Home / قضايا ثقافية / قضايا ادبية / الخوارزمية تتعلم مما نحب ونكره ونخاف

الخوارزمية تتعلم مما نحب ونكره ونخاف

هل يمكن للخوارزميات أن تعيد تشكيل وعينا، أو أن تمنح الإنسان خلودًا رقميًا بعد الموت؟ وأين تنتهي سلطة التقنية وتبدأ المساحة التي لا تزال ملكًا للروح؟

من هذه الأسئلة الشائكة، نفتح نافذة على عالم الكاتب والباحث الأردني المتخصص في الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي والخوارزميات  رائد سمور الذي جمع بين شغف الأدب وعمق الفكر التقني.مؤسس ومدير مركز «ريفلكت» لدراسات التطور التقني وأثره في الإنسان. وعضو في رابطة الكتّاب الأردنيين.

 يستكشف سمور في كتاباته تقاطعات الذكاء الاصطناعي والوعي والحرية وحقوق الإنسان. في هذا الحوار الحصري لمجلة الحصاد نقترب من رؤيته لمستقبل الإنسان في العصر الرقمي، ومن إيمانه بأن الأدب يظل مساحة إنسانية عصية على الاختزال، وأن ما يمكن قياسه في الإنسان ليس الإنسان كله.

مجلة الحصاد: قبل أن نغوص في عوالمك الفكرية المتشعبة من هو رائد سمور، بعيدا عن الألقاب والمؤلفات؟

رائد سمور :حين تسألينني من أنا بعيداً عن الألقاب والمؤلفات، أعود إلى طفل اكتشف مبكراً أن للكلمة حياة، وأن الإنسان يستطيع أن يترك شيئاً من روحه على الورق. جاء الأدب أولاً، وكان قلم الرصاص رفيقي قبل أية معادلة رقمية أو شفرة برمجية. كتبت في العاشرة تقريباً أول قصيدة حب طفولية، وحين أُحرقت أمامي بعض كتبي بسببها، قلت لوالدي إنني أشتم رائحة قلبي يحترق. يومها فهمت أن النار تستطيع أن تحرق الورق، لكنها لا تستطيع أن تحرق الرغبة في المعرفة. ومن الإذاعة المدرسية ولد حلم الصحافة، والرغبة في أن يكون للحقيقة صوت يتجاوز جدران المدرسة. وحين أخذني الطريق لاحقاً إلى التقنية، اكتشفت أنني لم أغادر الكلمة، بل كنت أتعلم لغة جديدة لرؤية الإنسان.

مجلة الحصاد: حين أقرأ لك في “هندسة الوعي” أو “عسكرة الذكاء الاصطناعي”، ألمس أنك لا تتعامل مع الخوارزميات كأدوات صامتة، بل كقوى تعيد تشكيل عقولنا في صمت وهدوء لا يخلو من الخطر فهل تخشى فعلا أن يتحول إنسان اليوم إلى “مستخدم مبرمج” دون أن يشعر بذلك، وأين نجد طريقنا إلى الحرية الفكرية وسط هذه الهيمنة الرقمية المتصاعدة؟

رائد سمور :أنا لا أخشى الخوارزمية، بل اللحظة التي تتحول فيها من أداة لتنظيم المعلومات إلى وسيط ما بين الإنسان والعالم، ثم ما بين الإنسان وذاته. فالسلطة الخوارزمية لا تمنعك من التفكير، لكنها تستطيع التأثير في ما سيكون متاحاً لك لكي تفكر فيه أصلاً. وهنا يصبح استحضار  الفيلسوف “غرامشي” ضرورياً، لأن الهيمنة الأعمق هي التي تجعل الإنسان يشارك في قبولها وإعادة إنتاجها.

الخوارزمية تتعلم مما نحب ونكره ونخاف، ثم تعيد تشكيل بيئتنا الرقمية، فيظهر ما أسميه المستخدم المبرمج وأعني به أن الإنسان يعتقد أنه يختار، بينما البيئة التي يختار داخلها صممت ورتبت مسبقاً. 

