أديب صعب شاعر عصيّ على الموت

بالشعر تنتفي المسافة بين الجسد والعالم، ومن هنا لا يموت الشعراء، بل يُبعثون في قصائد من نور.
وحين تتلاشى المسافة الأخيرة بين الحياة والموت، يأتي الشعر لينفي الغياب، خصوصًا حين يغادرنا الشاعر والمفكر أديب صعب في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها لبنان والعالم العربي، تلك الحروب التي لا تترك للإنسان متّسعًا كافيًا للاحتفاء بحزنه.

لقد كان أديب صعب مثالًا للتواضع والسمو، منشغلًا دائمًا بما يسمو بالإنسان والفكر، وقد رحل تاركًا إرثًا ثقافيًا وإنسانيًا سيظل شاهدًا على حضوره النقي.

رحل أديب صعب، الفارس النبيل الذي قلّ مثيله، تاركًا للثقافة العربية وديعة ثمينة سيبقى أثرها محفورًا في وجدان محبيه، ويخفف شيئًا من حزن القلوب التي عرفته وأحبته.
وقبل غيابه بفترة، وحين تواصلنا، أرجأنا اللقاء بسب انشغاله بالمركز الّذي لطالما طمح إليه وهو “مركز أديب وإيلين صعب الثقافي، جامعة البلمند” والذي دشنه قبل رحيله. هكذا بقي لي  كتاب “مرسى النور”  والإهداء بخطّه، ذكرى حيّة في ذاكرتي وفي ذاكرة كل من التقى تلك الروح النبيلة.

مجموعة أديب صعب الشعرية الأولى، “قيثارة الضياء”، يسميها “مجموعة من قصائد الطفولة”، ولا يشير إليها كثيراً. لكنها تحوي قصائد وجدانية جميلة، كتبها الشاعر وهو على مقاعد المدرسة، بين الثالثة عشرة والسادسة عشرة. وقد كتب عنها بعض أدباء ذلك العصر، وبينهم ميخائيل نعيمة وأدونيس ويوسف الخال. منذ تلك المجموعة لم يخطئ صعب في وزن الشعر ولا في اللغة، مما يدل على قوة موهبته التي عززها بقراءاته. ويقول إن ما تلقاه من والده الشاعر اقتصر على جوازات الشعر ودقائق اللغة العربية.

في الجامعة الأميركية في بيروت، حيث درس الأدب العربي والآداب الأجنبية والفلسفة، كتب ثلاث قصائد طويلة، نشرها في مجموعة بعنوان إحدى قصائدها، “أجراس اليوم الثالث”. والقصائد الثلاث منطلقة من تجربة الشاعر لحالاته الذاتية والحال العربية والاجتماعية والعالمية آنذاك، وبينها حرب حزيران 1967 التي خصص لها قصيدة من الثلاث بعنوان “معجزة باسم الأطفال”. عن تلك المجموعة كتب كبار الشعراء بإعجاب، وبينهم خليل حاوي وأدونيس وبلند الحيدري.

ثم تلت مرحلة دراسة الدكتوراه في لندن. هناك كتب أديب صعب قصيدة طويلة بعنوان “الخبز والملح” تدور على تمزق الجسم الاجتماعي والوطني، وكأنها استشراف لما حل بلبنان في الحرب الأهلية منذ 1975. مع عودة الشاعر إلى لبنان ومباشرة تعليمه الجامعي للفلسفة، كتب قصيدة طويلة بعنوان “مملكتي ليست من هذا العالم”، معلناً شجبه لجنون زعماء الأرض واتجاهه إلى ينابيع الروح في الداخل. وهذا البعد الروحي أو الصوفي ميّز شعره منذ البداية.

ومع تجربة الحرب الأهلية كتب ثلاث قصائد طويلة، بينها واحدة بعنوان “نكروفيليا” (1979) مشبهاً المتقاتلين اللبنانيين بمجموعة من “النكروفيليين”، أي “عشاق الجثث”، الذين لم يستطيعوا حب لبنان إلا بعد قتله بغية الاستئثار به. كذلك كتب عدداً من القصائد الغنائية الوجدانية غير الطويلة، وهي تدور على تجارب وطنية أيضاً وروحية وتأملية. هذه كلها صدرت في مجموعة بعنوان إحدى قصائده، “مملكتي ليست من هذا العالم”.

