يمثل إعلان رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي في 4 تشرين الأول (أكتوبر) 2026 نقطة تحول عملياتية في الصراع اليمني بعد أشهر من التصعيد الحوثي ضد الملاحة والبنية النفطية السعودية. جاء الخطاب من الرياض، وتبعه تأكيد تحالف دعم الشرعية على تقديم دعم عملياتي كامل. ارتبط الإعلان في حينه بالتحضيرات العسكرية السعودية، وباللقاءات الإقليمية، وبالدعم الغربي، وباجتماع كمب ديفيد السري الذي عقدته رجالات الإدارة الأميركية. فما هي الظروف العاجلة والجيوسياسية التي اجتمعت في لحظة لنقل الصراع اليمني إلى واجهات جديدة؟
حرب من أجل “استعادة” اليمن:
ألقى العليمي خطابه يوم الأحد 4 تشرين الأول (أكتوبر) 2026 عبر التلفزيون اليمني من الرياض، معلنا بدء العمليات العسكرية لاستعادة ما تبقى من أراضي الجمهورية وبسط سلطة الدولة ومؤسساتها على كامل التراب الوطني. استند إلى قرارات مجلس الدفاع الوطني، وأصدر توجيهات للقوات المسلحة والأمن والتشكيلات العسكرية بتنفيذ الخطط المعتمدة حتى إنجاز المهمة. وشدد العليمي على أن المعركة لا تستهدف سكان صنعاء أو صعدة أو الحديدة أو عمران أو ذمار أو إب، ولا تستهدف مذهبا أو قبيلة، بل تستهدف استعادة المؤسسات وإنهاء مصادرة الإرادة بالسلاح. كما وجه الحكومة بإعداد برنامج متزامن لإعادة الرواتب والخدمات والإعمار في المناطق المستعادة، وجدد عرض العفو لمن يلقي السلاح.
سبق هذا الإعلان خطاب ألقاه في 26 أيلول (سبتمبر) 2026 بمناسبة ذكرى “ثورة 26 سبتمبر”، دعا فيه إلى التعبئة العامة والنفير، وفتح باب العودة الآمنة اعتبارا من اليوم نفسه لمن يترك صفوف الحوثيين. ثم أكدت توجيهات بعد يومين تسريع تنفيذ قراري التعبئة والعودة الآمنة. وجاء الإعلان بعد عمليات استهداف يمنية وسعودية في تعز ولحج يومي 3 و4 تشرين الأول (أكتوبر)، وبعد تقدم حوثي محدود في الشمايتين والمعافر بتعز في اليوم نفسه.
على المستوى العسكري، اعتبر القرار حينها أنه فتح لجبهات برية تحت إشراف سعودي. وقد أفادت رويترز في الثاني من الشهر نفسه، نقلا عن مسؤولين خليجيين وغربيين، أن الرياض تدرس خيارين:
1- دفع ساحلي لاستعادة السيطرة على باب المندب.
2- هجوم متزامن في البيضاء ومأرب وتعز والجوف.
وتدافعت معلومات عن أن الهجوم قد يعبئ أكثر من 100 ألف مقاتل يمني، بينما تتولى الطائرات السعودية الضربات. ووفقا لمسؤولين أميركيين حاليين وسابقين نقلت عنهم نيويورك تايمز أن السعودية أرسلت مستشارين عسكريين إلى الداخل لتنسيق الهجوم البري.
وتحدثت تقارير أخرى عن أن أكثر من 200 محلل استخباراتي وعسكري أميركي يقدمون دعما في مراكز قيادة داخل المملكة لتحليل الأهداف، كما توفر الولايات المتحدة تزويدا جويا للدوريات الدفاعية السعودية، دون أي معطيات حتى كتابة الورقة عن موافقة واشنطن على انخراطها في توجيه ضربات مباشرة ضد مواقع حوثية.
الأسباب الدافعة والبعد السياسي:
دفعت عدة عوامل إلى القرار. فقد سيطر الحوثيون في أيلول (سبتمبر) على ميناء المخا وجزيرة بريم وجزر حنيش، ما منحهم نفوذا أكبر على باب المندب. كما أنهم صعّدوا منذ تموز (يوليو) 2026 هجمات صاروخية ومسيّرة على منشآت أرامكو وسفن سعودية، وأنهوا هدنة 2022 فعليا في سياق امتداد الحرب الإقليمية مع إيران.
