Home / ﻗﺿﺎﯾﺎ ﺳﯾﺎﺳﯾﺔ / عودة التعليم في غزة ..!

عودة التعليم في غزة ..!

 متكئين على جراحهم الغائرة عاد نحو سبعمائة ألف طالب وطالبة من قطاع غزة للدراسة بعد انقطاع ثلاث سنوات من الإبادة التي سحقت آدمية المنطقة حيث سيطرة الخوف والجوع التي يصبح فيها التعليم أقرب للترف منه للحاجة الإنسانية حين تعمدت اسرائيل المساس بإنسانية البشر وملاحقتهم بالقتل وإصابتهم باليأس كما يقول وزير المال الإسرائيلي المتطرف بتسلئيل سموتريتش الذي لم يتنازل بعد عن إزاحة الكتلة السكانية المتواجدة في غزة خارج المكان والسيطرة على القطاع بل والعودة لإقامة مستوطنات يقول أن الحل الوحيد هو ” تيئيس الفلسطينيين وإفقادهم الأمل وجدوى البقاء ” والتعليم هو الأمل بالنسبة للفلسطينيين .

لقد كان للتعليم في خمسينات القرن الماضي الفضل في رفع كفاءة ووعي الشعب الفلسطيني  حيث بدأ مبكراً مباشرة بعد النكبة بالإصرار على التسلح بالعلم كان التعليم يتم في الخيام الباردة في الشتاء بعد أن فقدوا كل شيء فقد رأى الفلسطينيون فيه الوسيلة الوحيدة لإستعادة الحلم المفقود وإذا ما راجع الفلسطينيون تاريخهم سيكتشفون أن أنوية القوى الفلسطينية التي قادت فصائل التحرر الوطني هي الطلاب واتحاد الطلاب الذي كان يرأسه في القاهرة في خمسينات القرن الماضي زعيمهم التاريخي ياسر عرفات ومجموعة طلاب الجامعة الأميركية في بيروت وبالتالي كان الرهان على التعليم مسألة وجودية حتى العائلات الفقيرة التي هاجرت من البلاد وفقدت كل شيء رأت في تعليم الأبناء ما يعوضها هذا الفقد ويمكنها من الحياة إذا ما تمكن الإبن من أن يصبح مؤهلاً تعليمياً ليجد فرصة تعيل أسرة خسرت كل مصادر دخلها بعد أن تحولت إلى لاجئة تعيش على مساعدات وكالة الغوث .

 ومن المؤسسات التعليمية والمدارس كانت تنبثق الحركة الوطنية والقومية في ستينات القرن الماضي كإمتداد للمد القومي في قطاع غزة باحثة عن سؤال الحرية والعودة وهي تصنع مناخاتها الثورية تمهيداً لبعث الحركة الوطنية من جديد في تلك المدينة الساحلية الوحيدة التي تبقت بعد احتلال اسرائيل لكل الساحل الفلسطيني وتمت السيطرة على مدن السواحل جميعها وفقط تبقت غزة لتتكفل بإعادة بعث المشروع كان التعليم واحداً من أبرز مقومات البعث الجديد.

 توقف التعليم كلياً في غزة أثناء الإبادة فالنار كانت أكبر من كل شيء والدمار سحق كل شيء فمن سيسأل عن التعليم أثناء حرب مروعة وشرسة شكلت تهديداً وجودياً للجماعة الفلسطينية بشكل عام وتهديداً لأرواح الأفراد الذين لم يكن لديهم أولوية سوى النجاة من الموت فقد كان الخوف أكبر كثيراً من التفكير بالتعليم الذي يحتاج إلى قدر من الراحة النفسية وتلك إصيبت بإضطراب كبير إذ كانت الناس تتحرك مذعورة أثناء الحرب ما جعل التعليم في تلك الظروف حالة ترف أبعد كثيراً من احتياجات أو تهديدات اللحظة ولا أحد يسأل عن التعليم في ظل مجاعة أكلت أجساد البشر وصلوا لأن يطحنوا علف الحيوانات لكن الأهم أن العنف والإرهاب الإسرائيلي دفع الناس للهروب ولتغيير أماكن نزوحهم وأولادهم مرات كثيرة البعض نزح أكثر من عشر مرات وهذا يضاف للأسباب التي ذكرت فالتعليم على الأقل يحتاج لثبات في المكان وهذا لم يتوفر في حرب كان الإسرائيلي يطالب الناس بإخلاء المدن والمناطق بدء من بيت لاهيا شمالاً حتى رفح جنوباً .

