هل يكشف تواصل ترمب مع الحوثييين عن محاولة ابتزاز للسعودية؟
“لدينا اتصالات مع الحوثيين، إنهم يتصرفون بشكل سئ، قد أطلب من تركيا التدخل ضدهم في اليمن ” تصريحات مثيرة للجدل للرئيس الأمريكي ترمب تعليقا على هجمات الحوثيين الخطيرة على مطار الرياض ومنشآت سعودية وأماكن مقدسة بالمملكة.
“نشر قوات تركية في السعودية قد يجعل أنقرة طرفا في الحرب الدائرة في اليمن، والزج بالجنود الأتراك في النزاع مغامرة مرفوضة” تصريح آخر لزعيم المعارضة التركية أوزغور أوزال.
“التفاصيل التشغيلية المتعلقة بتفعيل الردع الجماعي تخضع للسرية العملياتية، ولا ينبغي أن تكون موضع تكهنات إعلامية” تصريح ثالث صادر عن وزارة الإعلام والبث الباكستانية منتقدة تقرير لرويترز يكشف عن عدد الجنود الباكستان في السعودية بعد تعرضها لهجمات الحوثيين.
تعكس تصريحات الأطراف الثلاثة ردود أفعال مختلفة لحالة التصعيد الخطيرة التي تشهدها المنطقة والتي لم تكن بحاجة إلى مصدر جديد للتوتر في ظل عدم حسم الحرب بين إيران والولايات المتحدة بمفاوضات ضامنة لاسترداد السلم في الشرق الأوسط، حتى تكون المنطقة على موعد مع حرب جديدة بين الحوثيين في اليمن والمملكة العربية السعودية يتسع معها نطاق القتال ويمتد من مضيق هرمز شمالا إلى مضيق باب المندب جنوبا لتشتعل الأجواء عند مدخل البحر الأحمر، وترتفع معها درجة الخطورة على الشعب اليمني بسبب انعكاس الأحداث على تدهور الأوضاع الإنسانية داخل اليمن وخاصة ما يتعلق بأزمة النزوح والتي أثارت مخاوف دولية وفقا لتصريح المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك الذي قال أنها لا تزال تشعر بقلق بالغ إزاء التصعيد العسكري المستمر في اليمن وما حوله، في ظل احتدام القتال على جبهات متعددة، من بينها محيط تعز. كما حذر معه برنامج الأغذية العالمي، التابع للأمم المتحدة، من تفاقم معدلات الجوع في اليمن، مع نزوح أكثر من 200 ألف شخص؛ جراء التصعيد في البلاد.
في العمق السعودي!
بينما كان العالم يترقب ما ستصل إليه عملية الكر والفر بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران انتظارا لموعد الوصول لاتفاق تفاوضي حاسم ينهي حالة العداء بين الدولتين ويقضي على التوتر في المنطقة، شهدت الأراضي اليمنية حالة خطيرة من التصعيد الجديد الداخلي أعادت مشهد الحرب الأهلية إلى الصدارة بتجدد القتال بين جماعة الحوثيين والقوات الحكومية لتشتعل الأوضاع في جنوب البحر الأحمر منذ نهاية شهر يوليو الماضي. وازداد التصعيد خطورة مع قدوم شهر سبتمبر حينما شنت ميليشيات الحوثي هجوما تمكنت من خلاله من السيطرة على مساحات واسعة من الأراضي التي كانت خاضعة للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، مما دفع الأخيرة للرد بهجوم مضاد مدعوم من السعودية-كقائد للتحالف ضد الحوثيين- لاستعادة جميع المناطق الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثي، بما فيها المناطق التي تسيطر عليها الجماعة منذ أكثر من عقد.
في تلك الأثناء واجهت السعودية ردودا عنيفة من الحوثيين بشنهم غارات متكررة شكلت هجمات نوعية اقتحمت بها العمق السعودي في سابقة نادرة حينما استهدفت 5 مطارات سعودية بأكثر من 10 هجمات، منها مطار الرياض، أسفرت عن مقتل أكثر من 20 شخصا وإصابة المئات، فضلا عن أضرار مادية واضطرابات في حركة الطيران. وكذلك عندما استهدفت شركة آرامكو للنفط ومناطق أخرى بما فيها مكة والمدينة المنورة وهو الأمر الذي أثار مشاعر غضب الكثيرين من استهداف هذه الأماكن المقدسة.
