حرب إيران: زلزال الشرق الأوسط

انقلاب توازنات المنطقة وولادة نظام إقليمي جديد

رغم التهديدات والأعراض والاستعدادات وتدفق أوراق البحث المنذرة باندلاع الحرب، بقيّ العالم معوّلا على عوامل كثيرة لمنع الصدام العسكري الكبير بين الولايات المتحدة وإيران. فقد تعددت خلال العقود التي تلت قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979 أسباب ودوافع وحيثيات لإندلاع المواجهات، لكن عوامل معروفة وكثيرها خفيّ، حالت دون الذهاب إلى الاحتراب المباشر، وبقيت إدارة الخلافات تجري وفق ثنائية التفاوض المعقّد والحرب عبر الوكلاء. ولئن يبدو الصدام اسثناء يشذّ عن قاعدة في علاقة واشنطن وطهران، فإن الأمر نذير نهاية وليس عرضيا له ما بعده أو بدا كذلك.

الصواريخ قبل النووي

صعّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب خطابه ضد إيران عشية جلسة تفاوض جديدة عقدت في جنيف في 26 شباط (فبراير) الماضي. فمقابل تصريحات إيجابية متفائلة لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بشأن قرب التوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي، سلّط الرئيس الأميركي الضوء على أخطار الصواريخ الإيرانية على الولايات المتحدة، وضراوة الانتهاكات التي قال إن إيران ارتكبتها ضد آلاف من المحتجين.

في 24 من ذلك الشهر، قال الرئيس الأميركي في خطاب الاتحاد أمام الكونغرس إن إيران التي “طُلب” منها ألا تعيد بناء برنامجها النووي، تسعى الآن لإحياء “طموحاتها الشريرة”. شدد على أن إيران “طوّرت بالفعل صواريخ يمكنها تهديد أوروبا وقواعدنا في الخارج، وتعمل على بناء صواريخ ستصل قريباً إلى الولايات المتحدة”.

في خطابه لوّح بأنه مستعد لتوجيه ضربة جديدة إذا لم توقف طهران برنامجها النووي وبرنامج الصواريخ بعيدة المدى. وأشار إلى مقتل ما يتجاوز 32 ألف متظاهر إيراني على يد سلطات طهران، وربط بين القمع الدموي للاحتجاجات الداخلية في إيران وشرعية أي تصعيد أميركي ضد النظام الإيراني.

لفت مراقبون إلى أنه لم يسبق لترامب أن أثار مسألة أخطار البرنامج الصاروخي الإيراني، وركّز دائماً خطابه وهجماته على الخطر الذي يمثله امتلاك إيران للقنبلة النووية. أضافوا أن مسألة مناقشة ملفات أخرى غير البرنامج النووي بقيت في مستوى خلفي في الولايات المتحدة أو من خلال تسريبات صحفية، وأن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أثار المسألة حديثاً في تصريح قال فيه أنه من غير المنطقي مناقشة النووي من دون الصاروخي وعلاقة طهران بالأذرع.

الخيار العسكري:

شيء ما كان تغيّر في خطاب ترامب. حديثه عن أن إيران طورت صواريخ تهدد أوروبا وقواعد أمريكية، وتعمل على تطوير صواريخ تصل الأراضي الأمريكية، كان يهدف إلى ترسيخ صورة إيران كخطر استراتيجي عابر للإقليم، لا مجرد خصم إقليمي في الشرق الأوسط. ويساعد هذا الخطاب في حشد التأييد الداخلي لأي تصعيد عسكري جديد، ويزيد تماسك المعسكر الأطلسي خلف واشنطن.

يذكّر التركيز على وصول الصواريخ إلى الولايات المتحدة بخطاب إدارة بوش عن صواريخ العراق وكوريا الشمالية، ويستخدم الخوف من التهديد المباشر للأراضي الأميركية كأداة لتبرير الإنفاق العسكري والتحركات في الخليج. فيما أن خطاب ترامب يضع الأوروبيين أمام معادلة مواجهة خطر صاروخي في جوارهم المباشر. ويعتبر تقييم غربي أن خطر صواريخ إيران ليس نظرياً بالنسبة إلى أوروبا، فقد استخدمت تلك الصواريخ إضافة إلى المسيّرات الإيرانية الصنع ضد أوروبا في حرب روسيا ضد أوكرانيا.

