ان هذا الحدث هام وجليل ،وجدير بالأهتمام والاعتبار، وهو في معناه المباشر ،يمثل تتويجا لنضال المرأة العربيه على امتداد الارض العربيه ،وتأكيدا لمكانتها في المجتمع، كشريك اساسي في صنع مجتمع حضاري متكافئ،يقوم على عنصرين،هما دعامتا المجتمع الانساني القائم على (الرجل و المرأه). لقد تميز كل منهما بالعقل والادراك، والاستيعاب الكامل لقوانين الحياه ،و القدرات المتوازيه والمتوازنه ،في صنع المجتمعات الصحيه،من حيث ادوات التفاهم والتعاون ،والقدره على الابداع والانشاء والارتقاء،وكذلك على الابتكار والاختراع. لكن المرأه عزلت عبر قرون عديده من المشاركه في الحياة العامه،وتوارى دورها عنوة واغتصابا لحقوقها الطبيعيه التي كفلتها الشرائع على سماحتها وعدلها ،واهدرت مطالبها بعد ان صيغت في قوانين واجراءات ،تحرم عليها ما أحل الله.اعود للتاريخ حتى في اطاره المعاصر،في مصر، حيث كانت المرأة تقاد (مخفوره) وتعود الى منزل زوجها رغما عنها ،ان جري خلاف حاد بين الزوجين تركت فيه الزوجه منزل الزوجيه، وتمت اهانتها والاعتداء على كرامتها، فيلجأ الزوج الى المحكمة ويطلبها الى العودة في (بيت الطاعة)،ويتم (التنفيذ الجبري لحكم بيت الطاعه)ا باستخدام ،الشرطه، التي تقودها عنوة الى بيت الزوجيه،رغم رفضها ،بل مقتها وكراهيتها لهذا الزوج ،وحين تولى الدكتور (عصام حسونه ) وزارة العدل في العهد الناصري اصدر قرارا جريئا في عام 1967 يتم بموجبه منع استخدام .قوات الشرطه او رجال الامن، لأقتياد المرأة رغم رفضها الى منزل زوجها ،واكتفي القانون بعد ذلك بترتيب اثر مالى وقانوني فقط في حال رفضها العوده وهو( سقوط نفقتها واعتبارها ناشزا)،دون المساس بكرامتها او اجبارها جسديا على العيش مع رجل لا تريده. تبعا لذلك حدثت ثوره ونبرة احتجاج من مجلس الأمه،على صدور هذا القرار المنفرد من الوزير، في ذلك الوقت،ودعوا الى جلسه طارئه لمحاسبة السيد الوزير،وحين تحدد موعد الجلسه، وتقاطر النواب للحضور،دعت الهيئات النسائيه، الى تجمع في مجلس الأمه، واحتشدن في قاعة الزوار
،لمساندة الوزير،وحين بدأ الوزير خطابه وقفنا جميعا احتراما لكلمته،وقال الوزيرعصام حسونه ( نعم لقد اصدرت هذا القرار،لقناعتى الشديده،بعدالته ولم أشأ ان اقوم بتأجيله لأجتماع المجلس الموقر،من فرط احساسي بالغبن الذي يقع على كاهل المرأه، ثم اردف متسائلا،ومن هي المرأه ياحضرات الساده ..انها أمي وأمك، وأختى وأختك ,ابنتي وابنتك، ثم هي مريم البتول، وهي خديجة زوجة الرسول واول من اّمن برسالته،ثم هي جميله بوحيرد رفيقة الكفاح فوق جبال الاوراس في الجزائر،وأم صابرشهيدة الكفاح ضد الاحتلال على ارض القنال.انها المرأه نصف المجتمع على ارض الوطن،كيف نرضى اهانتها أو المساس بكرامتها لكي يصحبها جندي ويسلمها الى زوجها وكأنها ليست سوى متاع ..الى اّخر كلمته ،وبعده قام النواب ببيان اعتراضهم بأن الوزير تفرد باصدار القرار،مخالفة بذلك للقانون ،ولكننا معه ونشيد بمبادرته ،والتفاته لهذا الأمر،وتم التصديق على القانون. ولنا ان نتساءل على مدي العقود من السنوات، التي عانت فيه المرأه هذا الهوان ،منذ ان سن هذا القانون ،الذي يجبر المرأه على معاشرة رجل بالأكراه. ثم يظل نضال المرأه قائما للحفاظ على كرامتها ويصدر لاحقا ايضا ،قانون الخلع من بعده، الذي يعيد للمرأه ما انتقص من حقوقها، ثم تبقي مع ذلك العديد من حقوق المرأة ايضا مهدره ،ثم جاءت فاطمه الزهراء المنصوري ،لكي تشعل شمعة جديده،على هذا الطريق المظلم الذي عاشت المرأة في رحابه عقودا بل دهورا ،لكي تنقشع عتمة الظلم ، وتعود المسيرة الى طريق الأستناره والتسليم بمكانة المرأه وبكرامتها ،والأقرار بكفائتها واقتدارها .