ووفق نص خطاب العليمي، استنفدت الرياض وعدن، العاصمة المؤقتة لليمن، فرص التهدئة، بينما واصل الحوثيون الحشد. وخلصت الرياض، وفق دبلوماسيين غربيين نقلت رويترز عنهم، إلى أنها لا تستطيع دخول مفاوضات جديدة ما دام الحوثيون يسيطرون على المضيق. ما يعني أن إعلان العليمي عن بدء المعركة يكشف عن بعدين:
1- سياسيا، يعيد الإعلان تموضع مجلس القيادة اليمني كطرف يتحمل المسؤولية الدستورية بعد مرحلة الاستعداد. ويربط العليمي العملية بشراكة مصيرية مع السعودية، ويدعو المجتمع الدولي إلى الدعم.
2- جيوسياسيا، يفتح الإعلان جبهة برية إضافية في حرب إقليمية بدأت قبل أكثر من سبعة أشهر، حسب توصيف نيويورك تايمز، ويربط أمن البحر الأحمر بأمن الطاقة الخليجية.
التنسيق الإقليمي والدعم الدولي
وجب فهم الحدث من خلال خلفيات تحضيرية ظهرت إقليميا. فقد التقى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في القاهرة في 15 أيلول (سبتمبر) 2026. وأكد الجانبان أن أمن السعودية جزء من الأمن القومي المصري، ودعما حرية الملاحة في هرمز وباب المندب والبحر الأحمر، وأيد السيسي إجراءات المملكة لحماية أمنها مع التمسك بحل سياسي يمني.
كما التقى ولي العهد نائب رئيس الإمارات الشيخ منصور بن زايد في الرياض في 29 أيلول (سبتمبر)، وبحثا تطورات المنطقة في أول لقاء بهذا المستوى منذ خلافات سابقة حول الملف اليمني. كما تواترت تقارير عن تواصل التنسيق مع تركيا وباكستان عبر اتفاق مكة للدفاع المشترك الموقع في 7 آب (أغسطس) 2026. فقد اجتمع رؤساء أركان الدول الثلاث في الرياض في 25 أيلول (سبتمبر) 2026، وعقدوا اجتماع اللجنة الاستراتيجية السياسية والدفاعية في 5 تشرين الأول (أكتوبر) بحضور وزراء خارجية ودفاع وقادة جيوش، تقرر خلاله تفعيل تحالف مكة دفاعا عن السعودية.
والجديد كان تقديم فرنسا وبريطانيا موارد دفاعية. فقد أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في 24 أيلول (سبتمبر) 2026 عن إرسال جنود وأنظمة رادار ودفاع لحماية ينبع على البحر الأحمر. كما أرسلت بريطانيا في 22 أيلول (سبتمبر) طائرة فوياجر للتزود الجوي الدفاعي، إضافة إلى منظومة سكاي سابر الموجودة مسبقا. كما دعت منسقة السياسة الخارجية الأوروبية كايا كالاس في 19 و28 من نفس الشهر إلى زيادة سفن عملية أسبيدس، مشيرة إلى أن سفينتين تجاريتين تنتظران في طوابير وأن دولتين أوروبيتين أبدتا استعدادا للمساهمة، بعد أن كان التقدير الأصلي يحتاج إلى عشر سفن على الأقل.
ولفتت التقارير إلى تحول لافت في المقاربة الأميركية ظهرت بعض مؤشراته. فقد ناقش كبار مسؤولي الإدارة الأميركية مسألة اليمن في اجتماع سري بكمب ديفيد في 2 تشرين الأول (أكتوبر) 2026. وترأس الاجتماع، الذي وصف بالسري قبل أن يكشف عنه لاحقا، نائب الرئيس جي دي فانس بحضور وزير الخارجية ماركو روبيو ووزير الحرب بيت هيغسيث والمبعوث ستيف ويتكوف ومدير الاستخبارات جون راتكليف ورئيس الأركان دان كين. وتناول الاجتماع خطوات الحرب مع إيران والحملة المزمعة ضد الحوثيين. وجاء هذا التطور لافتا بعدما رفض ترامب في أيلول (سبتمبر) 2026 طلبات سعودية بضربات أميركية مباشرة، لكنه أبقى الخيار مفتوحا، بينما يستمر الدعم الاستخباراتي. وما تلك التطورات إلا نتاج صدمة كبرى حين سيطر الحوثيون على المخا.