وقد أشارت مصادر مراقبة إلى أن لهجة ترامب في الأيام السابقة لمفاوضات جنيف اتّسمت بالمزاوجة بين التهديد والحوار. فمن جهة كان يلوّح بضربات جديدة ويتحدث عن “أرمادا” بحرية جاهزة ضمن مدى إيران، ومن جهة أخرى يرسل مبعوثيه إلى جنيف ويؤكد أن الإيرانيين “يتعاملون معنا بجدية”. واعتبروا أن هذه الازدواجية تعكس منهج الصفقة الكبرى تحت ضغط أقصى الذي تبنّاه في ملفات أخرى.

بالمقابل لاحظت جهات بحث أن لهجة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقچي كانت تميل إلى التفاؤل الحذر، لجهة تحدثه عن “إشارات مشجعة” و”إمكانية الوصول إلى اتفاق”. لاحظت أيضاً تمسكه بعدم التفاوض على الصواريخ، ورفض مفاوضات تحت التهديد المباشر.

الحرب مقررة رغم التفاوض:

شّنّت الحرب في 28 شباط (فبراير) 2026. بدت سابقة في ظروفها وتفاصيلها إذا ما قورنت بحروب سابقة. لم تكن مفاجئة. جرى التحضير لها قبل أشهر على نحو مباشر وشفاف. دفع البنتاغون بقواته البحرية نحو مياه المنطقة. حاملات طائرات ومدمرات وغواصات وقاذفات من أنواع وأحجام حديثة. بدا أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب اتخذت قرار الحرب الكبرى منذ أن عادت قاذفات   B2الاستراتيجية من عملية قصف مفاعلات إيران النووية في حزيران (يونيو) 2025. لكن السؤال: ماذا أرادترامب؟

أطلق الرئيس الأميركي ما قال إنها “عملية” عسكرية ضد إيران. لم يتلفظ بكلمة “حرب”، وهو الذي لطالما وعد ناخبيه بأنها ليست صنعته وأنه آت للتخلص منها وإخراج بلاده من مستنقعاتها. كان وعدا انتخابيا يسهُل التراجع عنه خدمة لـ “مصالح الدولة”. أبلغ الأمة الأميركية أثناء خطاب حالة الاتحاد أمام الكونغرس قبل بدء الحرب بأيام أن إيران تمثل “خطرا” على الولايات المتحدة. فاجأنا وفاجأهم بإعلانه، لأول مرة حتى لأغراض الساعة، أن إيران تملك برنامجا صاروخيا ستصل نيرانه إلى الأراضي الأميركية.

لم يسبق لترامب أن تحدث عن برنامج إيران الصاروخي. استولى على خطابه، منذ انسحابه من الاتفاق النووي عام 2018، هاجس القنبلة النووية. وحتى حين ذهبت إسرائيل، ثم الأوروبيون، إلى المطالبة بأن تشمل المفاوضات برنامج إيران الصاروخي، بقي ترامب، وهذا ما عوّل عليه الإيرانيون، متمسكا بجوهر العلّة: القنبلة اللعينة. قبل أسابيع من بدء الحرب فقط صدر عن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، ابن “المؤسسة” الأميركية، أول إشارة رسمية إلى أن ملف الصواريخ بات هدفا.

الأرجح أن الحرب كانت مقرَّرة بشكلها الحالي، بالتحالف مع إسرائيل، قبل أشهر. تبادل الحليفان الزيارات العسكرية التقنية بصمت، ووُضعت الخطط، وحُددت الأهداف. ترُك للقيادة السياسية أن تتبادل رسائل عدم التوافق الكامل، بما استدعى هرولة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للقاء الرئيس الأميركي في واشنطن. كان مطلوبا التعتيم وعدم الخروج ببيانات، ليتركوا للجانب الإيراني هامش التخمين، وربما الفرصة لتقديم اقتراح مفحِم يقنع ترامب بإعلان نصر نظيف من دون إطلاق طلقة واحدة.

حرب وجود:

لم يحمل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي العرض المقبول إلى جنيف. تمسكت إيران بتقنيات “التشاطر” التي عرفت بها منذ قيام الجمهورية عام 1979. قال العرض:

1-نتنازل عن مستويات التخصيب على ألا تكون صفرية. 2-نتنازل عن مخزون اليورانيوم على أن نحتفظ بقسم منه.

3-نقفل ملف البرنامج النووي وترفع العقوبات ولا يفتح أي ملف آخر.

فوق ذلك، ذهب عراقجي في نهاية يوم التفاوض إلى التبشير بالنهايات السعيدة.