رغم فداحة الخسائر وخطورة اختراق الحوثيين وإصابتهم للعمق السعودي بشكل هدد الأمن السعودي الداخلي وليس أمن الحدود فقط، إلا أن حلفاء السعودية الاستراتيجيين لم يتدخلوا بالشكل السريع الذي كان متوقعا في مثل هذه المواقف، الأمر الذي أثار تساؤلا حول جدوى وفاعلية اتفاق مكة الثلاثي الذي شهد توقيعه بين السعودية وتركيا وباكستان احتفالا كبيرا وسط حالة من القلق أثارها لدى دول المنطقة خوفا من ثقل أطرافه الثلاثة. ومع كل ضربة عنيفة تلقتها السعودية من الحوثيين كان السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا لم يتم تفعيل اتفاق مكة؟ وإلا فما جدواه إن لم يكن رادعا للخصوم في مثل هذه الأحداث؟
ما الأسباب الحقيقية ومن وراء التصعيد؟!
وعلى صعيد عالمي يثور التساؤل أيضا حول فتور رد الفعل الأمريكي وسر صبر ترمب على الحوثيين- أحد حلفاء غريمته إيران- الذين اكتفى بوصفهم أنهم “سيئون” دون أن يحرك ساكنا لحماية دولة من كبار حلفائه الاستراتيجيين في المنطقة وهي التي وقع معها قبل شهور قليلة اتفاق التعاون النووي!
الأمر الذي يعيدنا إلى سؤال أخير: لماذا اشتعلت الأجواء في اليمن من جديد بعد فترة من الهدوء النسبي “الهش”، وارتفع مستوى التصعيد إلى درجة الحرب الشرسة بين الحوثيين والمملكة السعودية في هذا الوقت بالذات؟ وهل هناك ما يحاك للمملكة أو للمنطقة في الفترة الحالية؟
كي نجيب عن هذه التساؤلات يجدر بنا أن نعرف أولا الأسباب التي أدت إلى تصعيد الأمور بهذا الشكل الخطير بين الحوثيين في اليمن وبين المملكة العربية السعودية ودوافع كل منهما نحو التصعيد.
بالنسبة للحوثيين فهم يهدفون إلى السيطرة على مدن الساحل الغربي مثل المخا وذو باب وحصارها ليمتلكوا نفوذا مطلقا على مضيق باب المندب، وكذلك محاولة منهم للحصار البحري على الصادرات النفطية السعودية بجانب إصابة المملكة –زعيمة التحالف ضدهم- بخسائر كبيرة باستهداف ناقلات النفط وشركة أرامكو النفطية بالصواريخ والمسيرات. وهم يسعون من جراء ذلك إلى الحصول على ورقة سياسية تفاوضية قوية يفرضها المجتمع الدولي نفسه على الحكومة الشرعية، لضمان بقائهم طرفا سياسيا في إطار أي تسوية تحدث.
أما الجانب السعودي، الذي يقود التحالف مع الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا في مواجهة جماعة الحوثي، لم يكن أمامه سوى الاستنفار وإعلان التعبئة للقيام بعملية مضادة لاسترداد المناطق الساحلية التي استولى عليها الحوثيون، وذلك بإطلاق عملية “فجر اليمن” التي تضمنت عمليات عسكرية شاملة بغطاء جوي مكثف من التحالف بقيادة السعودية لاستعادة السيطرة وبسط نفوذ الدولة، مما وسع نطاق المعارك إلى جبهات متعددة مثل تعز، ومأرب، والجوف، وصعدة وصولا للوضع المأساوي الأخير داخل اليمن.
ولا تنفصل هذه الدوافع عن السبب الحقيقي لهذا التصعيد الذي يرتبط برهان استراتيجي حول بسط النفوذ على منطقة مضيق باب المندب وساحل البحر الأحمر وطرق الملاحة الدولية وإمدادات النفط العالمية.
كما لا يمكن إغفال دور الوضع الإقليمي المضطرب بسبب عدم غلق ملف الحرب الأمريكية الإيرانية واستمرار لغة التهديد المتبادل ورغبة كل طرف في فرض مزيد من الضغوط لإرغام الطرف الآخر على الاستسلام لشروطه عند الجلوس على طاولة التفاوض. ومن ثم لا يمكن استبعاد الدور الإيراني الخفي خاصة بعد فقد إيران لحلفائها الكبار في المنطقة وفي مقدمتهم حزب الله اللبناني، حيث لم يعد أمامها سوى الحوثيين كوسيلة لتوسيع النفوذ في منطقة ملاحة دولية حيوية جدا جنوب البحر الاحمر وفي نفس الوقت توسيع أمد صراعها وحربها مع الولايات المتحدة ونقله من مضيق هرمز إلى مضيق باب المندب على شاكلة “حصار مقابل حصار” لإحداث مزيد من الضغط على المنطقة وعلى المجتمع الدولي.