ومع تحول البيانات والذكاء الاصطناعي إلى أدوات قوة اقتصادية وسياسية وأمنية وعسكرية، لن تكون معركة المستقبل ما بين الإنسان والآلة، بل حول من يمتلك القدرة على تعريف الواقع للإنسان. لذلك لا تكمن الحرية في الهروب من التقنية، بل في أن نفهم كيف تعمل فينا، وأن نستخدمها دون أن نسمح لها بأن تعيد بصمت هندسة وعينا.

مجلة الحصاد: في “الموت الوجودي وبعث الذكاء الاصطناعي” تجرؤ على طرح ما لا يجرؤ كثيرون على الاقتراب منه: التقاء الفناء بالإدراك التقني فهل ترى في سعي الآلة إلى “خلود رقمي” مجرد هروب بشري من رعب الموت، أم أنها إرهاصة لنهاية تعريفنا التقليدي لما يعنيه أن نكون بشرا؟

رائد سمور :أعتقد أن الآلة لا تسعى إلى الخلود، بل الإنسان هو الذي يحمّلها خوفه القديم من الفناء. ومن هنا جاءت عندي فكرة الموت الوجودي، فهناك موت بيولوجي يتوقف فيه الجسد، وموت وجودي ينقطع فيه أثر الإنسان وحضوره في الذاكرة. والإنسان يحاول منذ نقش اسمه على الحجر مقاومة هذا الموت الثاني. الجديد اليوم أن الأثر لم يعد صامتاً، فقد أصبح ممكناً بناء نموذج من صوت الإنسان وصوره وكتاباته وسلوكه يستطيع محاورتنا بعد موته. وهنا تهتز الحدود ما بين الغياب والحضور، لكن علينا ألا نخلط ما بين المحاكاة والاستمرار. فقد نحفظ الذاكرة ونحاكي الهوية سلوكياً، لكن ذلك لا يعني أننا استطعنا نقل الوعي أو شعور الإنسان بذاته.

وهنا يبدأ البرزخ الجديد ما بين الإنسان والآلة، إذا صنعت نسخة رقمية كاملة مني واستمرت ما بعد موتي، فمن الذي نجا، أنا أم نسخة تعتقد أنها أنا؟ لذلك أرى أن الخلود الرقمي، حتى الآن، خلود تمثيلي لا وجودي. قد تبقى صورتي وصوتي وأفكاري وأثري، وربما تجعلني التكنولوجيا غير قابل للنسيان، لكنها قد تظل عاجزة عن جعلي غير قابل للموت

مجلة الحصاد: عرفت بحضورك التقني الرصين، لكن من يقرأك عن قرب يكتشف روح الشاعر التي تسكنك، كما في “قلم رصاص حي” و”أسطورة اللوتس الأخيرة” كيف ينجو الأدب، في داخلك، من جفاف الأرقام والمعادلات؟ وهل تشعر أحيانا أن القصة القصيرة أو الرواية هي آخر ما تبقى من حصون الوجدان البشري في وجه هذا التمترس الجماعي خلف الشاشات؟

رائد سمور :برأيي أن الأدب لم يدخل في صراع مع التقنية، لأنه كان موجوداً قبلها. الكلمة كانت البذرة الأولى، والقلم سبق المعادلة الرقمية والشفرة البرمجية. لذلك لم أشعر يوماً أن علي الاختيار ما بين العقل والوجدان. التقنية تمنحني ما يمكن قياسه، أما الأدب فيعيدني إلى ما لا يمكن قياسه. 

فالخوارزمية تستطيع أن تعرف ماذا شاهدت وكم بقيت أمام الشاشة، وربما تتنبأ بما ستفعله، لكنها لا تعرف بالمعنى الإنساني لماذا أعادتك جملة إلى أمك، أو فتحت صورة جرحاً قديماً، أو أعاد لحن إليك شخصاً غائباً. هذه تحديداً هي أرض الأدب، وهنا تلتقي عندي تجربة “قلم رصاص حي” مع “أسطورة اللوتس الأخيرة”، الأولى تعود إلى الذاكرة والحب والحزن والغياب، والثانية تتخيل عالماً يحاول قياس الإنسان حتى في مشاعره.