تبادل مبعوثا ترامب، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، النظرات. لم يصدر عنهما ما يفسر “فرح” عراقجي. استنتجت طهران المأزق وطلبت من الوسيط العماني، وزير الخارجية بدر البوسعيدي، السفر إلى واشنطن لمحاولة ترميم ما انكسر في جنيف والبوح بما عجز وزير إيران عن البوح به. التقى الوزير بنائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس، ثم كشف للإعلام الأميركي لاحقا أن إيران مستعدة لخيار “صفري” ينهي أخطار القنبلة. كان الكشف جللا ومفاجئا، ومع ذلك اختارت واشنطن الحرب.

المفاجأة ليست في الحرب بل في أهدافها. الحرب أداة من أدوات السياسة، فما هي الأهداف السياسية؟

في إعلانه عن “العملية” العسكرية أطلق ترامب عناوين ذات سقف أقصى. قدم القرار بصفته ضرورة لأمن الأمة الأميركية. لم يعد الهدف البرنامج النووي ولا حتى الصاروخي، بل إسقاط “الحالة” الإيرانية وإزالة النظام في طهران. أخرج من الخزائن العتيقة كشف حساب عما مارسته الجمهورية الإسلامية ضد المصالح الأميركية، بما في ذلك المجزرة التي ارتكبت بحق قوات المارينز في بيروت عام 1983. كان في البيت الأبيض حينها صقر من صقور الحزب الجمهوري، رونالد ريغن، الذي قرر سحب قوات بلاده بشكل مهين ومستغرب من لبنان، فيما يعود صقر جمهوري هذه الأيام ليرد الإهانة ويصفي حسابا تعذّر حينها التعامل مع واقعه.

لم يعط ترامب، ثم بعد ذلك نتنياهو، لإيران مجالا للبس وعدم فهم أهداف الحرب. تبلّغت طهران على الهواء مباشرة أنها حرب وجود، بما يفسر سرعة إطلاق طهران ردها الصاروخي ضد القواعد الأميركية في المنطقة داخل دول لطالما عملت وبذلت الجهد لمنع اللجوء إلى الخيار العسكري. باتت المنطقة جزءا من بنك الأهداف، وبات على المنطقة أن تتموضع في خياراتها السياسية المقبلة وفق هذا الأمر الواقع. لسان حال طهران: “ومن بعدي الطوفان”.

طهران: ذعر وعشوائية

لا سوابق يمكن الاعتماد عليها لفهم اللحظة وما بعدها. دفعت الولايات المتحدة، محاطة بحلف متعدد الجنسيات، بعشرات الآلاف من الجنود في حرب الكويت عام 1991 ولغزو أفغانستان عام 2001 والعراق عام 2003 لإسقاط النظامين. اكتفت بقصف جوي مكثف لأسابيع لإسقاط نظام يوغوسلافيا السابقة عام 1999، فيما تولى تمرد داخلي واسع، مدعوما بقصف من قوات الناتو، إسقاط النظام في ليبيا عام 2011. فكيف يمكن إسقاط نظام إيران؟

السؤال صعب. لكن ما أخبرتنا به الساعات الأولى لبدء الضربات التي أطاحت بالمرشد علي خامنئي. أُصيبت القيادة في إيران بحالة ذعر إلى درجة القيام برد سريع عبثي يكاد يكون عشوائيا ومتسرّعا ضد أهداف في دول الخليج.

تغيّر شكل المنطقة بعد بدء الحرب. أثارت طهران برمشة عين جيرانها وأطاحت بتفاهمات أوقفت حالة الخصام، على الأقل منذ اتفاق بكين مع السعودية عام 2023. باتت دول المنطقة المستهدفة وما وراءها مضطرة إلى التموضع وفق حقيقة أنها جزء من الحرب، ويجب أن تكون جزءا من مآلاتها التي يجب ألا يحتكر تقريرها تحالف أميركي إسرائيلي.

تقول المعلومات إنه بعد ساعات من انتهاء جلسة المفاوضات الأميركية الإيرانية الأخيرة في جنيف، وبعد التصريحات المملّة لوفدي البلدين عن التقدم، والتفاؤل، ووضع إطار..، وما يشبه ذلك، طلبت الولايات المتحدة من عراقجي وفريقه العودة في آخر شباط (فبراير) بردّ مكتوب ليبنى على الشيء مقتضاه. وفيما أمهل هذا الإعلان إيران 10 أيام لتأتي بفتاوى جديدة، يجوز التساؤل بشأن “بركة” الصبر والتمهل التي هبطت على واشنطن على نحو لا يشبه توعدها وتعجلها بالسرعة والحسم.