لماذا في هذا الوقت بالذات؟
ما سبق ينقلنا للبحث عن إجابة للتساؤل الخاص بسبب اشتعال الأوضاع في هذا الوقت بالذات. وهي ترتبط بمعطيات الواقع الإقليمي والدولي التي تقف كعوامل وراء التصعيد الأخير ويمكن تلخيصها كالتالي:
أولا: الحرب الإقليمية التي بدأتها كل من أمريكا وإسرائيل ضد إيران والتي نتج عنها قيام طهران بإغلاق مضيق هرمز أمام إمدادات النفط، مما جعل التركيز الاستراتيجي ينصرف نحو مضيق باب المندب في إطار سعي إيران استغلال ورقة الحوثيين لنقل الأزمة إلى البحر الأحمر وخنق مسار التجارة الدولية البديل للنفط وخاصة النفط السعودي.
ثانيا: انشغال واشنطن بحربها مع إيران وهو الأمر الذي منع ترمب من فتح جبهة جديدة في اليمن خشية تشتيت الجهود الأمريكية بين إيران واليمن وهو ما شجع الحوثيين ومنحهم الجرأة في شن الهجمات بهذا الشكل وتصعيد الأمور لهذا المستوى الخطير.
ثالثا: تغير التحالفات بعد اتفاق مكة الدفاعي الذي أثار مخاوف الحوثيين فسارعوا بالتصعيد قبل تفعيله لضمان عدم وجود أي دعم خارجي من حلفاء المملكة بهدف فرض واقع ميداني قبل مشاركتهم.
رابعا: الفراغ الأمني الذي أحدثه انسحاب ما تبقى من قوات الإمارات في اليمن وهو ما حاول الحوثيون استغلاله للتمدد السريع قبل أن تدخل قوات التحالف لسد هذا الفراغ وحماية الحدود السعودية.
اتفاق مكة!
كما أشرنا سابقاً فإن حجم الخسائر وقوة الآثار الخطيرة لضربات الحوثيين وتكرارها داخل المملكة دون رادع مضاد أثارت استغرابا حول جدوى اتفاق مكة الذي يتضمن ما يفيد أن أي اعتداء على أحد أعضائه الثلاث يعد اعتداءً على الدولتين الأخريين.
وهنا نتوقف عند هذا الاتفاق ومواقف تركيا وباكستان في هذه الأحداث.
يعد اتفاق مكة حلفا للدفاع المشترك كمعاهدة أمنية ودفاعية تتضمن عدة بنود؛ أبرزها مبدأ الدفاع الجماعي بمعنى أن أي هجوم مسلح يتعرض له أي طرف من الدول الثلاث يُعد هجوماً على الجميع، استنادا إلى المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة بشأن حق الدفاع المشروع عن النفس.
وتم تعيين الفريق الباكستاني المتقاعد نعمان محمود كأول أمين عام للحلف لمدة ثلاث سنوات، ويقع مقره في الرياض. ولكن بقي الإعلان عن تفعيل الاتفاق غير واضح، رغم إبرامه في أغسطس 2026.
وكانت هناك حالة من التردد وعدم الوضوح في موقف الحلف من هجمات الحوثيين على أحد أعضائه بل كان هناك تكتم متعمد من باكستان حول بعض التفاصيل حيث استنكرت وزارة الإعلام والبث الباكستانية صدور تقرير لرويترز يكشف عن عدد الجنود الباكستان في السعودية بعد تعرضها لهجمات الحوثيين مؤكدة أن “التفاصيل التشغيلية المتعلقة بتفعيل الردع الجماعي تخضع للسرية العملياتية، ولا ينبغي أن تكون موضع تكهنات إعلامية”!
وأمام خطورة الهجمات الحوثية المتكررة على المملكة أعلن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن بلاده مستعدة لتلبية الاحتياجات العسكرية والفنية للسعودية، بما يضمن حماية أمنها وسيادتها، وذلك في إطار الالتزامات المنبثقة عن اتفاقية مكة.
ولكن يبدو أن الموقف التركي مقيد أيضا باعتبارات سياسية داخلية مرتبطة برؤية المعارضة أن ما يحدث هو نزاع يمني، رافضة تفعيل الالتزامات الدفاعية في تركيا ودخولها كطرف في الحرب والزج بالجنود الأتراك في النزاع.
