمس الدين، في تقرير مصوَّر: «أوَّل مرَّة بشوف ما فيه ضحكة على وجْها. ما فيه بسمة. وجْها كان كتير تعبان. كان قلبا حاسسا». ويقول أخوها الشاعر والمترجم والصحافي محمد ناصر الدين، واصفًا كيف ودَّعت العائلة، وقبر أبيها، وقريتها سُجُد: «دخلت زينب الدار المظلَّلة بشجرة الجوز، وأحاطت بهما السماء. مشهدٌ شعريٌّ أثار شيئًا من الحزن الغامض. لاحقًا سألت والدتي عنها، أخبرتني أنَّها ذهبت لتزور قبر والدي. رأيتها من النافذة تتكئ على السياج حول القبر، وتحدِّثه. ثمَّ تبعها أولادها الأربعة وجلسوا إلى جانبها».

هكذا ودَّعت زينب أمَّها، وأخاها، وقبر أبيها، ومنبتها سُجُد؛ ثمَّ مضت وأبناءها الأربعة إلى بيتهم في أنصار، دون أن يفكِّروا في الغياب. مضوا لمعانقة أب مقاوم ينتظرهم بلهفة، ولمعانقة البيت بكلِّ ما يحمله من معانٍ: الأمان، العائلة، ورحم الذكريات. وبهذا العناق الأبدي رحلت العائلة مع البيت، رحيلًا يُحيلنا إلى رائعة الشاعر طلال حيدر، التي خلَّدتها السيِّدة فيروز بصوتها: «وحدن بيبقوا متل زهر البيلسان/ بيسكّروا الغابة/بيضلّهن متل الشتي يدقّوا على بوابي».


أصبحت زينب وعائلتها بعدما سكَّروا الطريق التي سلكوها بين سُجُد وأنصار، المطر الذي يطرق من غير توقُّف على باب قلب الأخ، الذي لم يتوقَّف لغاية اليوم عن رثائهم. رثاء أوجع كلَّ من قرأه، وأبكى الجنوب وأحباءه. الجنوب الذي لطالما حمله في قصائده ومقالاته.

نتقدَّم في مجلَّة الحصاد بالعزاء إلى الزميل محمد ناصر الدين، الذي قال: «أنذر نفسي وقلمي كي لا يتحوَّلوا إلى أرقام». ونفسح له المجال للحديث عن أفراد عائلة أخته الستَّة، الذين أبادتهم إسرائيل بغارة شنَّتها على منزلهم في أنصار، فجر 15 أغسطس (آب) 2026، كي لا ينتصر الموت والحرب على حكاياتهم وأحلامهم المسلوبة: المقاوم عليّ الحاج حسن. زوجته الشاعرة والمترجمة زينب ناصر الدين. حسن الغيُّور على جبل الريحان، ابن السابعة عشر، الذي كان يستعدُّ لدراسة الهندسة في الجامعة اليسوعيّة. زهراء، ابنة الخامسة عشر، التي حملت من الذكاء العاطفي ما جعلها الأقرب لأخوتها وجدَّتها أخوالها وصديقاتها. حسين، ابن الثالثة عشر، الشغوف بالضحك والحياة. وعبَّاس الطفل البريء المسالم ابن الحادية عشر.

«متل زهر البيلسان»

لم يترك ذلك المارد بقامته الممشوقة، معركةً ضد العدو، منذ حرب تموز 2006، إلَّا وخاضها. أذكره في تلك السنة، كان وزينب في فترة تعارفهما، راجعًا من الحرب بعد انتهائها مباشرة، يحمل فوق ثيابه عبقًا من تراب الجنوب، وكأنَّ زهر البيلسان الأبيض نبت في بدلته المرقَّطة عند القلب تمامًا. كان قد قاتل لشهر كامل عند مارون الراس، التي استمرَّ فيها القتال حتَّى آخر يوم في الحرب. كان عليّ ورفاقه يسومون «مركبة الرب» الذلَّ والهوان بصواريخ الكورنيت، وشمس الجنوب تضيء لهم الأفق في ثأر أرضهم القديم.

