ثمَّة شيءٌ في الأدب غامضٌ، يجعل الكاتب يكتب مشهدًا في قصيدة أو رواية، ثمَّ يتجسَّد هذا المشهد في وقت لاحق، وأحيانًا بعد رحيله.
في روايته الأخيرة «سمك ميِّت يتنفَّس قشور الليمون»، الصادرة بعد رحيله المفاجئ (30 سبتمبر/أيلول 2023)، جعل الروائي السوريخالد خليفة من مدينة اللاذقية مسرحًا أساسيًّا لأحداثها، وضمَّ متنُها أربعة رواة، تناوبوا على سرد مُلخَّص لسيَر حياتهم التي تتقاطع في مجموعة أحداث مشتركة. فالرواة أصدقاء يشكِّلون شلَّةً مكوَّنة من ستَّة أفراد، ثلاثة شُبَّان (سام، روني، موسى) وثلاث شابات (ماريانا، يارا، منال)، أطلقت عليهم -وعلى نفسها- منال لقب «المسوخ»، وأسمت الفرقة الموسيقيَّة التي شكَّلوها وهُم في السابعة عشرة من عمرهم «Black Birds»، حيث جمعتهم رغبة عارمة في تغيير العالم عبر الموسيقى، ومثَّلت حفلتهم الموسيقيَّة التي قدَّموها على مسرح الكنيسة الحدث الثاني الذي سيكرِّره الرواة، خلال قصِّهم لسلسلة أحداث، كلٌّ وفقًا لمحيطه العائلي. وجاء على لسان ماريانا، التي تستذكر حفلة شلَّة المسوخ الموسيقيَّة الأولى والأخيرة: «ما زلت أذكر ليلتنا الأولى كفرقة، يوم صعدنا إلى مسرح الكنيسة، بواسطة الخالة جورجيت، التي كانت تتحدَّث بكلِّ جدِّية عن ضرورة احتوائنا وإنقاذنا من الفلتان. تحدَّثت مع الأب أنطوان، راعي كنيسة السريان الكاثوليك، الذي وافق بعد تفكير طويل على دعوتنا لإقامة حفلة ترفيهيَّة بمناسبة عيد الفصح».
وكأنَّ خالد قد رسم في هذا المقطع ملامح عديدة من حفل «جائزة خالد خليفة للرواية» في دورتها الثانية. فقد أقيمت احتفالية ثقافية في 30 سبتمبر (أيلول) الحالي، تزامنًا مع ذكرى رحيله الثالثة، في صالة كنيسة اللاتين، في اللاذقية. وما ميَّز الحفل عن أيِّ حفل جائزة آخر هو أصدقاء خالد، الذين اجتمع منهم مَن استطاع الحضور، بحبٍّ وتلقائية بديهيَّة، مؤكِّدين بحضورهم على استمرار حضور روح خالد بينهم حتَّى في غيابه، حضورًا يليق بروائي عربي سافر بأدبه عبر العالم، وبإنسان آمن بالصداقة، وأحبَّ الحياة، وعاشها بصدق على طريقته التي تشبهه وحسب.
تُمنح «جائزة خالد خليفة للرواية» للروائيين العرب عن العمل الروائي الأوَّل غير المنشور، بمبادرة من أصدقاء خليفة، ووفاء لاسمه وإرثه، ودعمًا للأصوات الجديدة. يحصل الفائز على جائزة مالية رمزية قدرها ألف دولار أمريكي، إضافة إلى طباعة روايته في دار نشر عربية معروفة. تضمَّنت لجنة تحكيم الجائزة لهذه الدورة: الروائية الفلسطينية ليانة بدر التي ترأّست اللجنة، والروائية والناقدة السورية د. شهلا العجيلي، والناقد المصري د. خيري دومة. وأعلنت الأمانة العامة للجائزة في منتصف تموز (يوليو) الماضي عن فوز رواية «المنصرمون» للروائي التونسي الشاب عماد عليّ قيدة، التي لا تكتفي بسرد التاريخ السياسي التونسي أو اتخاذه خلفية لأحداثها، بل تدخل معه في تفاعل ومساءلة وإعادة قراءة، من خلال شخصيات بعضها واقعي وبعضها متخيَّل، وتتنقَّل أحداثها بين القرن التاسع عشر ومرحلة ما بعد الثورة في مدينة نابل.وفي تصريح خاصٍّ بالحصاد، قال قيدة عن الجائزة: «أحَبُّ الجوائز إلى قلبي تلك التي تُسمَّى باسم قامات أدبية وفكرية، لما تحمله من رمزية تخدم الكاتب الجديد، وتساهم في تخليد ذكرى الكاتب المُعلِّم. حين سمعت عن الجائزة في دورتها الأولى تحسَّرت كثيرًا كونها كانت تخصُّ السوريين فقط، لكن الوعد بفتحها في الدورة الثانية للعالم العربي جعلني أجلس مجدَّدًا إلى النص، لأشتغل عليه، على أمل أن يستجيب لمعايير الجودة في الدورة اللاحقة. والحمد لله وُفِّقت هذه السنة إلى ربط اسمي بخالد خليفة، أحد الأصوات الفنية التي أثَّرت ليس في كتابتي فقط، بل في رؤيتي وإقامتي في العالم».
