سوريا:  مسار العودة إلى المشهد الدولي

العواصم تدعم دمشق والبلد بات محورا للتحولات وخطوط الطاقة

قبل عام ونصف لم يكن أي خبير في شؤون الشرق الأوسط يتخيّل أن رئيس سوريا يمكنه بدعوة رسمية أن يزور لندن وبرلين. كان نظام بشّار الأسد يعاني قطيعة من كافة دول أوروبا وبات رئيسه شخصا غير مرغوب به. وقبل عام ونصف لم يصدف أن استشرف مختص في شؤون سوريا أن يحلّ رئيس جديد في البلاد ذو خلفية “جهادية” ضيفا على المستشار الألماني فريدريتش ميريتس ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر.

بعد أيام من وصول الرئيس أحمد الشرع إلى دمشق بعد ساعات من فرار الأسد نحو موسكو، تدفق دبلوماسيو أوروبا والولايات المتحدة لملاقاة الحدث واستطلاع طباع أصحابه واستكشاف سبل الدعم الذي بدا غير مشروط. ارتفعت الأعلام فوق سفارات الدول الغربية واحدة تلو اخرى في سياق تبني كامل لما تحوّل في سوريا ودعمه وصيانه شروط بقائه.

واكبت العواصم الغربية تعثّر نظام سوريا في سقطات داخلية دموية مؤلمة. تباطأت تلك العواصم في ممارسة الضغوط المعهودة بهذا الشأن، وحتى عملت على حجبها. وجدت في الصيغ الدبلوماسية عبارات يختلط فيها العتب والغضب والتفهم. ذهب الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى استقبال الشرع في البيت الأبيض بعد أشهر من استقبال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون له في الاليزيه. رُفعت عقوبات “قيصر”. عادت سوريا إلى النظام الدولي، لكن ذلك الزخم الذي لامس حدوده القصوى لم يعد كافيا لانتشال سوريا من مأزقها. فكيف حققت سوريا هذا التطوّر وما معضلات البلد وعقده؟

حرب إيران: عيون على سوريا

تعرف العواصم أنه لو لم يحصل التحوّل الذي قاده الشرع لكانت سوريا اليوم جبهة تقاتل إلى جانب إيران من قبل “مستشاري” الحرس الثوري الإيراني وميليشيات الفاطميين والزينبيين وأي ميليشيات أخرى تابعة لجمهورية الولي الفقيه. تعرف أيضا أن دمشق حشدت منذ بداية الحرب الراهنة قوات على حدود سوريا الشرقية مع العراق والحدود الغربية مع لبنان لمنع انتقال تلك الحرب إلى داخل البيت السوري. وتعرف أيضا أن ذلك الجهد العسكري الأمني لصون الحدود دونه ضغوط داخلية باتت تشكو من أزمة اقتصادية ظهر أن “الزخم” الدولي لم يسعفها.

في زيارته إلى برلين ولندن، في نيسان (أبريل) الماضي، يكتشف الشرع حرص أوروبا على الاستمرار في دعم التجربة السورية. لم تتغير قراءة ألمانيا وبريطانيا للتحوّل السوري بصفته مصلحة أمن استراتيجي للقارة ومدخل حتمي لحلّ أزمة اللاجئين السوريين. لكن الرئيس السوري يكتشف أيضا أن البلدين والغرب من خلفهم بات يجاهر، ودائما بودّ الصديق والحليف، أن تذهب سوريا الجديدة مذاهب متقدمة لإقامة دول عصرية تقوم على العدل والقانون وصون استقرار المجتمع وحقوق الأقليات وتوفّر للاستثمارات الخارجية بيئة قانونية حاضنة.