سقوط المخا وباب المندب
في 10 أيلول (سبتمبر) 2026، سيطرت قوات جماعة أنصار الله (الحوثيين) على مدينة المخا الساحلية ومينائها التاريخي في محافظة تعز غرب اليمن، بعد انسحاب القوات الموالية للحكومة المعترف بها دولياً جنوباً باتجاه ذوباب. وأعلن نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي وقائد المقاومة الوطنية الفريق طارق صالح أن القوات المشاركة في معارك الساحل الغربي، بما فيها المقاومة الوطنية وألوية العمالقة وقوات درع الوطن ووحدات محور تعز، تكبدت خسائر بشرية خلال الأيام الماضية، ووجه صالح قواته بإعادة ترتيب صفوفها وتشكيل مركز قيادة بديل في موقع آمن جنوب المخا، بالتشاور مع قيادة التحالف العربي ومجلس القيادة الرئاسي.
من جانب الحوثيين، أفادت وكالة يمن برس التابعة لصنعاء بأن قواتها سيطرت على معسكر جبل النار الذي كان مقراً لقيادة القوات الحكومية، وتقدمت داخل المخا بعد انهيار صفوف قوات طارق صالح. أضافت الوكالة أن مقاتلين حوثيين دخلوا المدينة مرددين شعارات “الموت لأمريكا الموت لإسرائيل”، وفق شهود.وأعلن المتحدث العسكري باسم القوات التابعة للحوثيين يحيى سريع تنفيذ نحو 40 إلى 54 غارة سعودية على محافظات تعز والحديدة والجوف ومأرب وصعدة والبيضاء.
ووفق محللين، تعكس سيطرة الحوثيين على المخا وبعض الشريط الساحلي تحولاً استراتيجياً كبيراً. فالمدينة تقع على بعد نحو 70-80 كيلومتراً شمال باب المندب، وتطل مباشرة على خطوط الملاحة الدولية. وبعد سيطرة الحوثيين على الحديدة شمالاً، منحهم سقوط المخا السيطرة والامتداد الساحلي قدرة أكبر على إطلاق الصواريخ والمسيرات والزوارق ضد السفن، وتهديد الممر الذي يعبره نحو 12 بالمئة من التجارة العالمية ونفط الخليج المتجه إلى قناة السويس. وتعزل هذه السيطرة تعز عن ساحلها وتضغط على إمدادات القوات الحكومية.
اعتبرت تحليلات أن وجود الجماعة قريبة من المضيق رفع مخاطر إغلاق الممر، خاصة في سياق التوترات الأمريكية-الإيرانية الأوسع، مما قد يدفع واشنطن والرياض إلى عمليات مشتركة أو تعزيز الدوريات البحرية كما حدث سابقاً. لكن التحليلات رأت أن الوضع يبقى متقلباً، إذ يعتمد التدخل على مدى تهديد الإمدادات النفطية العالمية واستمرار الهجمات على السفن. وخلصت التحليلات إلى أن سقوط المخا يشكل نقطة تحول في الحرب اليمنية المتجددة بعد هدنة 2022، ويربط الجبهة اليمنية بالصراع الإقليمي الأوسع حول الممرات البحرية.
منصور في الرّياض: القراءات اليمنيّة
لم تكن مصادفة أن يحطّ وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان في واشنطن يوم 28 أيلول (سبتمبر) 2026، فيما يلبي الشيخ منصور بن زايد، نائب رئيس دولة الإمارات، دعوة وزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان إلى الرياض. في محادثات الرياض كما في محادثات واشنطن احتل اليمن الحيّز الأساس.
استقبل الأمير خالد ضيفه مع وفد أمني دفاعي ضمّ علي بن حماد الشامسي، الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن الوطني، وعلي سعيد النيادي، رئيس الهيئة الوطنية لإدارة الطوارئ والأزمات والكوارث، والدكتور ناصر حميد النعيمي، الأمين العام لمجلس التوازن للتمكين الدفاعي، وعددا من كبار المسؤولين. قال مشهد الوفد: “إنها ساعة للعمل”.