لم يوحٍ ذلك “التسامح” إلا بحاجة الولايات المتحدة إلى مزيد من الوقت لتنشر قواها العسكرية المتكاثرة والمتدافعة لتتناسب مع الأهداف المجهولة لضربات لم تخفِ احتمالاتها. وبالنظر إلى تجربة “مطرقة منتصف الليل” حين شنّت قاذفات B2  الاستراتيجية في ضربات على مفاعلات فوردو وناطنز وأصفهان قبل يومين من موعد لجولة مفاوضات جديدة في مسقط، فلم يكن من المستبعد أن يسبق “المهلة” الأميركية هجوم واسع ومركّز، يلاقي تقويما سلبيا لنتائج لقاء جنيف.

نظرية الحرب من أجل السلم:

فيما ترأس الرئيس الأميركي دونالد ترامب أول اجتماع لـ “مجلس السلم” في 19 شباط (فبراير) الماضي أي قبل 9 أيام من الحرب، فإن رواج همّة ذلك السلم مع الاستعداد لتلك الحرب، قد لا يكون تناقضا، بقدر ما هو حاجة قد تكون منطقية في رؤى ترامب في الاندفاع لإزالة ما يعتبره عقبة لذلك الشرق الأوسط الذي يطمح إليه. والأرجح أن طهران، كانت بدأت تميل، رغم أوراق التنازل التي ألقت بها دفعة واحدة، إلى إدراك أن ما يضجّ في مياه المنطقة يقود إلى الحرب، وأن عليها التموضع حول ما يكاد يكون يقينا.

كان خبراء الشؤون العسكرية مجمعين على أن الضربة الأميركية ستكون أكبر وأمضى وأوسع من “مطرقة” حزيران (يونيو). وفيما استبعد العارفون أن تغير تلك الضربات مواقف طهران من المطلوب منها أميركيا، فإنهم باتوا صاروا يميلون إلى أن هدف تلك الحرب هو التعامل مع “الحالة” الإيرانية، بما في ذلك إسقاط النظام في طهران.

كان يغيب على نحو ملتبس جهر رسمي من قبل إدارة ترامب بميل لإسقاط النظام رغم أن ترامب نفسه كان لوّح بهذا الخيار. شمل الاستغراب غياب الخطة “ب”، في حال استهدفت الحرب وجود النظام الإيراني عن قصد، أو انهار إثر ضربات أدت إلى الشلل والفوضى والتصدع. وشكّك الخبراء في إمكانية صمود النظام أمام كثافة النيران الأميركية وحدها (إذا لم نحتسب تلك الإسرائيلية) بعد ضغوط العقوبات وضربات حزيران وارتكاب طهران قبل أسابيع “مجزرة” طالت آلافا من المحتجين قال ترامب أن عددهم فاق 32 ألفاً. واستبعد المصادر عدم إدراك واشنطن لخطورة حربها، بما يفترص أنها تُعدُ العدة للتعامل مع كافة الاحتمالات.

قد يكون ذلك الغموض، حتى في التلويح ببدائل مقترحة للنظام الساقط، كما النشر المكثف لحاملات الطائرات والقوى البحرية والجوية المواكبة، كان يهدف إلى “إخضاع” إيران وإجبارها على احترام خطوط ترامب الحمراء، وفق ما لمّح نائب الرئيس جي دي فانس تعليقا على جلسة جنيف. غير أن نظام إيران الذي ينهل كثيرا من خياراته من زاد أيديولوجي خشبي، قد لعب ورقة المجازفة حتى آخر حبة غبار من حافة الهاوية، لعلّ في تلك المقامرة ما يثني ترامب عن خوض حرب تسهل مباشرتها ويصعب ختمها. وإذا ما رفض ترامب الانخراط في ألعاب الميسر، غير أن ترامب ترك العنان  لمجريات الحرب لإقفال ملف نظام طهران وطي صفحته وفتح صفحة أخرى.

غياب الخطة:

تعذّر الركون إلى ما هو رسمي في واشنطن. غير أن أوراق سياسات ومقالات مطولة صادرة عن مراكز التفكير في الولايات المتحدة كانت تحثّ واشنطن على امتلاك تصور لما ستفعله إذا بدأت مؤشرات الانهيار تتراكم. تعاملت تلك الأوراق مع كيفية دعم قوى معارضة، وتأمين الممرات الإنسانية والاقتصادية، ومنع تفكك الدولة إلى أقاليم متصارعة على أسس قومية ومذهبية.

