قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين ..!  

   وجه جديد للعنصرية  

 كان يمكن أن يكون الأمر أشبه بنكتة سياسية لو لم يكن يتعلق بالقتل والموت  فالدولة التي قتلت عشرات الآلاف الفلسطينيين بشكل عشوائي دون تمييز تعززها الأرقام من الأطفال والنساء والشيوخ لا تدع مجالاً للشك بأن اسرائيل تعمدت قتل المدنيين على شكل إبادة جماعية هذه الدولة تذهب لبرلمانها ” الكنيست ” للحصول على قانون يسمح لها بقتل عدة مئات  من الفلسطينيين فقط تحت ظلال المحاكم والقوانين فكيف يبدو الأمر ؟  

 يوم الثلاثين من مارس آذار أقر الكنيست الإسرائيلي بالقراءتين الثانية والثالثة بأغلبية 62 صوتاً مقابل 48 صوتاً في كنيست يتكون من 120 مقعداً قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين ووفقاً لآليات التشريع في اسرائيل يكون بذلك اكتمل الشكل القانوني للتشريع بعد أن تمت المصادقة على القراءة الأولى في العاشر من نوفمبر الماضي قبل أن يحال نهاية سبتمر حينها للقراءات القانونية وقد قدم القانون من قبل النائبة المتطرفة ” ليمور سون هارميلخ ” التابعة لحزب عنصري في اسرائيل تسلم راية أرئيل كهانا صاحب مشروع طرد الفلسطينيين من البلاد الذي اغتيل منتصف ثمانينات القرن الماضي في الولايات المتحدة لتتحول الكاهانية من تيار هامشي في الحالة السياسية الإسرائيلية إلى حالة مركز مؤثرة هذا الحزب الذي ورث تلك الظاهرة هو حزب ” العظمة اليهودية ” ويرأسه الفاشي ايتمار بن غفير وزير الأمن الداخلي . 

ينبغي الإشارة قبل بدء نقاش هذا القانون وتداعياته والذي يستهدف كما قال بن غفير ” النخبة ” والمقصود بها نخبة حماس العسكرية التي اجتازت الحدود يوم السابع من أكتوبر وتمكنت اسرائيل من إلقاء القبض على بعضهم في ذلك اليوم وبعضهم تم اعتقاله من غزة أثناء الإجتياحات وحصار المناطق لكن حدث السابع من أكتوبر لم يكن سوى ذريعة يعبر فيها الفكر الكاهاني عن نفسه فقد كان واحداً من شروط بن غفير للإنضمام لحكومة بنيامين نتنياهو بعد انتخابات الأول من نوفمبر 2022 أن يصادق الإئتلاف على قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين ومن المهم الإشارة أيضاً إلى أنه  في الأول من مارس 2023 قد تمت المصادقة على قراءة أولى لقانون إعدام الإسرى أي بعد شهرين من إقامة الحكومة التي تشكلت في الثامن والعشرين من ديسمبر 2022 كترجمة مباشرة للصفقة التي عقدت بين حزب الليكود العمود الفقري للحكومة والمشكل لها بإعتباره الحزب الأكبر وزعيمه رئيس الوزراء المكلف وبين حزب العظمة اليهودية قبل أن يتوقف ذلك القانون ليجيء السابع من أكتوبر ليتم تقديم قانون آخر على يد المتطرفة هارميلخ التي قتل زوجها المستوطن في الضفة الغربية في الإنتفاضة الثانية  . 

بمعزل عن أن اسرائيل لم تتوقف عن الإعدام خارج القانون وهي الدولة التي لا ينقصها لا تشريع ولا صلاحية ولا قانون من أجل القتل وفي كل مكان وحتى بين الأسرى فبعد السابع من أكتوبر قتلت في سجونها مائة وثلاثة فلسطيني بينهم الطبيب عدنان البرش لكن القانون بصيغته التي تمت المصادقة عليها يشكل فضيحة كبرى لدولة لم تتوقف عن تجاوز الإعراف الإنسانية حيث يحمل من العنصرية بشكل فاقع ما حاولت كثير من القوانين والسياسات والمشاريع قبل ذلك اخفائه إذ جاء القانون الذي حمل عنوان عقوبة الإعدام في يهودا والسامرة وهي التسمية الإسرائيلية التي تطلقها على الضفة الغربية يقول نصاً ” يعاقب بالإعدام فقط أي مقيم في المنطقة يتسبب عمداً في وفاة أي شخص بقصد الإضرار بمواطن أو مقيم اسرائيلي وبنية إنهاء وجود دولة اسرائيل يعاقب بالإعدام أو بالسجن المؤبد ” وإذ يذهب القانون لينص على أن عقوبة الإعدام هي العقوبة الإفتراضية إذا صنفت المحاكم الإسرائيلية جريمة القتل على أنها عمل إرهابي  وتلك تهمة تطلقها اسرائيل على كل من يقاومها وقد وصفت الذين كانوا يلقون الحجارة في الإنتفاضة الأولى بالإرهابيين فما بالنا باعمال تتعلق بالسلاح وهنا لم يترك القانون متسعاً للشك . 