لكن التحوّلات تظهر في زيارة مفاجئة قام بها الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلينسكي إلى دمشق دمشق في نفس الشهر. هي أول زيارة لرئيس دولة إلى سوريا في عهد الرئيس أحمد الشرع خلال هذا العام، وهي الثالثة بعد تلك لأمير قطر الشيخ تميم بن حمد والرئيس الفلسطيني محمود عباس خلال العام الماضي. ورغم أن دمشق شهدت منذ زوال النظام السابق سلسلة زيارات عربية ودولية تكشف ماذا تحوّل في سوريا، لكن للزيارة الأوكرانية سيناريو وإخراجا مثيرين للجدل.

كان يمكن لتلك الزيارة أن تكون عادية تقليدية رتيبة تشمل الاستقبال والوداع والبيان المشترك والتشديد على العلاقات التاريخية وكافة الديباجات المصاحبة. لكن رجل كييف القوي وصل على نحو غير معلن ويكاد يكون سريا. أتى بعد جولة خليجية ثم زيارة إلى إسطنبول، وعقد لقاء مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تم خلالها “تدبير” زيارة عاجلة لضيفه إلى دمشق.

لا تقف التفاصيل هنا: طائرة تركية نقلته ووفده إلى مطار دمشق الدولي مصحوبا بوزير الخارجية التركي حقان فيدان. وبدا أن إنزالا سياسيا تركيا أوكرانيا حطّ في دمشق لتفضح الاجتماعات الثلاثية عن أول ظهور لشيء يشبه محورا من نوع ما قيد التشكل بين أنقرة وكييف ودمشق. وحتى تكتمل صورة الغرابة والمفارقة، يجب التذكير أن زيلينسكي، عدو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الأول، دخل ميدان نفوذ تاريخي لروسيا ليس بعيدا عن قواعدها العسكرية في البلاد.

شيء ما يحاك داخل خارطة تحولات تخترق المنطقة والعالم. يبدو زيلينسكي يتحرك مستفيدا من ظروف الحرب ضد إيران ويحظى بهامش مناورة بسبب تركيز واشنطن على ذلك الحدث الجلل. يحمل حقيبته ويروح يسوّق مسيرات بلاده الاعتراضية، في سوق يفتح ذراعيه لتكنولوجيا حديثة ذاع صيتها، تعترض المسيرات بالمسيرات. أبرم اتفاقات استراتيجية تاريخية مع السعودية والإمارات وقطر، شملت استثمارات خليجية تموّل صناعات عسكرية أوكرانية منها صناعة مسيراتها الاعتراضية الشهيرة.

جرى الهمس في دمشق أن سوريا قد تكون مكانا استراتيجيا لمصانع أوكرانيا ذات التمويل الخليجي. لا شيء رسميا تسرّب. غير أن ما أُعلن يفصح عن تعاون دفاعي قادم. بإمكان دمشق الاستعانة بأوكرانيا التي لطالما امتلكت بنى تحتية لصناعة السلاح الروسي لتكون بديلا عن أي تقاعس روسي يتخلّف عن الوفاء بالاتفاقات. غير أن المواكبة التركية لرحلة زيلينسكي توحي بحرص أنقرة على دعم دفاعات سوريا في وقت بدا أن البلد بات مرشحا بجدية ليكون ممرا استراتيجيا للطاقة من الخليج نحو أوروبا.

لكن القصة من برلين إلى كييف مرورا بلندن قد تكون أكبر من ذلك. فرضت أزمة إغلاق مضيق هرمز بسبب الحرب على إيران إعادة اكتشاف طرق مرور للطاقة كانت مهملة، منها عبور الطاقة الخليجية من مصادرها مرورا بالأردن وسوريا صوب ميناء بانياس السوري أو جيهان التركي باتجا أوروبا. بات الأمر عاجلا، بالنسبة للمصدرين والمستوردين ودول المرور على النحو الذي يستدرج تحركات العواصم لإعادة احتضان التحوّل السوري كما تحرّك تركيا لإقامة ما يشبه المحور الثلاثي : أنقر-كيفف-دمشق لتأمين بيئة دفاعية للممر السوري والتعويل عليه في تأمين خطوط الوصل بين شرق المتوسط والبحر الأسود. تعيش سوريا المشهد الإقليمي والدولي بصفتها عاملا فاعلا مؤثرا مباشرا. فكيف عبرت سوريا هذا المخاض وما هي مراحله؟