نضال المرأه من اجل حقوقها
لم تظلم المرأة فقط على مستوى الحقوق المدنيه،ولكنها سلبت ايضا من حقوقها السياسيه،وتفرد المجتمع الذكوري بالسيطرة والتحكم من خلال المجالس التشريعيه، ويصدر من خلالها ما يشاء، من قرارات ،ويتنكر فيها الى حقوق ،وفي مقدمتها (ألمرأة) ولا يلتفت الي قضيتها ،وحقها الطبيعي في المشاركه في سن التشريعات،ومناقشة كل القضايا التي تهم الأسره،باعتبار ان الأسره هي الخليه الأولى في جسد الوطن. وعلى ذلك حرمت المرأة عقودا طويله، وعاشت على هامش الحياة،دون حق الأنتخاب وبالتالي من الترشح للمجالس النيابيه ،فضلا عن تقلد المواقع الرئيسيه في حكم المجتمع،وللأنصاف،علينا ان نعترف ان قضية المرأه، ليست قضية اقليميه أو عربيه ،ولكنها قضية عالميه،حتى وان كانت بشكل نسبي ،فقد شهدت العديد من دول العالم اعترافات بحقوق المرأه، وتبوأت بفضل ذلك مواقع رسميه وصلت الى المواقع الأولى الحاكمه،ففي انجلترا كانت الملكه، وكانت ايضا رئيسة للوزراء، وفي الهند وباكستان كانت رئيسة للوزراء ،ولكن مثلا في الولايات المتحده الأمريكيه،فشلت مرتين مع السيده كلينتون والسيده كابالا هاريس،ولم تحصل على الاستحقاق الشعبي ،رغم حيازتها على الشرعيه الدستوريه .انها النسبيه في التمتع بالحقوق ،بين مجتمع واّخر. ثم نأتي الي بروز فاطمه الزهراء المنصوري على الساحة السياسيه العربيه ،ولابد لنا ان نشير الى ان الاهتمام بها لا يرجع فقط لأنها تبوأت موقعا سياسيا له مقامه ودوره في اطار الحكم واتخاذ القرار، فقد سبقتها في ذلك (تونس) حيث عينت السيده ( نجلاء بودن ) عام 2021 رئيسة للوزراء ،وانما ايضا يرجع الأمر بالدرجة الأولى لأنها منتخبه، اي ان ميلادها السياسي جاء عبر الجماهير،وعبر الصوت الأنتخابي، ومن خلال حركة كفاح جماهيريه لها اركانها وقواعدها،ومن هنا كان ذلك التميز .
