في الحرب الأمريكية الإيرانية ..لم ينتصر أحد!

لهذه الأسباب يصعب التعويل على تحالف عربي تركي مع باكستان!

“لقد فقد ترامب سيطرته على الحرب، وتقديراته الخاطئة لقدرة إيران على الرد أدخلت المنطقة في حالة تصعيد خطير..، ولن يضمن إعلان الولايات المتحدة “نصر شكلي” منع إيران أو حلفائها من إعادة بناء قدراتهم.”.. تصريح صادر عن السيناتور الأمريكي كريس ميرفي قبيل إعلان هدنة الأسبوعين وسفر الوفدين الأمريكي والإيراني للتفاوض الأول برعاية باكستانية في إسلام آباد. وهو تصريح يخفي وراءه حالة من عدم الرضا الأمريكي عن سياسة ترامب وخوضه الحرب ضد إيران، وانتقاده حتى مع إدعائه تحقيق النصر على الإيرانيين.

وكما اعتبر المفاوض الأمريكي نفسه منتصرا في الحرب على خصمه، أعلنت إيران أيضا أنها انتصرت رغم خسائرها الفادحة، واعتبرت خطوة الجلوس إلى الخصم الأمريكي على طاولة المفاوضات جاءت من موقع قوة استنادا إلى انتصارها في الحرب، وربما كان ذلك سببا في فشل المفاوضات وعودة المفاوضين آنذاك لبلديهما وسط تهديدات متبادلة بإشعال المنطقة بعد حصار القوات الأمريكية لمضيق هرمز وما أعقبه من تصعيد خطير في المنطقة. وبصرف النظر عن مزاعم كلا الطرفين في الانتصار على الآخر، فإن هناك سؤالا يفرض نفسه في خضم هذه الأحداث: أيهما يكفل المصلحة للعرب؛ أن تخرج إيران من الحرب منتصرة أم خاسرة؟ وهو سؤال لاح في الأفق وتردد كثيرا في الغرف المغلقة سيما بعد أن تسببت إيران في خسائر اقتصادية وبشرية كبيرة لدول الجوار وخاصة دول الخليج. وهو ما خلق حالة من السخط الخليجي على إيران، ازداد مع استمرار هجماتها ضد جيرانها العرب، فهل يعني ذلك أن تكون المصلحة العربية في تدمير إيران والتخلص منها؟

لا أحد منتصر!

لقد جاءت إجابة هذا السؤال بشكل مباشر على لسان مسؤول خليجي كبير قبل عام وتحديدا أثناء حرب الإثنى عشر يوما التي اندلعت إثر قيام إسرائيل بشن هجمات على المواقع الإيرانية العسكرية والمدنية في يونيو الماضي بينما كانت هناك محادثات بين أمريكا وإيران لإيجاد حل تفاوضي سلمي لقضية الملف النووي الإيراني. لقد قال الشيخ حمد بن جاسم رئيس وزراء قطر الأسبق وقتها “ليس من مصلحة دول الخليج أن ترى الجارة الكبيرة إيران تنهار، فمثل هذا الأمر سيؤدي حتما إلى فلتان مدمر للأوضاع وستكون عواقبه شديدة.” وهو تصريح تأكدت حكمته بعد أحداث الحرب التي شهدتها المنطقة خلال شهري مارس وإبريل الماضيين وما نتج عنها من كوارث وأزمات خطيرة على كل المستويات والأصعدة.

وإذا لم تكن إيران قد حققت الانتصار العسكري بمعناه التقليدي، لكن من ناحية أخرى كانت سيطرتها على مضيق هرمز هو وجه آخر للانتصار؛ فالقدرة على إغلاق المضيق أو التحكم فيه هي أهم “أوراق القوة” التي تمتلكها إيران، ما يعني تحويل هذه الورقة من تهديد محتمل إلى واقع سياسي مفروض يهدد المصالح العربية وكذلك الأمريكية.

بمراقبة تطورات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران نجد أنه لا يوجد منتصر فائز ولا مهزوم خاسر وكلا الطرفين حقق بعض المكاسب وتكبد كثيرا من الخسائر ومن ثم فإن الحديث عن نصر إيراني لا محل له على أرض الواقع. وقد بدت ملامح خضوع إيران وتراجعها مع التحركات الأمريكية لمواجهة سيطرتها على مضيق هرمز والحصار الأمريكي الخانق للمضيق لإجبار إيران على العودة لطاولة المفاوضات من جديد.