كان اسمه «مالك» بين رفاقه المقاومين، الذين قالوا: «إذا ما اشتدَّ النزال، وعظُم وطيس الحرب، صحنا: يا مالك». وحين اشتدَّت المعركة هذا العام قرب قلعة الشقيف، وحاصر العدو تلَّة علي الطاهر، كان هناك، يدافع عن شرف الأمَّة الباقي عند ذلك المرتفع الصغير، حاملًا في جيب بدلته صورة أيقونية للعذراء، وسبّحة أهدته إيَّاها إحدى راهبات دير معلولا، وصورة لأولاده الأربعة، الذين وعدهم باللقاء بعد ستَّة أشهر، لم يرهم فيها إلا لدقائق.

في ذلك الليل، وبينما كانت الطائرات تحوم فوق مرتفع علي الطاهر كالدبابير، خرج مالك بمعجزة ليصل إلى عائلته في أنصار. ربَّما رأت إحدى المسيَّرات التي تغطِّي الجنوب عناقًا طويلًا بين أب وعائلته في ذلك البيت المجنَّح على طرف الوادي، وهي تبحث عن الثأر لجنود جيشها القتلى. مات عليّ طاهرًا مطهّرًا، وسيبقى يُقال له حتَّى آخر الزمان: «علي الطاهر».

«ضوَّيت ورد الليل ع كتابي»

لا أذكر زينب إلَّا وهي جالسة تحمل كتابًا، عند الممر الطويل المظلَّل بالعريشة، في بيتنا الحجري في عربصاليم، القرية التي نزحنا إليها، بعد أن هجَّرنا العدو من قريتنا أعالي جبل الريحان (1985). كنَّا أنا وإخوتها الثلاثة فتيةً، نزجي الوقت بلعب الكرة والسباحة عند النهر أسفل الوادي. كنَّا مشدودين إلى الأرض والتراب والماء، بينما كانت مشدودة إلى كتابها.

كانت زينب نسمة الرحمة في بيتنا، والمثقَّفة التي لوَّنت مكتبة أبي الكلاسيكية بالكتب الملوَّنة بمختلف أنواعها الأدبية: قصيدة النثر، ومشاكسات نوال السعداوي وروايات ماركيز. إضافة إلى مكتبة فرنسية كاملة، خطَّت على صفحات كتبها شغفها بهذه اللغة، ودوَّنت عليها ملاحظاتها. لاحقًا انتقلت بشغفها هذا إلى دراسة الترجمة، وحصلت فيها على درجة ماجستير بتفوق، ثمَّ ترجمت إلى العربية كتابين من روائع الأدب الفرنسي: «أحدب نوتردام» و«الفرسان الثلاثة».

كانت تنتظر عودة زوجها المقاوم إلى الدار بعد كل جولة نزال له مع العدو، وقد كتبت له رسالة مؤثِّرة تصلح كمادة تُدرَّس في أدب الحبِّ والانتظار، ختمتها بالقول: «وجهك المليء بالقمح، كيف أُبعد عنه طيور قلبي».

أمَّا زينب الأم، فكانت مع أولادها الأربعة أشبه بمن يرعى ورود الحديقة. كلُّ وردة تحمل لونًا وسحرًا مختلفًا لكنها تُسقى بماء واحد. زرعت زينب فيهم قيم الشرف والغيرة على الوطن والسعي في طلب العلم، وكلُّ ما يجعل منهم عائلة نموذجية.

لن ترحل زينب، سنظل نخرج معًا بدرَّاجتنا الهوائية أيَّام الطفولة، أضعها خلفي، وتشدَّني مخافة أن تقع، ثمَّ نضيع في الضباب.