 منذ الأيام الأولى للحرب وفي سبيل خطة الإقتلاع وفقدان الأمل قامت اسرائيل بإستهداف المدارس والكليات والجامعات مبكراً وكان المثال الصارخ أن يتم استهداف جامعة الأزهر بفرعيها في مدينة غزة ومنطقة المغراقة حيث جرى نسفها وإذا كانت اسرائيل تستهدف حركة حماس ومؤسساتها بضمنها الجامعة الإسلامية فإن في تدمير جامعة الأزهر التابعة لحركة فتح ما يعيد التأكيد على أن الإستهداف للعملية التعليمية أبعد من الإنتقام من حماس بهدف إبادة التعليم .

 وبإسم ما قالت اسرائيل أن بعض موظفي وكالة غوث وتشغيل اللاجئين شاركوا في هجوم السابع من أكتوبر شنت اسرائيل حملة شعواء على الوكالة وقامت بإستهداف مدارسها فالوكالة تلعب الدور الكبير في العملية التعليمية حيث مدارسها المنتشرة في القطاع فهي تتكفل بتعليم أبناء اللاجئين مجاناً والذين تبلغ نسبتهم 66.1% أي النسبة الأكبر من الكتلة الديمغرافية بمعدل الثلثين للقطاع الذي بلغ عدد سكانه قبل الإبادة حوالي 2.2 مليون نسمة فقد بدأت بضرب واستهداف المدارس التابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين ولم تبق مدرسة واحدة لم يطالها الإستهداف الذي توزع بين تدمير كلي للمدارس وتدمير جزئي .

ونظراً للنزوح الأكبر الذي طال مدناً كاملة وبلدات وتدمير الكثير من البيوت واعتقاد السكان المذعورين الذين تلاحقهم الطائرات والدبابات  بان ما تبقى من مدارس للوكالة من هياكل أو بعض الجدران أنها تحظى بنوع من الحماية بإعتبارها تتبع منظمة أممية فقد نزحت العائلات لتلك المدارس سكنت ما تبقى من غرف دراسية وأقامت خيامها في ساحاتها  بل وأبعد من ذلك في ظل منع اسرائيل دخول الوقود والغاز فقد استخدمت الناس الأثاث المدرسي للتدفئة وللطهي وهذا طبيعي في سياق صراع البقاء الذي فرضته اسرائيل أثناء الإبادة هذا في ظل مناخات ألقت بالتعليم والعملية التعليمية خارج قائمة الأولويات عندما أصبح الفرد يتعرض لتهديد وجودي ويصارع من أجل البقاء .

أما حول خسائر القطاع التعليمي فقد بلغت حوالي ثلاثة مليارات دولار أميركي نتيجة الدمار الواسع الذي طال البنية التحتية والمؤسسات التعليمية فما تعرض للتدمير من المدارس والمؤسسات التعليمية سواء كلية أو جزئية ما بين 90% إلى 98% في إطار عملية تجهيل وكي وعي الفلسطينيين  وتلك لم تكن مصادفة بل عمل إبادي منظم يتوافق مع الإبادة لكل شيء في غزة في إطار الكليات الإسرائيلية التي يعبر عنها أكثر وزراء الحكومة الإسرائيلية تطرفاً ، يحاول الفلسطينيون في غزة النهوض من تحت الرماد واستعادة حياتهم الطبيعية وسط  أكوام الركام ، يحاولون العودة للتعليم وسط إنعدام الحد الأدنى الممكن لأية عملية تعليمية وعدا عن البنية التحتية والمباني اللازمة والأثاث كضرورات أساسية لا بد منها لكن الحصار الإسرائيلي المستمر للقطاع حتى بعد أن تم توقيع اتفاق وقف الحرب في التاسع من أكتوبر للعام الماضي قبل أكثر من عام إلا أن دخول الكتب والدفاتر والقرطاسية والمواد اللازمة للتعليم تشهد شحاً وانعداماً لا يؤهل لعملية تعليمية إذ يشهد القطاع نقصاً فادحاً وحده كفيل بإحداث أزمة كبيرة للتعليم .

بعض المؤسسات التعليمية قامت بإستئجار بيوت أو بقايا هياكل بيوت أو عمارات لا زالت قائمة وتحويلها إلى مدارس بالحد الأدنى الممكن في ظل ظروف غاية في التوحش والصعوبة تترافق مع قصف يومي يسمعه التلاميذ والأطفال يشتت تركيزهم ويثير الذعر اليومي ويفسد الأجواء المطلوبة للتعلم وهناك صعوبة شديدة بإخراج النازحين من بقايا المدارس التي تعرضت لهدم جزئي فمساحة الأرض التي تبقت والتي تشكل 30% من قطاع غزة بعد احتلال اسرائيل ل 70% وإخلائها جعلت المكان شديد الإزدحام ، الخيام تنتشر في الشوارع والأماكن التي كانت فارغة وساحات المدارس وبين ركام الحامعات ولا مجال حتى لإستخدام ما تبقى منها فالعودة عودة صعبة بعد تحطيم كل شيء .