حرص الطرفان على “الدخول في الموضوع مباشرة” في لقاء جمع الضيف الإماراتي بولي العهد الأمير محمد بن سلمان بحضور وزير الدفاع. وبغضّ النظر عما رشح علنيا من تثمين لعلاقات البلدين الأخوية، فإنه كان واضحا أن المحادثات ستبقى قيد الكتمان. فاللحظة حرجة وتستوجب جسارة وجدية لبناء مواجهة جماعية للتحديات المتناسلة من صراع اليمن.
لم يخفِ الحديث عن العلاقات الأخوية وجود تباينات بين السعودية والإمارات. وربما أن ضرورة الاعتراف بالخلاف، كما خلاف الأوروبيين داخل “اتحادهم” سبيل ناجع لإدارته والتعايش مع واقعه. سبق للإمارات أن رفضت ما أسمته دوائرها “السلام الرخيص” مع إيران، ودعت إلى موقف خليجي عسكري صارم ضد الاعتداءات، فيما أبقت الرياض على دعمها للمسار التفاوضي الذي تقوده باكستان وقطر.
كانت أزمة الجنوب اليمني قد بلغت ذروتها بعد تقدم المجلس الانتقالي في حضرموت والمهرة أواخر 2025، وردت الرياض عليه سياسيا وعسكريا، ثم سحبت الإمارات ما تبقى من قواتها من اليمن، وخرجت لاحقا من منظمة أوبك. هي إذن علاقة مثقلة بالخلافات، وعلى قاعدة هذا المشهد تعمل الدولتان على إعادة ترميمها، بما من شأنه صياغة قواعد جديدة للرد على تحديات بات واضحا أنها مسؤولية أهل المنطقة، بعد أن صدر عن واشنطن ما قد يعتبرها خارج أولوياتها.
تزامن لقاء الأمير فيصل بن فرحان وروبيو مع لقاءات الشيخ منصور بالقيادة السعودية يتيح للرياض أن تقدم لمن يهمه الأمر في واشنطن صورة متماسكة عن علاقاتها الخليجية، ولمن يهمه الأمر في المنطقة صورة عن متانة علاقاتها الأميركية. فيما تكشف الاستجابة الإماراتية السريعة للدعوة السعودية توقا مشتركا إلى الحاجة لترميم سريع لما شوهته مرحلة سابقة، ورأب الصدع العاجل لما اهتز في علاقات البلدين.
اليمن مشكلة خليجية:
ثلاثة عناوين فرضت نفسها على طاولة الاجتماع السعودي الإماراتي:
1- البحث عن نقطة توازن بين مقاربتي الرياض وأبوظبي للخطر الإيراني، خصوصا إذا استؤنفت الحرب الأميركية الإيرانية.
2- إيجاد مساحة مشتركة، سياسية وربما أمنية وعسكرية، للتعامل مع ظاهرة حوثية تتجه نحو مزيد من التدهور.
3- تأسيس قواعد لموقف خليجي واحد، أو أقل تباينا، يمكن الاستقواء به إقليميا ودوليا.
الأرجح أن ملف اليمن تجاوز السياسة والدبلوماسية، باتجاه خطوات وتدابير عملية مباشرة. في بعض ما يمكن قراءته احتمال العودة إلى تنسيق مشترك يضيف للمشهد ما تملكه الإمارات من معطيات ونفوذ ومعلومات استخبارية، ضمن جهد عسكري سعودي ويمني قد تدعمه موارد أوروبية، فرنسية وبريطانية، وأميركية إذا استدعى الأمر ذلك.
وفي المشهد أيضا ما هو أبعد من الحدود اليمنية. فالرياض تريد، على ما يبدو، أن تنقل الخطر الحوثي من كونه مشكلة سعودية إلى قضية أمن خليجي ودولي، ولا سيما بعد إعلان عواصم أوروبية (فرنسا وبريطانيا وغيرها) استعدادها للدفع بموارد عسكرية للدفاع عن منشآت المملكة. وبهذا المعنى قد تكون زيارة الأمير فيصل بن فرحان إلى واشنطن ودعوة الشيخ منصور بن زايد إلى الرياض وجهين لسياسة واحدة، عنوانها توسيع دائرة الشركاء وتوسيع هامش الخيارات.