المغرب والطفره السياسيه
علينا اولا وقبل ان نخوض في المسار السياسي الطبيعي الذي ظلل طريق هذه السيده التي اصبحت حديث الدوائر السياسيه،ومجالس المثقفين، وتحظى باهتمام اصحاب الفكر والرأي،ان نعرض امام القارئ الكريم سطورا عن نشأتها ،ومؤهلاتها ،ثم نشاطها الجماهيري. ان يوم 29 سيبتمبر 2026 يعد يوما حافلا في مسيرتها السياسيه،وذلك حين قام العاهل المغربي جلالة الملك محمد السادس باستقبالها،وكلفها بعد ان قام بتعيينها رئيسة للحكومه بتشكيل الحكومة الجديده ،لتصبح أول امرأة تقلد هذا المنصب،في المغرب ،واول امرأة تعين في هذا الموقع – من خلال انتخاب ديموقراطي – في تاريخ العالم العربي، وجاء القرار عقب تصدر حزب الأصالة والمعاصرة نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت في 23 سبتمبر، وحصل خلالها على 97 مقعدًا من أصل 395 مقعد،بما يعنى ان حزب الاصاله والمعاصره لن يتمكن من تشكيل حكومة خالصه،وانما يتعين عليه ان يعمد الى تشكل ائتلافي،يتمكن معه من تشكيل الحكومه ،والحصول على ثقة البرلمان.
مؤهلاتها وخبراتها السياسيه والجماهيريه
ولدت فاطمة الزهراء المنصوري في مراكش عام 1976، ونشأت في أسرة لها حضور في الحياة العامة بالمدينة؛ فوالدها عبد الرحمن المنصوري كان محاميًا،وتولى منصب باشا مراكش، كما شغل لاحقًا منصب سفير المغرب لدى الإمارات العربية المتحدة. تلقت المنصوري تعليمها في مؤسسات فرنسية بمدينة مراكش، قبل أن تواصل دراستها الجامعية في جامعة محمد الخامس بالرباط حيث درست القانون ثم درست في جامعة مونبلييه الفرنسية. وبعد عودتها إلى المغرب، عملت في مجال المحاماة وتولت إدارة مكتب والدها. وبالتوازي مع عملها المهني، انخرطت في أنشطة متعددة في المجال الثقافي والنشاط الأهلي، ومن خلال اتساع نشاطها الجماهيري، اكتسبت ثقة واحترام كل من تعاملوا معها او تابعوا نشاطها ،حتى 2009 الذي كان نقطة فارقه في مسيرتها،فقد انتخبت رئيسه لمجلس مدينة (مراكش) لتصبح أول امرأة تتولى هذا المنصب في المدينة.واستمرت تجربتها الأولى حتى 2015، وقامت بالعديد من المشاريع التي تم انجازها خلال ولايتها الاخيره تبلغ 311 مشروعا بتقديرمالى يزيد عن 12 مليار درهم،من بينها حوالي 9 مليارات درهم تم تشغيلها في اطار اتفاقيات وشراكات مع مؤسسات وقطاعات مختلفة، فضلاً عن تعزيز النقل الحضري بـ149 حافلة جديدة، الى اّخره من انجازات.انها مسيرة تنقلت فيها بين العمل السياسي ،والانخراط في العمل الحزبي والجماهيري.تنقلت خلالها بين العمل المحلي حيث شغلت منصب وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة وكذلك تولت القيادة الحزبية، والمسؤولية الوزارية، قبل أن تصل إلى أعلى منصب حكومي في بلادها. انها قصة سهر متواصل،تولت فيه مسؤوليات ،وانصهرت من خلال الممارسه،بالعديد من التجارب،والمسؤوليات، كان لها الأثر في تشكيلها كقيادة عمل،تلتزم ببرامج عمل، وتخطيط يعتمد على دراسات قبل الاقدام على خطوات التنفيذ،مما جعلها من ابرز الوجوه في حزب (الأصاله والمعاصره)
وأخيرا
كما رأينا،لم يكن صعود (فاطمه الزهراء المنصوري) صدفة،وانما كان ثمرة لسنوات طويله، حققت فيها انجازات على المستوى الدراسي،ثم اضافت بعدا جماهيريا ،صقل شخصيتها،وحركتها الدؤوبه في المجال العام،بحيث وصلت الى قمة العمل السياسي في بلادها .هي تجربه رائده في حركتها،وهي نتيجة مؤكده للمثابره، وللنضوج من خلال العمل الجماهيري الواسع،وقد سجلت اختراقا على رؤوس الاشهاد لدور المرأه في مجتمعنا العربي،بما يستحق، من بالغ التقديروالاحترام .