ودار الجدل حول معارضة خارجية وعلى رأسها المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية أو وليّ عهد إيران السابق أو واجهات أخرى تمنّي النفس باعتراف أمريكي صريح بها. في المقابل، تحفّظ تيار داخل المؤسسة الأمريكية على الرهان على تنظيم واحد أو قائد منفى، مستحضراً تجربة العراق بعد 2003، حين أدى الرهان على نخبة معارضة في الخارج إلى أزمة شرعية داخلية، وإلى فراغ أمني وسياسي مهّد للحرب الأهلية وصعود الجماعات المتطرفة. ولمّحت بعض السيناريوهات الواقعية في واشنطن إلى فكرة “سلة واسعة” من الشركاء الإيرانيين المحتملين: ناشطون في الداخل، نخب تكنوقراط، شخصيات من داخل النظام السابق لم تتورط في جرائم كبرى، وأطراف معارضة في الخارج.

لكن التحدي الأكبر كان يكمن في كيفية تجنّب أن تتحول إيران إلى فسيفساء حروب. تحمل الخريطة الإثنية والمناطقية للبلاد بذور صراعات كامنة: أكراد في الغرب، عرب في الجنوب الغربي، بلوش في الشرق، أذريون في الشمال الغربي، إضافة إلى الصدع المذهبي والقومي بين المركز الفارسي والمحيط المهمش. فإذا انهار المركز بشكل فوضوي، يمكن أن تتدافع هذه الهويات نحو مطالب انفصالية أو نحو بناء سلطات محلية مسلحة، خاصة إذا دخلت أطراف خارجية – إقليمية أو دولية – على خط الاستثمار في هذه الأوراق.

دعت بعض الرؤى إلى رسم “خريطة إنقاذ مبكرة” لليوم التالي، تقوم على تجنّب خطأ حل الجيش و “اجتثاث البعث” في العراق، حيث أدى تفكيك الدولة إلى فتح بوابة الفوضى. لكن سقوط نظام إيران ليس حدثا إيرانيا فقط بل زلزالا ستصيب ارتجاجاته المنطقة برمتها. ويفاقم غياب خطة أميركية تناقش مع دول المنطقة تهيّبها من خيار إسقاط نظام طهران. ولا تخفي تلك الدول، من تركيا إلى الخليج مرورا بمشرق المنطقة ومغربها، رفض الخيار العسكري ضد إيران ومآلاته المجهولة. لسان حال من خاصمتهم طهران في المنطقة قبل من صادقتهم يقول إن نظاما نعرفه على كوارثه أفضل من نظام لا نعرف ألفه من يائه.

لبنان في قلب الحرب:

لم تفرق إسرائيل ومن ورائها الولايات المتحدة بين إيران ولبنان. الجبهتان عنوان واحد لحرب واحدة. بدا إن لخطط التعامل مع الحالة الإيرانية حاجة للتعامل مع حالة حزب الله في لبنان، لكن على نحو يلعب بالتوازنات الديمغرافية والسكانية. في 5 مارس 2026، أصدر الجيش الإسرائيلي “أمر إخلاء” غير مسبوق لسكان الضاحية الجنوبية في بيروت. نشر المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي عبر منصة “إكس” إنذاراً عاجلاً يدعو السكان إلى “إنقاذ حياتهم وإخلاء منازلهم فوراً”، محدداً طرقاً آمنة شمالاً (باتجاه طرابلس) أو شرقاً (باتجاه جبل لبنان عبر طريق بيروت-دمشق)، مع تحذير من التوجه جنوباً.

شمل الأمر أحياء رئيسية مثل برج البراجنة التي تضم أيضا مخيما للاجئين الفلسطينيين، والحدث وحارة حريك الشياح. وأثار حالة هلع واسعة، مما أدى إلى نزوح كثيف وازدحام مروري خانق، وزيادة أعداد النازحين في لبنان الذي يعاني أصلاً من أزمة نزوح بسبب التصعيد المستمر. يومها أيضا هدد وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش بأن الضاحية الجنوبية “ستصبح قريباً مثل خان يونس”، مشيراً إلى تدمير واسع مشابه لما حدث في غزة.

اعتبر مراقبون أن التهديد بتدمير الضاحية على منوال ما حلّ بخان يونس يشير إلى احتمال شن غارات جوية مكثفة ما قد يؤدي إلى انهيار بنى تحتية كاملة في الضاحية. واعتبروا أن الهدف ليس عسكريا ولا ينال من قوة حزب الله، لكنه يرفع من مستوى الضغوط الإنسانية داخل بيئته، ويحمل أبعادا تطال التوازنات الاجتماعية والديموغرافية في لبنان.

