Home / ﻣﻧوﻋﺎت / وجه العراق الثقافي والحضاري

وجه العراق الثقافي والحضاري


مازال يفيض نضارة وحيويه رغم كل انواع الحصار والدمار

حين لفتت انتباهي السيده (ابتسام اّوجي) رئيسة التحرير الى خبر،تكريم الكاتبه (انعام كجه جي) باعتبارها (كاتبة افضل عمود)   ضمن الدورة الـ 25 من (جائزة الإعلام العربي)، خلال فعاليات (قمّة الإعلام العربي 2026)  في دبي. استغرقتني لحظة تأمل،للشخصية العراقيه،والنموذج الذي تطرحه السيده (انعام) ليس فقط بكونها كاتبة عمود صحفي، وانما لموهبتها بشكل عام ودورها في عالم الادب والصحافة، اعطت ومازالت تعطي بلا كلل، وبعيدا عما يحمله اي عراقي الاّن ،وهو يتابع ويشاهد ما يحدث على ارضه، من دمار وتخريب.ولا أشك لحظة ان كل عراقي ،بل كل عربي ،فكلنا -في  الهم شرق -يعتصر الما ويتمزق حسرة وشجنا، لطوفان الدم ،وحجم القسوة،والصراع الذي يدور على ارضه، بين قوى متعددة، تتشوق مكسبا، وتتعطش لمصلحة،والضحية على الدوام هو الاستقرار والامان لكل العراقيين، ومع كل ذلك فالامل لا يتوقف، ونضارة الفكروالابداع لا تتراجع،فالعزيمة لا تترنح،وجذوة العطاء لا تتعطل، والنظر الى الغد محروس بالامل، والتاريخ خير معلم. ان الاحتلال والقهر لا يدوم ،مهما قويت شوكته ،والغد ليس مرهونا بطمع المدججين بالسلاح، فالنصر في النهاية – كما علمنا التاريخ – دائما للشعوب. 

العراق..التاريخ والحاضر

حين يتعلق الأمر بالعراق،فلست بحاجة لكى اؤكد  معنى ،ان اعود لكتب التاريخ،واروي أحداث ومعارك ووقائع وشهادات واّراء، لمؤرخين عن حضارة العراق ،حين اطلق عليه الأغريق (بلاد الرافدين)،أو كما اطلق عليه العرب (أرض السواد) حيث الارض المثمره الدائمة العطاء بكرم وسخاء. لكني فقط اتوجه الى  الماضي القريب بشواهده، والحاضرالماثل بعطائه. وانبه ان العراق هو من انجب المهندسة المعماريه، التي اعادت تشكيل ملامح المدينه الحاضره، ونسجت من الخيال، لغة جديده، سواء في التكوين والتشكيل، فأبهرت، وادهشت عباقرة فن المعمار اصحاب التاريخ العظيم في التصميم والانشاء،والعراق هو من قدم ايضا الرسامه التشكيليه البارزة الفنانه (سعاد العطار) وبرزت على الساحة البريطانيه حيث اقامتها في لندن،وهي تشكل الرياده النسويه، في هذا الفن وكذلك شقيقتها الرسامه المعروفه (ليلى العطار) وتولت ( منصب مديرة المتحف الوطنى العراقي للفن الحديث) حتى وفاتها عام 1993.وكبارالعلماء في الفزياء مثل الدكتور عبدالجبار عبدالله، والدكتورجعفر ضياء جعفر ،وصفوة الشعراء مثل الجواهري والسياب ونازك الملائكه،وكبار الكتاب مثل الدكتور علي الوردي،ولا يغيب عن الذهن الأبطال الميامبن من القامات السامقه في التاريخ ،فالعراق جذور واصول وتاريخ عريض،وحتميه للأصالة والعراقه ،ولكل ذلك علينا ان لا نندهش ،ان وجدنا رغم المحنه،التي يعيشها هذا القطر العريق، واحده من تلك الثمرات الكبار،لهذه العراقه الأصيله تتبوأ وباقتدار تلك المكانه في دوره للاعلام العربي ،بصفتها (كاتبة افضل عمود) ويجري تكريمها على ذلك النحو. وعلينا في اطار هذا التكريم ومناسبته ان نمعن النظر فيما وراء هذه الكاتبه،ونطل على مسيرتها المهنية ،ونتاجها الفكري سواء في عالم الادب او الصحافه والفن، وان كان علينا ان نعرج اولا لنشأتها ودراستها .هي من مواليد (بغداد) 1952، ودرست في جامعتها، مهنه كانت قريبه الى مشاعرها، وهي الصحافة ولنقل كانت تتطلع اليها،وقد حاولت وهي لم تزل بعد في سن الخامسة عشر،ان تكتب القصة،من خلال تجربة (القصه القصيره) وكانت عن حرب (1967) كتبت قصه عن شابه اصيبت في وجهها ومعاناتها مع تضحياتها وتم نشرها في مجلة (الف باء)،ولذلك عندما التحقت بكلية الأداب(قسم صحافه)،اّثرت ان تنمي موهبتها وتصقلها فعمدت الى الكتابه في مجلة (الف باء) العراقيه،كما عملت في جريدة (الثوره) بهدف التدريب على العمل الصحفي ،وبلا مرتب ،وقد تعلمت في الجريده،وفي اطار حركة العمل أكثر مما تعلمت في صفوف الدراسة،و تقول (انعام) مع تقدمي في العمل واتساع خبرتي حدد لي راتب عشر،ثم خمسة عشر دينارا ،وبما ان اسرتي كانت ميسورة الحال، فان ذلك الراتب كنت اقوم بصرفه بما يحقق جوانب انسانيه في ذاتي .بعد ان تخرجت في عام 1972،عملت كذلك بجانب الصحافة في الأذاعه والتلفزيون كمعدة برامج ،وهي تشكل خبره جديده ،وقد اضافت  لي الكثير ،قبل ان انتقل الى فرنسا.وتستطرد في الحديث فتقول انها كانت تكتب المقال،ولا تزال  على شكل قصة قصيرة،وهي عباره تشي بحبها ايضا للأدب،وان اختصرنا الموضوع يمكننا ان نقول عنها، انها عاشقه (للكلمه) فالكلمة وسيلة للتعبير،وهي فضفاضه تشمل التنوع في فن التعبير،الذي تشكله في النهاية (الحروف). وان كانت تؤكد ان عشقها للصحافة اكبر،وهي ترى ان الصحافة مباشره في تناول الموضوع ،لكن الأدب قد يستعرض من خلال الاسلوب، وبعبارة اخري تقول ايضا ان الواقع وقضاياه ومشاكله تجد معالجاته في فن الروايه ،وليس في القصيدة ،ومع التماهي مع جماليات الوصف ،يمكن ان يستطرد على حساب جوهر الموضوع ،وتحدد ان (الأنشاء) لا تشكل فن الكتابه. في عام 1979 تأخذ الحياة مجري اّخر في مسيرة (انعام كجه جي) حيث عزمت على الذهاب في بعثه الى فرنسا لكى تستكمل دراستها وتحصل على الدكتوراه من جامعة السربون.