مواكبة دولية منذ اليوم اليوم الأ|ول:

ظهر جليا، ومنذ فجر 8 كانون الأول (ديسمبر) 2024، أي يوم سقوط نظام الأسد، وقبل ساعات من دخول قوات “هيئة تحرير الشام” بزعامة أبو محمد الجولاني (الأسم الذي كان يتّخذه سابقا الرئيس الشرع)، صدور بيان عن وزارة الخارجية السعودية يدعم التحوّل السوري. أظهر الأمر أول تقدّم لرعايات عربية للحدث في سوريا. بالمقابل أظهر تدفق الدبلوماسيين الغربيين، بما في ذلك من الولايات المتحدة، اندفاعا للتعامل مع التطوّر بإنصات وإيجابية. وبدا لاحقا أن عودة فتح السفارات العربية والأجنبية أُلحقت بمواقف صادرة عن عواصم عربية ودولية معنيّة بالشأن السوري بقيت مواكبة وداعمة للدولة السورية جديدة. حتى أنه، رغم مرحلة اتهامات وُجِّهت لدمشق بالتورّط في ارتكاب انتهاكات في أحداث الساحل والسويداء، فإنه كان واضحا أن تلك المواقف حرصت على عدم إدانة الحكم الجديد، كما حال البيانات الأوروبية، ومطالبته بملاحقة الجناة، كما حال البيانات الأميركية، أي الاعتراف بدمشق مرجعا موثوقا للتحقيق والملاحقة والمحاسبةالولايات المتحدة.

وكان واضحا أن سوريا الجديدة باتت قيمة جيوستراتيجية بعد أن فقدت إيران نفوذا على البلد الذي شكّل قاعدة بنيوية لما عُرف بـ “هلال” طهران بيروت، مرورا ببغداد ودمشق. ويُعتبر هذا التحوّل جذريا ومغيّرا لموازين القوى الإقليمية وخرائط النفوذ داخلها. وبدا أن ذلك التحوّل شجع الرئيس الأميركي دونالد ترامب للاستجابة لضغوط سعودية تركية للإعلان من الرياض في أيا (مايو) 2025 عن رفع العقوبات جزئيا عن سوريا، وصولا إلى رفعها كليا بتصويت الكونغرس بعد أشهر.

وقد لعبت الولايات المتحدة دورا مباشرا، لا سيما عبر موفدها إلى سوريا السفير توم باراك، في العمل على تخفيف التوتّر بين إسرائيل وسوريا بعد تصعيد عسكري استهدف البنى التحتية العسكرية، وصولا إلى العمل على ترتيب اتفاق ينظم علاقة الطرفين لا سيما الحدودية، ويوقف الصدام العسكري، بما في ذلك وقف التدخل في ملف دروز السويداء وعدم التدخل، كما لوحظ، في الصدامات بين قوات دمشق وقوات “قسد”.

ورغم الاهتمام الأوروبي الغربي، غير أن دمشق اهتمت بنسج علاقات مع العواصم القريبة (لا سيما في العالم العربي) والبعيدة كانت مشوّهة إبّان عهد النظام السابق. كما انتقلت دمشق إلى علاقات متقدمة مع موسكو على الرغم من تورط روسيا في دعم عسكري لنظام الأسد منذ عام 2015. كما نجحت الدبلوماسية السورية في تطوير علاقات مع الصين التي كانت أبدت تحفّظا في التعامل مع النظام السوري الجديد بسبب وجود فصائل جهادية إيغورية صينية معادية لبكين في صفوف قوات دمشق المسلحة.