قد تجب قراءة الحدث بواقعية قصوى. فالتقارب الراهن هو تنسيق ضرورة طارئ يرقى إلى مستوى المصلحة الاستراتيجية المشتركة بين السعودية والإمارات. لكن ذلك لا يعني إنهاء التباين وطي صفحة التعدد في الأجندات داخل مجلس التعاون الخليجي وبين الرياض وأبوظبي. فسيبقى التنافس قائما في الاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا، وستبقى فلسفة كل من البلدين في التعامل مع المشهدين الإقليمي والدولي مختلفة. وقد ينتج الخطر المشترك ترتيبات مؤقتة أو مرحلية حول اليمن وإيران وأمن الملاحة، من دون أن يعني ذلك ولادة حلف سعودي إماراتي جديد أو طي صفحة التناقضات البنيوية.
مصر والسعودية: اللحظة الواحدة
منذ القمّة الأخيرة التي جمعت ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في 15 أيلول (سبتمبر)، تغيّر شيء ما في لهجة القاهرة حيال اليمن والأخطار التي تطل بها جماعة الحوثي على السعودية والبحر الأحمر وباب المندب. فإضافة إلى الأبجديات الحازمة التي تستخدمها بيانات القاهرة في إدانة الجماعة والتضامن الحاسم مع المملكة، فإن بيانات عسكرية رسمية مصرية تتحدث عن تنسيق عسكري مع الرياض، تخفي بين سطورها تدابير باتت من الأسرار العسكرية.
على المستوى الرسمي، لم تتردد القاهرة في الوقوف مع المملكة في أي مقاربات اتخذتها حيال أزمة الحوثيين في اليمن. غير أن الموقف بقي في إيقاعاته المصرية متأنيا، متحسّبا لعوامل وأجندات تأخذها القاهرة بعين الاعتبار. فلمصر حكاية تاريخية موجعة مع اليمن، ولها رؤيتها في مقاربة ملف إيران وامتداداتها. عام 2014 استخدم السيسي تعبير “مسافة السكة” إذا ما احتاجت الرياض إلى الدعم، بما يكشف المسافة السياسية التي تأخذها القاهرة من المقاربات القصوى. فمصر حاضرة وجاهزة وفق توقيتها وحساباتها ومصالحها.
راقبت القاهرة، بأناة وصبر، ما ارتكبته الجماعة اليمنية بحقّ المصالح المصرية، لاسيما في قناة السويس، منذ أواخر 2023. يقدّر وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي الخسائر بنحو 11 مليار دولار، بحيث لم تتجاوز إيرادات القناة في السنة المالية الماضية 4.67 مليار، أي قرابة نصف مستوياتها قبل الهجمات. ومع ذلك اختارت القاهرة التروي والوساطة وبرودة العبارة. فُهم أن الظاهرة الحوثية في القراءة المصرية “مشكلة يمنية” تتقاطع مع حدث غزة، ولا تعتبر تهديدا استراتيجيا يتطلب تغييرا في العقائد الدفاعية المعتمدة.
الحوثيون يستهدفون مصر:
لم يقرأ الحوثيون موقف مصر من الكتاب نفسه. ففي 29 تموز (يوليو)، أغارت مسيّرة على سفينتين في ميناء دمياط. تعجّلت الأنباء في الكلام عن أن جماعة اليمن يقفون وراء الإثم، فيما صدر في القاهرة بيان أول عن “حريق”، ثم رواية أمنية عن عطل في غرفة المحرك، ثم إقرار مجلس الوزراء بأنها مسيّرة لم تتبن فعلتها أية جهة. نفى الحوثيون الأمر، كما نفت طهران أن تكون وراء هذه “السابقة”. تبرعت “وول ستريت جورنال” بنقل موقف عن مسؤولين مصريين بأن القاهرة تحمّل إيران المسؤولية، فيما نقلت “نيويورك تايمز” عن مسؤولين إيرانيين أن الضربة رسالة عما يمكن أن تفعله طهران بالطاقة والملاحة. وحتى الآن لم يصدر عن القاهرة نتائج التحقيق الذي وعدت به.