تتمثل المأساة بأن مجموع الطلاب الذين تقدر عددهم  الأوساط التعليمية بأنهم بدأوا مسيرتهم التعليمية الشهر الماضي بعد انقطاع ثلاث سنوات أحدثت فجوة كبيرة في الحياة الدراسية والتي لا يمكن تعويضها وتتمثل بصعوبة نقل الطالب لثلاثة أعوام  كاملة  ليتلاءم المنهاج القائم مع المستوى العمري أو من الصعب العودة لإكمال السنة الدراسية حيث توقف بما لا يتناسب أيضاً مع مرحلته العمرية وتلك معضلة تجعل من استكمال عملية تعليمية طبيعية في غاية الصعوبة تضاف للتعقيدات المذكورة السابقة لتجعل من التعليم عمل شاق وليس بذلك المستوى المطلوب الذي يمكن أن يتم الإعماد عليه لبناء الجيل .

أما المسالة الأبرز ولو توفرت كل عوامل النجاح للعملية التعليمية فإن ال 700 ألف الذين التحقوا بالتعليم هم من الذين تعرضوا لأبشع إبادة في القرن ونزحوا وهربوا وجاعوا وخصوصاً أن الطالب الذي يلتحق ببقايا مؤسسة تعليمية في ظل نقص مقوماتها يعود للمبيت في خيمة يواجه كل أنواع العذاب بالحر أو البرد أو الحشرات أو انقطاع الكهرباء الضرورية للمراجعة أو للقراءة والكتابة حيث انعدام الرؤية وإنعدام الراحة أو الخصوصية التي تتطلبها القراءة والكتابة .

 لكن ما هو محزن أكثر هو أن هؤلاء الذين التحقوا بالدراسة أو ما يشبهها فقدوا البيت والذكريات والشارع ونزحوا من المكان الذي عرفوه والكثير منهم يذهب محملاً بوجع اليتم وفقد الأب أو الأخ أو الأم أو القريب أو الحبيب أو زميل الدراسة فقد عادوا بعد انقطاع محملين بالوجع وبعضهم ربما فقد جزء من أطرافه فقد بلغت نسبة الجرحى حوالي 10% من سكان القطاع أي أن واحداً من كل عشرة طلاب مر بتجربة الجريح الجسدي يضاف للجرح النفسي الذي يشمل غزة كلها .

تقرير وزارة التربية والتعليم الذي يعطي الإحصائية الصادمة  حتى السابع من أكتوبر هذا العام من خلال الإبادة التي امتدت لثلاث سنوات يكشف أن اسرائيل قتلت 19.189 طالباً وطالبة في المدارس و 1386 طالباً وطالبة في الجامعات فيما أصيب 28.586 طالباً مدرسياً و3082 طالباً جامعياً بجروح متفاوته أما على صعيد الكوادر التعليمية والإدارية فقد قتلت اسرائيل 805 من العاملين في المدارس و246 من المحاضرين والموظفين في الجامعات بالإضافة إلى اصابة 3298 في المدارس و1493 من الجامعات وحسب التقرير فقد دمر الإحتلال بشكل كلي أكثر من 178 مدرسة حكومية في قطاع غزة وأكثر من 150 مدرسة تابعة لوكالة الغوث إلى جانب التدمير الكلي لأكثر من 63 مبنى جامعي .

 كان الفلسطيينون في قطاع غزة يتغلبون على قسوة الواقع في سبيل مواصلة العملية التعليمية من خلال افتتاح أكثر من 700 نقطة تعليمية وتعلمية في مختلف مناطق قطاع غزة وتم إنشاء 12 مدرسة افتراضية لخدمة طلبة غزة داخل فلسطين وخارجها فقد اضطر عدد كبير من الفلسطينيين لمغادرة القطاع أثناء الحرب إلى مصر وهم ليسوا جزء من النظام التعليمي فيها لذا تقدم لهم المدارس الإفتراضية تلك الخدمة الهامة للتغلب على حالة التشتت الذي فرضه واقع الحرب .

 من الصعب الحديث عن عملية تعليمية في ظل واقع يفتقر للحد الأدني أو عندما يخوض البشر صراع البقاء يتحركون وسط الركام تنعدم فيه الكهرباء والشوارع والكتب ومقومات البقاء والإستقرار ووسط تهديدات اسرائيلية لم تتوقف بتهجير سكان القطاع وهي في سبيل ذلك تحول الحياة إلى حجيم لتصبح طاردة أو حسب خطة بن غفير بتهجير طوعي لذا بانت المسألة التعلمية والعودة إليها في قطاع غزة نوع من المستحيلات أم المعجزات التي يقوم بها شعب اعتاد أن ينهض من تحت الركام ليعلن حضوره في كل مرة .