مسألة المكوّنات:

تقوم دينامية النظام الجديد في سوريا على مسلًمة، جرى التوكيد عليها، بالحفاظ على وحدة البلد، والتمسك بمركزية نظامه السياسي، ورفض أي شكل قد يُشتم منه نزوع نحو لامركزية أو الفيدرالية أو كونفدرالية. ولطالما ردّد الرئيس السوري أحمد الشرع رفضه لأنظمة المحاصصة الطائفية أو القومية المنتهجة في الحالتين اللبنانية والعراقية، على سبيل المثال، والتي توزّع السلطة والثروة على ممثلي المكوّنات ما يفقد البلد وحدته وانسجامه.

غير أن الخطاب الطوباوي الموعود اصطدم بعجزه عن طمأنة المكوّنات السورية، سواء تلك التي كانت تجد في النظام السابق ملاذا أكثر أمانا للأقليات، أو تلك التي لا تثقّ بنظام سياسي جديد لا يحمل مشروعا موثوقا يعمل على احتضان كافة السوريين تحت جناحه. وفيما برز المكوّن العلوي كحالة نافرة خرجت من بيئته مجموعات من فلول النظام السابق للتمرد بشكل مسلّح في منطقة “الساحل” غرب البلاد، فإن العنف الذي واجهت به سلطات دمشق تلك الحالة في آذار (مارس) 2025، وما واكب الأمر من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وسّع الهوة بين ذلك المكوّن والنظام السياسي الجديد.

انسحب أمر مركزية السلطة ووحدة الدولة في طريقة التعامل مع الحالة الدرزية في محافظة السويداء في الجنوب السوري. وعلى الرغم من اعتراف نظام دمشق الجديد بفوضى وعدم انضباط، واندفاع عشوائي لقوات نظامية وغير نظامية أدى إلى الانتهاكات والتجاوزات التي طالت مدنيين في منطقة “الساحل”، وعلى الرغم من تشكيل لجنة تحقيق أقرت بالوقائع وهوية المذنبين، إلا أن سلطات دمشق لم تستطع السيطرة على تدخلها العسكري في محافظة السويداء في تموز (يوليو) 2025، بداعي فضّ اشتباكات اندلعت بين ميليشيات درزية وأخرى تابعة لعشائر عربية في المنطقة.

خلّفت واقعة السويداء انتهاكات دموية واسعة ضد المدنيين، واستدرجت تدخلا إسرائيليا شرسا ضد القوات الحكومية أو تلك التابعة لـ “فزعات” العشائر العربية. وصل التدخل الإسرائيلي المدفوع من قبل قيادات دينية درزية في إسرائيل، إلى حدّ قصف مبنى تابع لقيادة الجيش السوري في دمشق وأطرافا للقصر الرئاسي في العاصمة السورية. وكشف الحدث السوري عن ديناميات إسرائيلية متدخلة في الشأن الداخلي السوري أجبرت دمشق على أخذ ذلك التطوّر بعين الاعتبار. كما كشف التطوّر عن بروز جماعات من داخل الطائفة الدرزية، قد لا تمثّل الطائفة برمتها، لكنها بدت طاغية فارضة لأمرها الواقع، تطالب، بقيادة الشيخ حكمت الهجري، بالانفصال التام عن سوريا من أجل كيان مستقل أو يكون جزءا من إسرائيل.

نهاية أوهام كردية:

وجدت الواقعتان في صراع دمشق مع الحالة الكردية شمال شرق البلاد، دينامية متبادلة منطقية تعوّل على نجاح تلك الحالة في ما فشلت الواقعتان في فرضه. وعوّلت شرائح سياسية معارضة في الساحل والسويداء على فرض الحالة الكردية واقعا يتمّ من خلاله الإقرار لها بحكم ذاتي أو شكل من أشكال اللامركزية بإدارة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بقيادة مظلوم عبدي. فنجاح “التجربة الكردية”، كان من شأنه أن يكون سابقة يمكن تعميمها لتشمل قيام أقاليم أو كيانات ذاتية الإدارة في غرب سوريا وجنوبها ترفع أسوارا سياسية وقانونية، وربما أمنية عسكرية، تفصل بين سلطة دمشق والسلطات التي ترعى شؤون العلويين في الساحل والدروز في السويداء.