انعام كجه جي

وعالمها الجديد في باريس

حين وصلت الى باريس كان عليها ان تستعد للمرحله الدراسيه التي جاءت من اجلها في بعثه ،وهي الحصول على الدكتوراه،ولكن الحياه ليست بالضروره تسير في خطوطها المعلومه و المدروسه. هناك ايضا تفاعلات وتدخلات تنسجها يد القدر،فلا يبقى الحال على ماهو عليه،فقد اندلعت الحرب العراقيه – الايرانيه واعلنت رسميا في 22 سيتمبر عام 1980،وكان على الطالبه (انعام كجه جي) ان تعيد حساباتها وفقا للظروف الجديده،وهي في باريس،وعلى ضفاف السين ،وحين يصبح المكان الجديد،هو المرفأ المحتمل لأستمرار الاقامه لعدد غير محسوب في عدادات الزمن ،هنا علينا ان نتشكل مع اقدارنا في الحياة،وما قد تأخذنا معها في  مجري تخطى الأحلام والخيال ،لاسيما وانها قد شبت،وتخرجت بل ومارست العمل في صحف بلدها،وهي هوايه اّن لها ان تعرف (الأحتراف) ولذلك عنيت بالبحث عن عمل،وقد وفقت في ذلك ،وأصبحت مراسله لصحف عربيه،وعلى الأخص ان الأقامة قد تطول ،وعجلة الحياة لابد لها ان تدور،وبقيت بعد ان اوفت بقوانين بلدها في الالتزام برد مصاريف البعثة،وفي نفس الوقت عملت جاهده على الالتحاق بعمل في الصحف العربيه المهاجره في فرنسا مثل (الوطن العربي، الحوار،والدوليه) ،ثم جريدة الشرق الأوسط . وتُعد (انعام كجه جي من أبرز الكُتّاب الأساسيين في هذه الصحيفه اللندنية،وتباشر كتابة عمود للرأي تتابع فيه الشؤون الثقافية، والسياسية، والاجتماعية بأسلوبها المتميز. و كذلك مجلة (كل الأسره) التي تصدر من امارة (الشارقه)، وان كان ذلك لا يعني قطيعه مع الصحافة العراقيه،  