تعاملت العواصم المعنية، لا سيما واشنطن، مع الحدث بصفته عملا من “رجس” إيران وذراعها في اليمن، متفهّمة ظروفا وثقافة وتقاليد مصرية تستدعي التعامل مع هذا المستجد برأس بارد. وفيما دوائر السياسة لا تفصح ولا تكشف، فإن تقارير لم تستبعد أن تكون الدوائر المخابراتية والعسكرية المصرية أعادت التموضع وفق معطى تعرفه حتى لو أبت الواجهات السياسية للبلاد الاعتراف به. وتعني إعادة التموضع في اللغة العسكرية الاستعداد لانخراط قد لا يكتفي بـ “مسافة السكة”. فلم تعد الحرب تجري عند بوابة البحر الأحمر الجنوبية، بل طرقت بوابة المتوسط وطالت مصر مباشرة.
قصّر ولي العهد “المسافة”. تسارعت الوقائع إثر سقوط مدينة المخا وتوابعها على البحر الأحمر. قيل إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا يريد الانخراط في حرب ضد الحوثيين في اليمن، لا بل هو نفسه ثمّن خصال الحوثيين الذين وعدوه بعدم التعرّض “إلا للسفن السعودية”، واعدين، حسب تقرير رويترز، بعدم استهداف سفن أميركية وإسرائيلية. بدا في قمة الأمير السعودي والرئيس المصري لحظة متقاطعة تتهدد فيها مصالح المملكة كما مصالح مصر.
سمع العالم من هذه القمّة مواقف قال فيها السيسي إن أمن السعودية والخليج جزء من الأمن القومي المصري، داعما “الإجراءات” السعودية للدفاع عن المملكة، داعيا إلى حل سياسي شامل ومستدام للأزمة اليمنية. قالت مصادر تعرف ما وراء المعلن إن الأمير السعودي سمع خلال الساعات القليلة التي استغرقتها الزيارة ما يريد سماعه من القيادة المصرية. حتى التسريبات السعودية التي تُظهرها حسابات الإعلام الاجتماعي السعودي المعتمدة أشادت بمصر وقيادتها وما تحقق في تلك القمّة. وفيما لم تُعلَن أية إجراءات عملية تقررت، فإن غموض الأمر وارتياح الرياض أفرجا عن تقارير ومعلومات يصعب تأكيدها رسميا.
في اليوم التالي للقمة خرج تصريح من القاهرة يشي بما سيستجدّ. قال قائد قوات حرس الحدود المصرية اللواء أسامة عبد الحميد داود إن هناك تنسيقاً عالي المستوى واجتماعات مستمرة بين قوات حرس الحدود المصرية ونظيرتها السعودية، للتباحث حول إجراءات التأمين الميداني وتبادل المعلومات الأمنية الفورية لضمان سلامة الحدود المشتركة. لكن أعراضا أخرى بدأت تتلاحق.
تعاملت التحليلات مع تقارير عن تعزيز الحضور العسكري المصري في قاعدة برنيس العسكرية، إحدى أكبر وأحدث القواعد العسكرية الاستراتيجية في مصر ومنطقة البحر الأحمر، والتي افتتحها الرئيس المصري في أوائل عام 2020. كما أشارت أنباء إلى طلب وجهته القاهرة إلى واشنطن، نوقش في اجتماع السيسي مع جون راتكليف، مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، الأحد الماضي، للتنبه إلى المستجد في البحر الأحمر وما يشكله الحوثيون من أخطار وجب عدم الاستخفاف بها. وعزز تحولات مصر مخاوف من امتداد الحوثيين إلى القرن الأفريقي، بالتنسيق المحتمل مع إريتريا وجماعة الشباب في الصومال، بعد استيلاء الحوثيين على جزيرة نقر الواقعة على بعد نحو 33 كم من السواحل الإريترية، وأقل من 10 كم من مضيق باب المندب نفسه.
ورغم أن التحفّز المصري من تطور بات داهما وضاغطا، تتمسك القاهرة بالتروي ودورها في التوسط ونقل الرسائل. كان السيسي التقى، في 13 من أيلول (سبتمبر) الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في نيودلهي على هامش قمة “بريكس”. واعتبرت مصادر أن مصر تنقل الرسائل بين الجميع وتسعى إلى تفاهم بموجب القانون البحري الدولي يحمي الملاحة في الأحمر وباب المندب. ذهب مصدر مصري إلى التلميح بأن مصر تفتح المظلة قبل أن تشتد العاصفة من دون أن يكشف عن سمات رياحها.