في ظل الصراعات المكتومة بين العرب وإيران والتنازع على بسط النفوذ في المنطقة فإن الأفضل للعرب العمل على تغيير السلوك الإيراني بما يمنعها من فرض السيطرة والنفوذ ولكن دون تدميرها الكامل حتى لا يخلق فراغا أمنيا يهدد بفوضى عارمة في المنطقة كلها، ويثير المخاوف من الهيمنة الإسرائيلية الكاملة على المشهد الأمني في الشرق الأوسط دون رادع لو غابت إيران عن المشهد.

ولكن تبدو المشكلة الحقيقية في السلوك الإيراني الاستفزازي تجاه جيرانها، فعلى الرغم من محاولات جيرانها رأب الصدع والتمسك بضبط النفس وتجنب الحرب والدفع نحو الحلول التفاوضية، فإن هناك غصة لدى دول الخليج من تصرفات إيران العدوانية تجاههم في أحيان كثيرة. كما لاتزال هناك خلافات كتلك التي أثارتها بسيطرتها على خليج هرمز خلال الحرب وتهديدها الدائم بغلقه ثم مطالبتها بالحصول على رسوم نظير السماح لعبور الناقلات على الرغم أن هناك دولة أخرى خليجية تشاركها مشاطئة الممر المائي الحيوي وهي سلطنة عمان، وهو ما ينذر بتكرار الأزمات بين إيران وجاراتها العرب، الأمر الذي يستلزم ضرورة إعادة صياغة العلاقة مع إيران في إطار من التوازن المحكوم بأوراق سياسية واستراتيجية تمتلكها الدول العربية بما يكفل تلافي أي خطر من جهة الجارة ذات الأطماع الفارسية.

مربع رعب وردع

بالتوازي مع الخطر الإيراني، وعلى الجانب الآخر فإن استمرار التهديد الصهيوني ككيان سرطاني في الجسد العربي يتطلب مواجهة عاقلة ومقاومة فعالة لأطماعه في المنطقة خاصة لبنان وفلسطين وسورية. لقد وضعت التطورات السياسية والعسكرية الأخيرة في الشرق الأوسط العرب في موقف صعب بين مطرقة إسرائيل وسندان إيران، لذلك بدت هناك حالة ملحة لكيان إقليمي له وزن وقوة مستمدة من قوة أعضائه، يمكن بها مواجهة المطامع الإسرائيلية من جهة وكفالة التوازن الإقليمي مع إيران من جهة أخرى بما يحفظ المصالح العربية وعلى رأسها الأمن القومي العربي الذي تعرض لتهديدات خطيرة في الفترة الأخيرة.

ومن هذا المنطلق كان خبر الاجتماع الرباعي بين مصر والسعودية وباكستان وتركيا في إسلام آباد نهاية مارس الماضي، بهدف دفع الجهود الدبلوماسية نحو التوصل إلى تسوية للحرب الأمريكية الإسرائيلية/ الإيرانية، بمثابة أمل جديد لدى الشارع العربي، أثار ارتياحا متناغما مع هوى شعوب المنطقة، في خلق تكتل قوي بطابع عربي إسلامي يحقق التوازن والردع للخصوم والأعداء في نفس الوقت.

وربما جاءت تصريحات وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أثناء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران قبل الهدنة منسجمة مع هذا الأمر حينما قال: “باعتبارنا دولا تمتلك قدرا من النفوذ في المنطقة، سنبحث كيفية توحيد قدراتنا من أجل حل المشكلات. آمل أن نجتمع ونتعلم كيف نحل مشكلاتنا بأنفسنا، أو ستأتي قوة خارجية لتفرض حلولا تخدم مصالحها، علينا أن نثق ببعضنا البعض، ونتخذ مواقف مشتركة”، وهو تصريح له وجاهته في ضوء توابع التصعيد الخطير بالمنطقة مع كثافة الوجود الأمريكي العسكري وزيادة العدوان الإسرائيلي بدعوى مواجهة إيران.