وانما كانت من خلال المتابعه،وذاكره ملحه عن قضاياه ،يشغل خاطرها ،كما ان التحولات المتسارعه في المنطقة بأسرها ،تحظي بالكثير من اهتماماتها ليس من خلال متابعاتها الصحفيه فحسب، ولكن ايضا من خلال تشابكات العواطف مع الدولة الأم وارتباطات الوجدان والادرك بعلاقات الدم والعواطف ومشاعر الانسان. ثم وهذا هام وأساسي ،لم تهمل دراستها،وتمكنت من الحصول على درجة (الدكتوراه) عام 1986 ،وكانت رسالتها تتمحور حول قضية صحفيه ،وكانت عن ( الحملات الصحفيه). دخلت ايضا الى عالم الصحافة المسموعة والمرئية،فهي لم تكتف أو تقتصر في عملها على الصحافة الورقية، بل عملت أيضاً في إذاعة مونت كارلو الدولية، وتولت رئاسة تحرير مجلة (المصمم العربي)التي كانت تصدر في باريس، بالإضافة إلى إخراج أفلام وثائقية تسلط الضوء على الشخصيات الثقافية (مثل فيلمها عن أول وزيره عربيه،وهي الدكتورة نزيهة الدليمي).

سلسلة اعمالها

حظيت (انعام كجي جي) باهتمام واسع من خلال كتاباتها المتميزة،وابرز ما يميزها ان الاغتراب لم يعتصر موهبتها،وانما كان انتماؤها الاساسي للمنبت،وللجذور ،فهى عراقيه وعربيه على الدوام ،وارتبطت انجازاتها الروائيه الى حد كبير،بموضوعات وسرديات عربيه،ولذلك كانت جوائزها عربيه مثل جائزة (العويس) ثم ( جائزة افضل عمود) وقد اسعدها التقدير العربي لأعمالها. 

كانت الصحفيه (انعام كجي جي ) في عام 1998على اعتاب مرحلة جديده ،من تطورها كصاحبة (قلم) كانت تلك المرحله هي ولوجها الى عالم الأدب ،واّفاق البحث والتوثيق والتأريخ ،حين أصدرت عملها الأول عن (لورنا) وسنواتها مع جواد سليم. تقـول (إنعـام كجه جي)  أيضا إنها التقت السيدة لورنا للمرة الأولى في حفل افتتاح معرضها الذي أقيم في صالة الكوفة بلندن ربیع/1988 وإنهـا بعـد الافتتاح عادت لتلتقي بلورنا، على انفراد، في القاعة لسماع تفاصيل لقائها وحياتها مع الفنان العراقي الكبير جـواد سليم.. وقـد فـتـح هذا اللـقـاء أبوابا أبعـد وأوسع، الأمـر الذي جعلها تحتفظ بأوراق ذلك اللقاء غير المنشورة لحين اخـتـمـرت في ذهنها فكرة تأليف هذا الكتاب عن لورنا .قصة الكتاب ،تستعرض قصة حب رومانسيه،تتضمن كل معاني الوفاء والعطاء،حتى وان تخللتها زفرات من الالم، وقطرات من الدموع حزينة وموجوعه ،تلتهب فيها الكثير من المشاعر،حتى وان كانت لاتنوح. ثم ..تتقاطر عبر السنوات الكثير من الابداعات الروائيه والفنيه. في عام 2004 تقدم (انعام كجي جي) عملا وثائقيا جديرا بالأعتبار،وهو عن الطبيبه (نزيهه الدليمي) وهي من مواليد (1923م)، اول امرأة تتقلد منصب وزيرة في العالم العربي وكان ذلك في العراق عام 1959،وقد تولت وزيرة الاشغال والبلديات.وقد لعبت دوراً محورياً في تأسيس (رابطة المرأة العراقية) وقد رحلت عام( 2007 ). وكانت اصداراتها التاليه تتاتبع، فأصدرت   (سواقي القلوب) عام 2005 ،ثم (الحفيده الأمريكيه)عام 2008 وفي (الحفيدة الأميركية)، اقتربت من أسئلة الحرب والاحتلال والهويّة، من خلال شخصية عراقية تعود إلى بلدها في سياق الاحتلال الأميركي، لتضع القارئ أمام صراع بين الانتماء والاغتراب وبين العراق الذي في الذاكرة والعراق الذي تغيّر على الأرض.بعدها جاءت (طشّاري)،كلمة (طشاري) هي تعبير عراقي مأخوذ من رمي طلقة صيد تنفر وتتطاير في اتجاهات متفرقة،التي وصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية عام 2014. وتتناول الرواية مصير عائلة عراقية تفرّق أفرادها في بلدان مختلفة، في صورة تعكس واحدة من أكثر ظواهر التاريخ العراقي الحديث حضورا وهي الهجرة والتشتت وفقدان المكان.

وأخيرا  

تتعدد اصدارات الكاتبه الصحفيه والروائيه (انعام كجي جي) في اعمال مختلفه،وصور متعددة، فموهبتها ذات عمق وابعاد،تختزن معها الصور،والاحداث،وتتفاعل مع خيال واسع يجيد فن الحكاء 

لذلك عرفت معنى الثراء في الانتاج والابداع ،ولم تكن تلك السطور الا محاولة للتهنئة على هامش الاحتفال .