مجلة الحصاد: في روايتك “فجر في غياب القمر” تتتبع خيوط إرهاب اليمين المتطرف وهو يتسلل عبر التغريدات والخوارزميات، في زمن لم يعد فيه القاتل بحاجة إلى قناع هل تعتقد أن كاتب هذا العصر مطالب، شاء أم أبى، بأن يتحول إلى محقق جنائي يفتش بين السطور الرقمية ليكشف الجريمة قبل أن تقع؟

رائد سمور :أعتقد أن الجريمة الحديثة، خصوصاً في العنف السياسي والتطرف، لا تبدأ دائماً لحظة التنفيذ، بل قد تبدأ قبل ذلك في بيئة اللغة والتوصيات والجماعات المغلقة والخطاب الذي يتكرر حتى يصبح مألوفاً. لذلك حاولت في “فجر في غياب القمر” توسيع مفهوم مسرح الجريمة ليشمل البيئة الرقمية التي قد تنقل خطاباً من الهامش إلى المركز، وتصنع للفرد جماعة تشاركه غضبه وتمنحه شعوراً بالانتماء.

مجلةالحصاد: برأيك، ما التحدي الأكبر اليوم أمام حماية “إنسانية الإنسان” في عالم بات يخضع لمنطق رقمي لا يعرف الرحمة ولا المرونة؟

 رائد سمور :الإرهاب الرقمي لا يبدأ بالضرورة بعبارة تقول اقتل، بل بمسار يجعل ما كان مرفوضاً قابلاً للنقاش، ثم مفهوماً، ثم مبرراً. وهنا قد لا تصنع المنصة القاتل مباشرة، لكنها تستطيع أن تصنع له الجمهور، حين تضخم خطابه وتربطه بمن هم أكثر استعداداً للتأثر به.

لذلك لا يكفي أن نسأل من أطلق النار؟ بل من صنع اللغة التي بررت إطلاق النار؟ من منحها جمهوراً؟ ومن شاهد المؤشرات ولم يتدخل؟ الخوارزمية لا تحمل مسدساً، لكنها قد تصبح جزءاً من الطريق المؤدي إليه. وهنا يمتد مسرح الجريمة من المكان الذي سقطت فيه الضحية إلى البنية الرقمية التي أسهمت في رسم الطريق الذي وصل عبره القاتل إليها.

مجلةالحصاد: أنت من كتب عن الجريمة الرقمية بلغة الرواية، وأنت أيضا عضو مؤسس في منظمة العفو الدولية بالأردن منذ سنوات طويلة فهل الرواية عندك، في جوهرها، امتداد للعمل الحقوقي بأدوات مختلفة، حين تعجز التقارير والأرقام عن الوصول إلى ما يعجز عنه الوجدان أن يتجاهله؟

أرى صلة عميقة ما بين العمل في مجال حقوق الإنسان والرواية، لكنني لا أختزل الرواية في وظيفة حقوقية مباشرة. فالتقرير يحتاج إلى الوقائع والتوثيق والرقم والقانون لتصبح المساءلة ممكنة، أما الرواية فتصل إلى ما تعجز عنه اللغة التقريرية، الإنسان قبل أن يصبح حالة، والضحية قبل أن تصبح رقماً. هي لا تلغي الرقم، بل تعيده إلى الجسد، ولا تلغي التقرير، بل تعيد إليه الوجه. وفي العصر الرقمي يتسع السؤال الحقوقي ما حق الإنسان أمام خوارزمية تعرف عنه أكثر مما يعرف عنها؟ وما حقه في ألا يصنف أو تتحول هشاشته وسلوكياته إلى أدوات لتوقعه وتوجيهه؟

هنا تصبح الرواية مختبراً أخلاقياً ينقل هذه الأسئلة من التجريد إلى حياة البشر. فالعمل الحقوقي يدافع عن حق الإنسان في أن يعيش بكرامة، والرواية تدافع عن حقه في أن يُرى إنساناً كاملاً. والخطر يبدأ حين تختزلنا المنظومات الرقمية في بيانات وأنماط، ثم ننسى أن النموذج ليس الإنسان.