وكمثل شعره الغني بالمحتوى والتقنية وقضايا الوجود الكبرى، تلت مرحلة غنية بالتأليف الفلسفي في حياة أديب صعب. فوضع خمسة كتب في فلسفة الدين أدخلت هذا الموضوع إلى الثقافة العربية، أولها “الدين والمجتمع” (1983) وآخرها “دراسات نقدية في فلسفة الدين” (2015)، وواسطتها عمله الرئيسي “المقدمة في فلسفة الدين” (1994). وقد اعتَبر الدارسون هذه الأعمال “خُماسية” بفضل تكاملها وشمولها. وفيها لا يكتفي صعب بعرض الفلسفات من مصادرها الأصلية، بل ينقدها لينتقل إلى نسج فلسفة خاصة تقوم على نظرية معرفة جديدة تستوعب التجربة الدينية التي رفضها عدد من الفلاسفة مثل البريطاني ديفيد هيوم وأتباعه. كما تقوم فلسفة صعب على مفهوم الوحدة في التعدد أو التنوع وعلى القول بجوهر واحد للدين. وقد كتب الفلسفة بلغة سلسة تذهب أبعد من ذوي الاختصاص لتَبلغ أهل الاختصاصات الاخرى وطلاب الثقافة والمعرفة عموماً. وممن لاحظوا بإعجاب هذه المزاوجة بين البساطة والعمق المطران جورج خضر والسيّد محمّد حسن الأمين والدكتور جورج قرم.

عام 2019 صدر لأديب صعب مجموعة شعرية بعنوان “حيث ينبع الكلام”، معظمها قصائد غنائية وجدانية غير طويلة، كتبها بين عقد الثمانينات من القرن الماضي ووقت صدور المجموعة. وتدور موضوعاتها على التأمل والله والطبيعة والحب والوطن (بعضها تصوير وإدانة للحرب الأهلية). وفي المجموعة قصيدة واحدة طويلة بعنوان “شوارع المدينة”، ارتفعت معها قصائد صعب النابعة من خضم الحرب الأهلية اللبنانية إلى أربع. وهو الشاعر الوحيد الذي كتب عن الحرب اللبنانية وقبلها حرب حزيران 1967 بهذه الغزارة والعمق.

بين ربيع وصيف 2023 أعد صعب أعماله الشعرية الكاملة للنشر. لكنه، في شهر سبتمبر من العام نفسه، كتب ثلاث قصائد طويلة تشكل المجموعة التي بين أيدينا: “مرسى النور”. لذلك أرجأ نشر الأعمال الشعرية الكاملة لتصدر هذه القصائد أولاً. وهي تتصدى لقضايا الوجود الكبرى: الزمان، المكان، الألوهة، الجمال، الشر، الخير.

هذا لا يعني أبداً أن شعر أديب صعب يقوم على التجريد الفلسفي. ولئن حوى أبعاداً فلسفية، فشعره مصنوع كلياً من صور وكأنه، على حد تعبير نزار قباني، “رسم بالكلمات”. كما يبقى أهم أثر للفلسفة في شعره ذلك العمق الذي يميزه، وتحرّي القضايا الكبرى.

كتب أديب صعب شعره موزوناً، معظمه على نسق التفعيلة والقليل منه على النسق العمودي. وقد أدخل إلى موسيقى الشعر العربي إيقاعات جديدة، ظهر معظمها في مجموعته “حيث ينبع الكلام”، وهو استمرار لما توصل إليه في مجموعة “مملكتي ليست من هذا العالم” وما سبقها.

من الدراسات الجامعية لشعر أديب صعب أطروحة دكتوراه قَدَّمها مايكل موسى للجامعة اللبنانية عام 2020 حول الاستعارات الدينية في شعره بناء على نظرية الشاعر تي إس إليوت حول ما يسميه “المعادل الموضوعي”. ومعناه أن هذه الاستعارات ليست حرفية بل هي رمزية، تهدف الى تصوير حالات لا يعرفها بوضوح حتى الشاعر نفسه، بل يحاول توسل الرمز كي ينقلها إلى نفسه أولاً ثم إلى الآخرين.