رفع هذا التهديد بإيقاعات تدريجية الضغوط على الحكومة اللبنانية سواء على مستوى إدارة أزمة النزوح الجماعي أو على مستوى أمني يهدد بانفلات الشارع بين الجماعات المتخاصمة. ونقلت شهادات عن ارتفاع مستوى السخط داخل البيئة التقليدية للحزب وظهور غضب من قيام الحزب بجرّ الشيعة إلى نكبة نزوح ودمار جديدة. وأضيفت خطة التدمير المتدرج للضاحية إلى بدء إسرائيل توغل بري إضافة إلى حملة قصف تشمل قيادات وبنى تحتية عسكرية في كامل الأراضي اللبنانية.

ورصد خبراء تشابها ومقارنه مع اجتياح 1982 ضد منظمة التحرير الفلسطينية (عملية سلام الجليل)، من حيث الغارات، وأوامر الإخلاء، والتوغلات البرية لدفع المسلحين شمال الليطاني (وفق 1701). وأجمع  المحللون على عدم حصول إسرائيل على غطاء دولي لتنفيذ خطة شاملة للتعامل مع الحالة اللبنانية بشكل جذري على النحو الذي جرى عام 1982 وأدى إلى إخراج قوات منظمة التحرير من لبنان.

فرغم وجود إطار دولي غير رسمي مبني على القرار 1701 (2006) الذي يطالب بنزع سلاح حزب الله وفرض احتكار الدولة للسلاح، غير أن الأمر لا يمكن أن يرقى إلى مستوى إخراج مسلحين هم على نقيض الحالة الفلسطينية عام 1982، مواطنون لبنانيون. وقد أدت هذه الضغوط إلى ما منصّة ” أكسيوس ” عن مغادرة العشرات من ضباط الحرس الثوري الإيراني العاصمة اللبنانية بيروت خلال الـ48 ساعة الماضية، وسط مخاوف من استهدافهم من قبل إسرائيل.

وعُد أمر إخلاء “الضاحية” وبدء خطة تدميرية متدرجة لتدمير المربعات السكانية التي تأوي بكثافة مئات الآلاف من بيئة حزب الله تطوّرا دراماتيكي خطير في الصراع. ورغم الدعم الأميركي للذهاب إلى أقصى الحدود لضرب حزب الله، إلا أن تدخلا دوليا، لا سيما فرنسيا، حاول ضبط الخطط الإسرائيلية. وفيما اعتُبر تهديد سموتريتش بمصير للضاحية يشبه مصير خان يونس في غزّة تهويليا، لكن تهديده مع ذلك لم يبتعد عن أفكار قد تكون نوقشت داخل “الكابينيت” قبل إعلان المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي عن أمر إخلاء الضاحية.

شيء ما كان تغيّر في خطاب ترامب. حديثه عن أن إيران طورت صواريخ تهدد أوروبا وقواعد أمريكية وتعمل على تطوير صواريخ تصل الأراضي الأمريكية، كان يهدف إلى ترسيخ صورة إيران كخطر على العالم

الأرجح أن الحرب كانت مقرَّرة بشكلها الحالي، بالتحالف مع إسرائيل، قبل أشهر. تبادل الحليفان الزيارات العسكرية التقنية بصمت، ووُضعت الخطط، وحُددت الأهداف. ترُك للقيادة السياسية أن تتبادل رسائل عدم التوافق الكامل.

التحدي الأكبر كان يكمن في كيفية تجنّب أن تتحول إيران إلى فسيفساء حروب. تحمل الخريطة الإثنية والمناطقية للبلاد بذور صراعات كامنة: أكراد في الغرب، عرب في الجنوب الغربي، بلوش في الشرق، أذريون في الشمال الغربي، إضافة إلى الصدع المذهبي والقومي بين المركز الفارسي والمحيط المهمش.

التهديد بتدمير الضاحية على منوال ما حلّ بخان يونس يشير إلى احتمال شن غارات جوية مكثفة ما قد يؤدي إلى انهيار بنى تحتية كاملة في الضاحية. واعتبروا أن الهدف ليس عسكريا ولا ينال من قوة حزب الله، لكنه يرفع من مستوى الضغوط الإنسانية داخل بيئته، ويحمل أبعادا تطال التوازنات الاجتماعية والديموغرافية في لبنان.