مجلةالحصاد: بحضورك الواسع كخبير ومحاضر على منصات ومحطات عربية وعالمية، وبصفحتك التفاعلية التي يتابعها مئات الآلاف سعيا لرفع المناعة الرقمية، كيف تقيم وعينا التقني العربي اليوم؟ هل نستهلك التكنولوجيا بعين ناقدة، أم أننا نقع، دون أن ندري، ضحايا ل”الحقائق البديلة” ولعبة تأطير المحتوى؟

رائد سمور :أعتقد أن التحدي الأكبر ليس أن تصبح الآلة أكثر ذكاء، بل أن نقبل نحن بأن يصبح الإنسان قابلاً للاختزال الكامل داخل منطقها. فالمنظومة الرقمية لا ترى الإنسان كما يرى نفسه، بل تحوله إلى بيانات وأنماط واحتمالات ومؤشرات وسلوك متوقع. المشكلة ليست في بناء هذه النماذج، بل في اللحظة التي يتحول فيها النموذج إلى تعريف للإنسان، وننسى أن ما يمكن قياسه فيه ليس هو الإنسان كله.

ومن هنا أفهم الخصوصية بمعنى أعمق من مجرد سرية البيانات. إنها حق الإنسان في أن يبقى له جزء لا تملكه المنظومة، جانب غير مكشوف، وغير محسوب، وغير قابل للبيع والتسليع والتوقع. فالإنسان الذي يصبح شفافاً بالكامل أمام النظام يفقد شيئاً من قدرته على مفاجأته، وحين يفقد هذه القدرة تصبح إعادة توجيهه أكثر سهولة.

أعتقد أن مشكلتنا العربية ليست في ضعف استخدام التكنولوجيا، بل في الفجوة ما بين الاستخدام والوعي. قد يكون المستخدم ماهراً في المنصات، لكنه لا يعرف كيف تختار الخوارزمية ما يراه، ولا كيف تتحول سلوكياته إلى بيانات تسمح بتوقعه والتأثير فيه. لذلك هناك فرق ما بين استخدام التكنولوجيا وفهم منطقها.

مجلة الحصاد: أنت من أرسى مفهوم “مسرح الجريمة الرقمية” كحقل معرفي قائم بذاته فهل يملك الصحفي العربي اليوم الأدوات التي تمكنه من قراءة هذا “المسرح” داخل الأخبار العاجلة ذاتها، أم أنه لا يزال يتعامل مع الخوارزمية كناقل محايد للحدث، بينما هي بحسب أطروحتك طرف فاعل يشارك في صناعته؟

رائد سمور :أعتقد أن الصحفي العربي لم يعد يكفيه أن يسأل ماذا حدث وأين ومتى ومن فعل؟ فالشاشة لم تعد مجرد وسيط ينقل الواقعة، بل قد تصبح جزءاً من صناعتها وانتشارها. ومن هنا يأتي مفهوم مسرح الجريمة الرقمية، حيث قد تكون الآثار موزعة ما بين الحسابات والتوصيات والمجتمعات المغلقة وأنماط التفاعل. فالخوارزمية لا تنقل المحتوى فقط، بل ترتبه وتكرره وتقترحه وتخفض مرئياته، أي إنها تشارك في توزيع قوة الظهور. لذلك على الصحفي أن يقرأ الأثر الرقمي كما يقرأ المحقق الأثر المادي، وأن يراقب التكرار والغياب معاً، وألا يتعامل مع الترند بوصفه مرآة صافية للرأي العام، فقد يكون عضوياً أو مضخماً أو منسقاً. لقد كان الصحفي حارساً للبوابة، أما اليوم فهو يعمل داخل بوابة خوارزمية أكبر منه.