صيغة القانون العنصرية وإذ لم تنص صراحة على أن العقاب بالموت والإعدام يخص الفلسطينيين وحدهم لكنها حملت ذلك في مضمونها بشكل مباشر لأن النص الذي يتحدث عن ” قتل أو الإضرار بأي شخص بنية إنهاء دولة اسرائيل ” بالتأكيد حين يرتكب أي اسرائيلي فعل القتل بحق الفلسطيني كما يفعل المستوطنون في الضفة الغربية على سبيل المثال لا يمكن الإشارة للفعل بأن نيته إنهاء دولة اسرائيل لذا تم تصنيف القانون كواحد من أكثر القوانين العنصرية في اسرائيل التي لم تخف كثير من قوانينها تلك النزعة التي كانت تعج بالتمييز بين العرب واليهود حتى في القوانين الداخلية التي لم يكن لها طابع أمني أو عسكري مثل قوانين الولاء والجنسية . 

ردود الفعل الدولية والعربية التي صدمها القانون بإعتباره منتج الفكرة العنصرية ، فقد جاء ايتمار بن غفير بعد اقرار القانون ليحتفل في الكنيست بزجاجة شمبانيا فعدا عن ردور الفعل الشعبية التي تظاهرت في الكثير من عواصم العالم كان الموقف العربي الرسمي يلتحق بالفعل الشعبي حيث أدانت الحكومات العربية والجامعة العربية والبرلمان العربي ومجلس وزراء الداخلية العرب والأزهر ومنظمة المؤتمر الإسلامي وأحزاب وقوى عربية هذا القانون العنصري والذي يعكس ثقافة الدولة الإستعلائية . 

بعض أبرز دول أوروبا لم تكن بمنأى عن الحدث فقد دعت ثلاثة عواصم كبرى هي لندن وباريس وروما اسرائيل إلى التخلي عن مشروعها بقانون إعدام الأسرى الفلسطينيين معربة عن قلقها من تداعياته جاء ذلك في بيان مشترك عن العواصم الثلاث ليعرب عن قلقه البالغ إزاء مواقف لجنة الأمن القومي بالكنيست معتبراً أن القانون ” لاإنسانياً ولامهيناً وكذلك الإتحاد الأوروبي حيث نددت المفوضية الأوروبية بشدة بقانون الإعدام الذي كما قالت تمت صياغته ليطبق حصراً على الفلسطينيين وقد أدانت المانيا القانون في بيان منفرد جاء فيه أن برلين ترفض عقوبة الإعدام وتعتقد أن القانون الذي تم سيطبق كما قالت حصراً على الفلسطينيين أما رئيس وزراء أسبانيا الذي كان أكثر وضوحاً فقد قال في منشور على موقع X ” أن القانون خطوة إضافية نحو الفصل العنصري ” . 

في سجون الإحتلال يقبع حوالي 11 ألف أسير فلسطيني موزعون على أكثر من عشرين سجناً ” عشرين من السجون القديمة ” زاد عددها بعد إنشاء سجون جديدة أبرزها سجن ” سديه تيمان ” الذي اعتبر أخطر السجون وأكثرها قسوة وقمعاً وشهد العدد الأكبر من قتل الأسرى وقد كان مثار جدل من خلال ما تم تسريبه من صور التعذيب والإغتصاب الذي جرى للأسرى حيث أرادت المدعية القانونية فتح تحقيق في الأمر قبل أن تفقد منصبها بسبب ذلك وتتعرض للتحقيق بشبهة التسريب وهذا السجن كان عبارة عن ثكنة عسكرية افتتحته اسرائيل لتضع فيه رجال النخبة في حركة حماس وهم الذين تم اقرار قانون اعدام الأسرى خصيصاً لهم ممن تعتبرهم شاركوا في أحداث السابع من أكتوبر والمرشحون للإعدام وفقاً للقانون يبلغ عددهم حمالي أربعمائة أسير أغلبهم من الذراع العسكري كتائب عز الدين القسام . 

أهالي أولئك الأسرى الذين أسرتهم اسرائيل يوم السابع من أكتوبر في ذروة الحدث لا يعرفون إن كان أبنائهم أحياء أم لا فلم تقدم اسرائيل أية معلومة وفقط يتم معرفة أسرى من خلال إطلاق سراح بعضهم فيدلون بمعلومات لكن هذا في السجون الأخرى التي تضم معتقلين إداريين أو من تعتقلهم بلا سبب على سبيل المعلومات والتحقيق لكن لم يخرج أحد من سجن سديه تيمان ولم تسمح بزيارة الصليب الأحمر ولا المحامين ظل السجن قلعة بعيدة ، فقط بعض التقارير التلفزيونية لقناة اسرائيلية أظهرت وحشية هذا السجن وكيف تتم معاملة الأسرى . 