«بيسكروا الغابة»

يروي هذه الحادثة قريبنا الشاعر الراحل محمد علي شمس الدين: (حين أطلَّ حسن من بوابة الدار، لابسًا بدلة عسكرية مرقَّطة، وحاملًا كلاشينكوف بلاستيكية، وواضعًا صورة السيِّد على جيب بدلته؛ أردت أن أختبر فطرته، وأن ألمس بحيلة بسيطة ما زرعه صاحب الصورة في قلوب محبِّيه. أشرت له ليقترب، ثمَّ همست في أذُنه: «هل تعلم يا حسن أنَّ جيش العدو سيأتي غدًا، ويفكُّ جبل الرفيع بصخوره وأحجاره، ثمَّ ينقله إلى مكان آخَر خلف الحدود؟ جبل الريحان سيغادر موقعه». نظر الولد إليَّ مشدوهًا بعينيه الذكيتين، ثمَّ اختفى خلف سياج الحديقة. غرقت بعدها في أوراقي، لأسمع نشيجًا يتصاعد شيئًا فشيئًا، ويختلط بصوت النهر القادم من وادي الزهراني. صوت لا يشبه بكاء الصغار، بل أشبه بحديقة تبكي. نحَّيت أوراقي جانبًا واقتربت من السياج، فرأيته يضع رأسه بين كتفيه قرب وردة «المستحيِّة»، التي زرعتها جدَّته نورا ويسقيها بدمعه، ويقول: «كيف بيفكُّوا الجبل، ونحنا منرضى؟». وقفت أمامه مشدوهًا. ثمَّ ناديته، وحضنته كأنِّي أحضن الجبل والنهر معًا: «يا حسن. يا أبو علي. يا حبيبي. كانت مزحة فقط، لن يفكَّ الجبل أحدٌ، انظر إليه ها هو في مكانه». انفرجت أساريره قليلًا، ثمَّ ردَّ لي الصاع صاعين: «اسمع. إن لم تكن تمزح، سأرميهم ببندقيتي، وأدمِّرهم مثلما دمَّر السيِّد البارجة»).

لو كان لي أن أكمل ما بدأه شمس، لقلت: كان ذلك الزمن زمانًا مخمليًّا، لا يشبه اليوم في شيء. فاليوم نزلت أطنان القنابل الثمانين على بطله، وبعده بسنتين نزلت صواريخ تلك الطائرة الغادرة على حسن وهو نائمٌ في فراشه. لكن جبل الرفيع لم ولن يغادر موقعه.


«ضوِّي قناديل وانطر صحابي»

كان لزهراء عينين زرقاوين، وضفائر شقراء، ووجهًا مضيئًا كبدر رقيق ومكتمل يقف في ليالي الصيف فوق تلال الريحان. أحبَّت زهراء كرة السلِّة والموسيقى، وطلبت من قريبنا العازف المحترف أن يعطيها دروسًا في البيانو. كانت قبل كلِّ مباراة لكرة السلِّة، تحتضن رفيقاتها واحدةً تلو الأخرى. تقول رفيقتها أنَّها تتخيَّلها في سُجُد، تحضن جميع نباتات الحديقة، والغيوم فوق الجبل، والنجوم، وأكواز التين في منزل جارهم «حسن أسعد».
رأت في أخيها حسن القدوة والصديق. تنتظره عند باب المدرسة ليصحبها إلى البيت، يريحها من ثقل حقيبتها، وتضع رأسها على كتفه. ولطالما أعانت حسين في كتابة مسرحياته الساخرة، وتصويرها. وكانت الوحيدة القادرة على ضبط عبَّاس المشاكس، تخترع له حكاية فيُنصت لها بكل جوارحه. كان ولدي الأصغر ألكسندر، المشاكس هو الآخر، يأخذ وقتًا طويلًا للاختلاط بالأولاد في دار جدَّته، لكنَّها كانت الوحيدة القادرة على سحبه من عزلته، تهمس في أذنه بكلمات أشبه بشيفرة سريَّة بينهما، فيتحوَّل في لحظة إلى مشارك للأولاد في ألعابهم.
ما أوقح هذا الموت يا زهراء! لكنَّه حتمًا أخطأ الرمية. ستبقى تنتظرك الصديقات، وكلَّما ارتفعت فوق سُجُد نجمةً، ستُضاء لأجلك قناديل الأغنية.