أمَّا عن أهمية حصوله على جائزة أدبية عن عمله الروائي الأوَّل، فقال: «كوني مواطنًا من بلد عربي ليس الأفضل في سوق النشر، تأتي هذه الجائزة لتختصر عليَّ طريقًا مضنيًا في البحث عن الاعتراف النقدي والتغطية الصحافية. فخلال عملي في ميدان النشر والمكتبات ثمَّ الصحافة الثقافية، صادفت الكثير من النصوص التونسية المهمة التي ظُلمت كثيرًا بسبب صغر هذه السوق. لذلك أردت لروايتي الأولى أن تتجاوز خطر التجاهل، لتطرح نفسها أمام القارئ العربي وتستفيد من اهتمام النقَّاد والصحافيين قدر الإمكان. وهذا ما بدأ يتحقَّق بفضل الراحل خالد وأصدقائه الكرام، الذين أزعم أنَّني صرت واحدًا منهم».
لم يكن خالد روائيًّا فحسب، بل كان كاتب سيناريو ورسَّامًا، وله كتابات شعرية اختار ألَّا ينشرها. لكنَّه، قبل ذلك كلَّه، كان إنسانًا يعرف معنى الصداقة، ويعرف كيف يحوِّلها إلى فعل يومي يعيشه على أرض الواقع. ولهذا لم يكن الحفل الذي نظَّمته الأمانة العامة للجائزة بالتعاون مع تجمُّع «سوريون أحرار» حفلًا تقليديًّا. فقد تضمَّن، إلى جانب تكريم الفائز، معرضًا لأغلفة رواياته السبع، وبعض لوحاته، وقراءات شعريَّة مختارة من كتاباته، إضافة إلى قراءات من روايته «سمك ميِّت يتنفَّس قشور الليمون». ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل ضمَّ الحفل شهادات مصوَّرة لمجموعة من أصدقائه الذين تعذَّر عليهم الحضور. وإلى جانب العروض البصرية، التي من بينها عرض لأكثر من مئة صورة تجمعه بأصدقائه على امتداد الجغرافيا السورية والبلدان العربية والأوروبية، عُرض فيلم قصير. واختُتم الحفل بفقرات موسيقية تضمَّنت عزفًا لموسيقى شارات مسلسلاته. وعن حفل الجائزة والتنظيم قال قيدة للحصاد: «ما زلت إلى الآن أسيرًا لسحر ليلة التكريم، بدفئها وبرائحة المحبَّة التي يكنُّها كلُّ من حضر لروح متفرِّدة طبعت حيواتهم، من أصدقاء وأقارب وقرَّاء. كان التنظيم محكمًا، والاستضافة لائقة بالنسبة إلى فعالية تطوعية لا تدعمها أيَّة جهة. ولعلَّ ذلك سرُّ نزاهتها وتكريمها للنص وحده، دون تدخلات من أيَّة جهة غير أدبية».
وبذلك تجسَّد ما كتبه خليفة في روايته الأخيرة المُشار إليها، حين وصف حفلة المسوخ على مسرح الكنيسة: «وحين انتهت الحفلة، أخرجتُ سكِّينًا من جيبي، وقطَّعت أوتار الغيتار وأنا أرفعُهُ عاليًا، ما زاد من هستيريا جمهور الفتيات اللواتي كُنَّ ينتقمن من عزلتهنَّ، ويردِّدن معنا الأغنيات التي حاولن حفظها عن ظهر قلب. لن تنسى المدينة الصامتة الخجولة المحطَّمة هذه الليلة، التي لم تكن في الحسبان». وهكذا ستبقى تفاصيل هذه الاحتفالية جزءًا من ذاكرة اللاذقية، وذاكرة أصدقاء خالد، الذي حتَّى في غيابه عرف كيف يجمعهم على الفرح والأدب والفن والجمال، في مدينة أحبَّها، ومنحها دلاله. وعن اللاذقية قال قيدة للحصاد: «اللاذقية ساحرة بهوائها وبحرها وأناسها المحبِّين للحياة والثقافة. عدت منها وأنا لا أفكر سوى في الحصول على رواية (سمك ميِّت يتنفَّس قشور الليمون)، التي علمت منكم أنَّ أحداثها تدور في اللاذقية. عرفت المدينة بعيني، وسأعرفها قريبًا بعيني خالد، بعد قراءة روايته».
ووسط الحضور النخبوي والجماهيري الواسع، الذي ضمَّ روائيين وشعراء ومخرجين وممثلين وصحافيين وفنانين تشكيليين، ثمَّة ضيف خاصٌّ ظهر بين يدي صديق خالد، الشاعر منذر المصري: دفتر دوَّن خالد على غلافه الخارجي عنوان ديوانه الأوَّل الذي لم ينشره «كوتر وحيد في كمنجة متروكة»، تظهر فيه قصائد مكتوبة بخط يده. تناقله الحضور، واطلعوا على القصائد الموجودة فيه، والتي قُرئت إحداها خلال الحفل. ومن بين هذه القصائد ثمَّة قصيدة، تبدو وكأنَّما خالد يخاطب من خلالها الحضور وأصدقائه:
«لا تعرفون كيف مِتُّ
لا تعرفون لماذا مِتُّ
كلُّ ما تعرفونه
أنّني رجلٌ ميِّتٌ
وتستطيعون تعداد خصالي»
ولتعداد هذه الخصال، كانت هناك طاولة جانبية، وُضعَت عليها صورة خالد، وإلى جانبها سجل مخصَّص للحضور والأصدقاء، ليكتبوا عليه أشواقهم ورسائلهم إلى روح جالت في شوارع اللاذقية، وصالة كنيسة اللاتين، معانقةً بفرح جميع الموجودين. وظلَّ السجل مفتوحًا حتَّى انفضَّ الحضور بعدما كتب فيه مَن كتب، ليُغلق السجل وباب الصالة على اسم خالد خليفة.