لاشك أن إقامة هكذا تحالف بين مثلث القوى في الشرق الأوسط؛ تركيا ومصر والسعودية، وبين باكستان تلك الدولة الأسيوية النووية، يخلق كيانا له ثقله العسكري والاستراتيجي والاقتصادي. فعلى المستوى العسكري عندما تتحالف مصر صاحبة أقوى جيش عربي مع تركيا، التي تمتلك ثاني أكبر جيش في حلف الأطلنطي “الناتو” ولها صناعات دفاعية متطورة، مع السعودية ذات الثقل المالي والديني وحليفتها الباكستانية ذات القوة النووية الوحيدة في العالم الإسلامي، لاشك أنه يصبح كيانا ذا ثقل كبير ويثير الرعب لدى الخصوم. كما تكون له أهمية استراتيجية كبرى نظرا لسيطرة دوله على ممرات مائية حيوية بالنسبة للعالم بداية من مداخل الخليج العربي مرورا بمضيق باب المندب ووصولا لقناة السويس. كما يحمل هذا المكون قوة اقتصادية ودينية رمزية كبيرة في داخله خاصة المملكة العربية السعودية بثقلها المالي والديني ككعبة للمسلمين من كل أنحاء العالم، وهو ما يمنح شرعية إسلامية وشعبية كبيرة لمثل هذا التحالف.

جبهة صد عربية إسلامية محصنة

إن النجاح في تحقيق التحالف بين هذه القوى الإقليمية الأربعة يسهم في خلق كيان إقليمي جديد قادر على فرض نظام إقليمي قوي كجبهة عربية إسلامية مواجهة للأطماع الإسرائيلية في خلق شرق أوسط جديد تسيطر عليه، ومن ثم يقطع الطريق على دولة الاحتلال الصهيوني في التفرد بالقرار خاصة بعد الحرب على إيران. وفي نفس الوقت فإن ثقل هذا التحالف بأضلاعه الأربعة ذات الطبيعة الدينية السنية يجعله جبهة للتصدي لمحاولات إيران التدخل في شؤون جيرانها لبسط نفوذها، ويحمي المنطقة في نفس الوقت من توابع تراجع النفوذ الإيراني – ولو المؤقت – والفراغ الذي يمكن أن تتركه إيران بسبب الحرب، حيث يحول مثل هذا التحالف بين استغلال هذا الفراغ في حدوث فوضى في المنطقة، بل ويسهم، بما يمتلكه من مقدرات كبيرة، في عمليات إعادة الإعمار في مناطق الصراع خاصة في لبنان واليمن وسورية والعراق. وبطبيعة الحال فإن تحالفا بهذه القوة يكون مستقلا عن الضغوط الدولية ويصبح قادرا على إدارة الأمور بعيدا عن مخاوف الصدام مع واشنطن أو حتى بكين، حيث تكون دوله محصنة ضد أية إجراءات عقابية.

ومن الناحية الاقتصادية فإن مثل هذا التحالف يجعل محيط المربع الذهبي محورا لوجيستيا عالميا مركزه الخليج العربي ويمتد منه شرقا في قلب آسيا عبر باكستان، كما يمتد غربا تجاه مصر في إفريقيا وتركيا في أوروبا.

لكل ما سبق فإن النجاح في تحقيق هذا التحالف يعد فرصة عظيمة وتاريخية لاستعادة الدور العربي والإسلامي المفقود، ومواجهة مخاطر التوسعات الإسرائيلية في الشرق الأوسط، بما يسهم في استعادة الحقوق العربية المسلوبة.

عقبات وتحديات

ولكن إذا كان ذلك مطروحا على المستوى النظري، فهل تتيح معطيات الواقع السياسي الإقليمي والدولي تلك الفرصة لتحقيقه عمليا؟

عندما نخرج من الإطار النظري إلى الواقع المعاش نصطدم بالعديد من التحديات والكوابح التي تعرقل خروج هذا التحالف إلى النور وذلك لأسباب بعضها يتعلق بالدول نفسها، وأخرى تتعلق بالتحديات الدولية.