«صرِّخ عليهم بالشتي بلكي بيسمعوا»

كان حسين روحًا تفيض على العائلة طرافة وضحكًا وشقاوة. أذكره في طفولته في بيت الجدِّة نورا الممتلئ بالأحفاد، آتي في زيارة خاطفة، لأستمتع بطبق «ورق العنب» الشهير من يديها، فأتفاجأ بحسين ذي الأعوام الأربعة، بشعره الطويل، وقد حضَّر لي عرضًا كوميديًا باستخدام الوسادات وكلِّ ما وقع تحت يديه من: أدوات المنزل، وعدَّة الطبخ، وملابس جدته، وثياب أخواله. تارة يصنع من الوسادات بيتًا، وأحيانًا حلبة للمصارعة، وطورًا سدًّا للعبة كرة القدم يطيح به بركلة. أسرتني طاقته، وحجز منذ ذلك الوقت مكانة في قلبي، وصرت أطلب من زينب أن يرافقني في عطل نهاية الأسبوع إلى القرية مع أخيه الأكبر حسن وابني مهدي.

مع الوقت، طوَّر حسين مسرحياته الكوميدية، وصنع فيديو هات ساخرة قلَّد فيها الإعلانات التجارية، ولهجات المناطق اللبنانية المختلفة، ومفارقاتها الاجتماعية، مُشركًا أفراد العائلة فيها بذكاء وقَّاد. كانت أختي تقول أنَّه يمرُّ بلمحة على واجباته المدرسيَّة، فتلومه مطالبة إيَّاه بمزيد من الوقت، لكنَّه يفاجئها دومًا بالعلامات الكاملة في جميع المواد، وبحصوله على المرتبة الأولى.
صرنا منذ عدَّة سنوات، نحجز ملعبًا للكرة في بيروت، وننقسم إلى جيلين، ولطالما أصرِّيت على أن يلعب في فريقي. أطلب منه أن يقف عند الزاوية اليمنى للمرمى، وأعده أنِّي سأنهي المراوغة وأحطِّم السد، كما كان يفعل بلعبة الوسادات في طفولته، ثمَّ أمرِّر له الكرة لينكزها بقدمه.
ستبقى هذه الجهة اليمنى فارغة يا حسين، والجهة اليسرى أيضًا، وكذلك الجدران التي كنت تملؤها فرحًا وبهجة. ليتك تعود إلى الملعب وتعيد لي الطابة، سأبدِّل الخطَّة حينها، لعلَّك تستجيب لمرَّة واحدة: «صرِّخ عليك، بلكي بتسمع!».

«هجِّ الحمام بقيت لحالي»

تروي معلمة عبَّاس: (أردت يومًا من الأطفال المشاركين في أحد الأنشطة، أن يبصموا على الورقة، كدليل على موافقتهم على مضمونها. لم يعترض أيٌّ منهم، باستثناء الطفل الأشقر، الذي كان رفاقه يسمُّونه «السويدي» تندرًا. أخبرني أنَّه سيتريَّث حتَّى نهاية الصف. أحسست بالحرج قليلًا، لكنِّي تابعت حتَّى انتهت الحصة، حينها توجَّهت إلى عبَّاس، الذي طلب أن أشرح له البنود التي يجب أن يبصم عليها. ضحكت من دقَّته ومشاكسته، وحين انتهيت من شرحها، نظر إليَّ قائلًا: لست موافقًا. لا أريد أن أبصم).
كان عبَّاس صديقًا للببَّغاء اليتيم «كوكو»، الذي تنقَّل أثناء الحرب بين بيوت عديدة، واستقرَّ في النهاية مع عائلة أختي. كما استطاع أن يكوِّن صداقة مع القطَّة «نجمة»، التي كانت تعيش في بيت خاله حسن، وظلَّ طوال فترة الحرب يتسقَّط أخبارها، لدرجة أنَّه أقلق راحة أخي، الذي لم يشأ أن يخبره أنَّها ماتت عند قصف منزله في الضاحية، لئلا يكسر قلبه.
وهكذا جمع عبَّاس في قلبه العدوين: الببغاء والقطَّة.
بعد استشهاده، وجدنا في دفتره المحنَّى بدمه رسمةً لقطَّة بجناحين تطير إلى السماء، وببغاء يهرب من القفص بحثًا عن أمِّه، لكن لم نجد توقيعه.
أمثال عبَّاس، لا أحد يستطيع أن يأخذ بصمتهم أو توقيعهم في زمن الذل والعار، حتَّى ولو هجَّ الحمام وبقوا وحدهم إلى الأبد.