قبل السابع من أكتوبر كان عدد الأسرى الفلسطينيين حوالي 5250 أسير موزعون على السجون وقد بدأ بن غفير منذ تسلمه وزارة الأمن الداخلي التي تخضع السجون لها التضييق عليهم وسحب كثير من الإمتيازات وما أن جاءت الحرب حتى وصل عدد الأسرى إلى 11000 أسير يعيشون ظروفاً مأساوية حيت التعذيب المستمر والحرمان من النوم ومن الطعام  والنقص الشحيح في الوجبات والنزول الواضح في الوزن لكن الكارثة الكبرى تتمثل في انتشار الأمراض وعدم تقديم العلاج بل حرمانه فقد نقل عدد من الأسرى المفرج عنهم انتشار أمراض كثيرة  مثل الأمراض الجلدية وأصعبها مرض الجرب الذي أصاب الأسرى بفعل الحرمان من النظافة ومن العلاج وانتشار الحشرات والقوارض وتعمد إدارات السجون إهمال الأسرى وعدم فعل أي شيء لمحاصرة المرض أو تقديم الخدمة العلاجية بل تتعمد الإدارات ترك المرض كواحد من أشكال التعذيب الطبيعي ضد الأسرى ضمن الوسائل التي لا تتوقف عن ممارستها بما فيها القتل العمد داخل السجون لذا من السخرية أن تطلب قانوناً لقتلهم . 

المشكلة أن اسرائيل دولة لا تعرف إلا الضغط ولا تستجيب إلا بالقوة ودائماً ما كانت ترضخ لمطالب الثورة الفلسطينية عندما تكون قد نجحت في أسر جنود اسرائيليين هؤلاء يتحولون إلى أوراق تفاوضية ترغم اسرائيل على إجراء عمليات تبادل وهذا كان يعزز الأمل دوماً لدى الأسرى الفلسطينيين لكن هذه المرة تمت عمليات التبادل بين حركة حماس واسرائيل حتى آخر جثة اسرائيلي أي لم يبق لدى أي طرف في حالة عداء مع اسرائيل ما يمكنه من المقايضة لإطلاق سراح من تفكر اسرائيل بإعدامهم . 

اليمين دوماً يتصف بالغباء السياسي وجاء أكثره تطرفاً ليقدم مقترح إعدام الأسرى لدولة تعدم بالطائرة وبالصاروخ وبالدبابة وبكاتم الصوت وبلا قوانين وبلا تشريعات لكن التشريع يظهر عنصرية الدولة هذا ما تنبه له بعض اليسار الذكي ليعلن معارضته ليس على سبيل فهم انساني لطبيعة الصراع بل لمحاولة درء شبهة العنصرية الفاقعة فاليسار أيضاً لم يتوقف عن القتل لكن كثير من المراقبين يعتقدون أن القانون يصعب تطبيقه لان النظام في اسرائيل يحيل كل القوانين للمحكمة العليا لتقرر مدى انطباقه أو معارضته لقوانين الأساس ” البديل عن الدستور فإسرائيل دولة بلا  دستور ” وقد تلمس المحكمة العليا التي لا زالت علمانية ومؤسسة مستقلة بل قامت حكومة نتنياهو بعيد تشكيلها بما أسمته بالثورة القضائية بهدف تقليص صلاحيات المحكمة والقضاء في اسرائيل لأن للمحكمة صلاحيات إلغاء قوانين يسنها الكنيست وفي هذا القانون ما يتعارض مع القوانين الأساس التي نصت في تعريفها لدولة اسرائيل على أنها ” دولة يهودية وديمقراطية ” وقد نصت على المساواة لمواطنيها طبعاً من الصعب التوفيق بين دولة دينية أقيمت لابناء ديانة واحدة وأن تكون ديمقراطية لكن قانون إعدام الأسرى بصيغته التي تم تشريعها يتنافى مع مصطلح الديمقراطية لذا يراهن المراقبون على المحكمة للإيقافه . 

بكل الظروف تم تنفيذه أم لا والفلسطينيون الذين سلكوا هذا الطريق لا يأبهون بشكل نهايتهم المهم أن يتجسد فيها بطولة لكن المهم أن هذا القانون يعيد إلقاء الضوء على هذا الشكل من التمييز العنصري تمارسه دولة تحاول ان تقول أنها تنتمي للديمقراطيات الغربية …!