لذلك تأخر رد الفعل كثيرا لدى حليفي السعودية تجاه ما تتعرض له من عدوان. ولكن بعد تعرض المملكة لهجمات حوثية على الأماكن المقدسة في مكة والمدينة المنورة، عقد ممثلو الدول الثلاث اجتماعا طارئا في الرياض في الخامس من أكتوبر 2026 وأعلنوا في بيان مشترك عن “الانتقال الفوري إلى التنفيذ العملي لالتزامات الدفاع الجماعي، واتخاذ التدابير اللازمة لتوفير القوات والقدرات العسكرية المتفق عليها، وضمان نشرها السريع داخل المملكة”.
لكن البيان لم يحدد طبيعة المهام التي تقوم بها القوات التركية والباكستانية على الأراضي السعودية وإن كانت الدولتان قد أكدتا على دعمهما دون مشاركة جنودها في القتال. ولذلك تعتبر مهمة ردع الحوثيين وحماية المملكة السعودية من هجماتهم بمثابة اختبار مبكر وصعب لاتفاق مكة.
صمت ترمب وفتور الموقف الأمريكي!
فيما يتعلق بالحليف الأمريكي، فقد صدمت المملكة السعودية من الموقف الأمريكي الفاتر عندما رفض ترمب طلب ولي العهد بالتدخل لردع الحوثيين وفق وكالة بلومبرغ، التي ذكرت أن إدارة ترمب لا تريد الانخراط في حرب مع الحوثيين وحاولت إثناء السعودية عن إشعال صراع جديد في اليمن!
والمثير في الأمر أن واشنطن كانت قد حذرت الرياض من شهور من صعود خطورة الحوثيين وعرضت مساعدتها في التخطيط وتقديم معلومات استخباراتية عن تحركاتهم واشترطوا أن تكون هذه المساعدة محدودة ولا تشمل ضربات جوية، وفقا لما ذكرته نيويورك تايمز.
وكشفت قناة “سي إن إن”نقلا عن مصادرها أن أكثر من 100 مستشار عسكري أمريكي وصلوا إلى السعودية لمساعدة الرياض في حملتها العسكرية ضد الحوثيين. وأشارت أن البنتاغون لا يشارك في توجيه ضربات مباشرة ولا يقوم بتزويد الطيران السعودي بالوقود جوا.
وتكشف تقارير إعلامية عن وجود تحفظ كبير لدى القيادة المركزية الأمريكية “سنتكوم” من توجيه أي ضربات لليمن تجنبا لتشتيت التركيز عن الملف الإيراني.
لذلك بدا الرد الأمريكي فاترا تجاه الأحداث الساخنة بين السعودية والحوثيين في اليمن. وحتى على مستوى التصريحات لم يحاول ترمب تصعيد اللهجة واكتفى بوصفه الحوثيين أنهم “سيئون” وقال: “قد أطلب من تركيا التدخل ضد الحوثيين في اليمن”!
اليمن..مسرح لتصفية الحسابات
لكن تصريح ترمب الغريب بأن “لديه إتصالا بالحوثيين” يكشف عن احتمالات وجود ترتيبات سرية “تحت الطاولة” بين إدارة ترمب والحوثيين لتجنب الصدام المباشر مقابل أهداف غير معلنة قد تكشفها الفترة المقبلة.
وتشي هذه المواقف بوجود ما يشبه حالة الابتزاز للمملكة العربية السعودية من الجانبين؛ الحوثيين والولايات المتحدة الأمريكية، للضغط عليها لانتزاع مواقف سياسية معينة خاصة بالاعتراف بالحوثيين ووضعهم داخل اليمن أو تتعلق برغبة ترمب في إجبار المملكة على التطبيع مع إسرائيل لاستكمال تنفيذ الاتفاق النووي.
للأسف الشديد فإن هذا الأمر يعني تحول اليمن إلى مسرح لتصفية الحسابات والمناورات السياسية التي قد تستغرق مزيدا من الوقت على حساب مقدرات الدولة واستقرار شعبها وأمنه، وكذلك على حساب أمن دول المنطقة ومعها منطقة جنوب البحر الأحمر وما تمثله من أهمية استراتيجية للتجارة العالمية.
ما يهمنا هو تأثير هذا التصعيد الخطير وانعكاساته السلبية على حياة الشعوب والأبرياء الذي يتساقطون ضحية مباشرة للحرب سواء في اليمن أو السعودية، أو يعانون تدهورا خطيرا في الحياة المعيشية خاصة بين النازحين اليمنيين الذين يقاسون ويلات الحرب منذ عقود ويدفعون ثمن صراع الكبار على السلطة.
فهل يعود السلام قريبا لليمن “السعيد” سابقا؟!