فلا يمكن تجاهل الاختلافات وتباين الرؤى السياسية بين بعض الدول في مشروع التحالف؛ منها وجود تنافس تاريخي بين تركيا والسعودية على قيادة العالم الإسلامي، ولازال هذا التنافس موجودا في الخلفية رغم تحسن العلاقات. كذلك يؤدي الحرص على الأولويات الاقتصادية في هذه الدول إلى العمل على تجنب أية صدامات يمكن أن تدخلهم في صراعات تهدد الاستقرار وخطط التنمية لديهم.

كما أن باكستان كدولة مقيدة بظروف معينة محيطة بها تجعل قدرتها على الالتزام بتحالف استراتيجي طويل الأمد في الشرق الأوسط قدرة مقيدة بعوامل جيوسياسية واقتصادية متشابكة، حيث تعيش باكستان أزمة اقتصادية تجعل قرارها السياسي رهن المساعدات الخارجية للمؤسسات المالية الدولية كصندوق النقد الدولي الذي يعد ورقة ضغط لدى الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين لمنع باكستان من الإنخراط في أي تحالف يضر بمصالحهم المباشرة أو مصالح حليفتهم إسرائيل. كما تحتاج باكستان للإستثمارات الخليجية بشكل يضطرها للإلتزام بالرؤية الخليجية التي تميل للتهدئة وليس للصدام.

على جانب آخر فإن أي انخراط باكستاني في صراعات الشرق الأوسط قد يعطل طموحات الصين شريكها الاستراتيجي الأول، وهو ما لا يمكنها تحمل تبعاته. أيضا تحرص باكستان كدولة نووية، على التركيز على حماية نفسها من تهديد جارتها النووية الهند، بما يتعارض مع متطلبات مثل هذا التحالف من نقل بعض ثقلها العسكري والتقني بعيدا عن حدودها إلى الشرق الأوسط. ولذلك فإن باكستان تفضل الدور الذي تلعبه حاليا كوسيط للتهدئة دون الدخول في مواجهات مباشرة. ومن ثم فهي تدعم المحور السعودي التركي المصري طالما أنه سيحقق لها الاستقرار المالي ولا يؤدي إلى حرمانها من المساعدات الغربية أو الصينية.

العرب والحياد النشط

ويبقى السؤال ما الذي ينبغي على العرب فعله لحماية مصالحهم من المخاطر التي تحدق بهم من كل حدب وصوب؟

ليس أمام العرب إلا اتباع سياسة الحياد النشط التي تقوم على تجنب الانجرار لصراع عسكري مباشر مع العمل على الخروج بمكاسب استراتيجية تخدم المصالح العربية؛ في مقدمتها أولوية الأمن القومي العربي باستغلال حاجة أمريكا والعالم لتأمين تدفقات النفط عبر مضيقي هرمز وباب المندب، والحصول على ضمانات أمنية ملزمة تجعل أمن الخليج لا ينفصل عن الأمن العالمي حتى لا يتحول إلى ورقة ضغط إقليمية.

كما يمكن للعرب استغلال ملف إعادة الإعمار لتحقيق سيادة اقتصادية. يضاف إلى ذلك استخدام العوائد الضخمة لزيادة الحصة السوقية العربية في سوق الطاقة بعد تعطل الإمدادات الإيرانية، في تسريع مشاريع “الهيدروجين الأخضر” والطاقة المتجددة، بما يضمن استمرار  الريادة العربية للاقتصاد العالمي فيما بعد النفط.

وينبغي أيضا الخروج من فلك القطب الأمريكي والتوجه لمزيد من العلاقات مع روسيا والصين بشكل متوازن يتيح المناورة لتحقيق الأهداف الاستراتيجية.

ويجب على الدول العربية التي وقعت اتفاقيات مع إسرائيل أن تستخدم ذلك كورقة ضغط عليها لمساعدة الفلسطينيين في الحصول على استحقاقاتهم، حتى لا يكون التطبيع بلا ثمن ولا مقابل.

وختاما لابد من توافر التوافق والتنسيق المتبادل بين الدول العربية للحفاظ على المصالح العربية العليا المتمثلة أولا في الأمن القومي العربي، حتى يتمكنوا من النجاح في الوصول إلى مشروع عربي اقتصادي وأمني موحد يضعهم في مصاف القوى الإقليمية الكبيرة القادرة على فرض شروطها على إسرائيل ومناورة الغرب بشكل براجماتي ذكي.