وقد تحدثت تقارير قريبة من دمشق عن حالات تعاون وتنسيق جرى تسجيلها بين السويداء والساحل و “قسد”، وعن أدلة على تقديم الإدارة الذاتية الكردية في شمال شرق البلاد ملاذات آمنة لآلاف من من جنود وضباط وقيادات فلول النظام السابق. كما أن تقارير محلية ودولية وإسرائيلية كانت تحدثت عن التزام الحكومة الإسرائيلية (على لسان وزير الخارجية جدعون ساعر) بالدفاع عن الأقلية الدرزية والكردية والعمل على حصول إسرائيل على ممر داخل الأراضي السورية ما بين السويداء وشمال شرق سوريا المعروف باسم “ممر داوود”.

وقد عملت “قسد” على الاشتغال على حرج نظام دمشق من واقعتي الساحل والسويداء وما أنتجته من ضغوط خارجية ومن تقارير إدانة من قبل المنظمات الدولية المختصة، من أجل  تحسين شروط المطالب الكردية. لكن المفارقة أن دمشق نهلت بنجاح من دروس التجربتين للتموضع وفق قواعد جديدة في مواجهة التحدي الذي شكلته حالة “قسد” في مناطق الشمال والشمال الشرقي للبلاد.

فقد ظهرت تحوّلات جوهرية في تعامل دمشق العسكري مع المناطق التي تسيطر عليها “قسد” ابتداء من حيي الشيخ مقصود في مدينة حلب غرب نهر الفرات، وصولا إلى محافظتي الرقة ودير الزور في منطقة الجزيرة شرق النهر، انتهاء إلى إبرام اتفاق ينظّم وجود سلطات دمشق داخل محافظة الحسكة. وقامت هذه التحوّلات على تحديث لقواعد الاشتباك، وإدخال أنماط تكتيكية تخلط ما بين الضغوط العسكرية الشاملة والمكثّفة ومنح المدنيين (والعسكريين ضمنا) مُهلا وممرّات أمنة لإخلاء جبهات القنال، ما خفف الأثمان المدنية للمعارك.

وكان لافتا نجاح قوات دمشق في تحقيق حسم ميداني سريع في منطقة كانت “قسد” تعتبرها قلعة تتحصن بالانفاق والأسلحة الثقيلة. وأظهر الأمر سرعة في تراجع قوات “قسد” وانسحابها العاجل، لا سيما من المناطق ذات الأغلبية العربية. لكن لذلك التراجع، إضافة إلى الضغوط العسكرية سبب بنيوي يتمثّل في فقدان صادم   لرعاية الولايات المتحدة بما في ذلك عدم دعمها أي مشروع يُشتم منه تمردا أو ابتعادا عن سلطات دمشق. وفيما لم يؤيد المبعوث الأميركي الخاص توم بارّاك فكرة اللامركزية واعتبرها نظاما “غير مناسب وغير ناجح”، وعمل على توصّل الطرفين إلى اتفاق مارس 2025، فإن الرئيس الأميركي كان أكثر وضوحا في التعبير في يناير 2026 عن دعم دمشق والرئيس أحمد الشرع ومديح خصاله، بما جعل خضوع “قسد” لموازين القوى خيارا حتميا.

سوريا والجوار: احتضان وحذر

أحدث التحوّل السوري زلزالا جيوستراتيجي في توازنات منطقة تعايشت مع نظام حكم، في ظل حافظ وبشّار الأسد، طوال 54 عاما. ورغم أن نظام دمشق في ذلك العهد ارتبط بعلاقة ملتبسة متوتّرة مع المحيط الإقليمي وصلت إلى حدود شبه القطيعة مع نظام بشّار الأسد حتى قبل اندلاع صراع عام 2011، إلا أن سقوط هذا النظام أحدث حالة قلق شديدة لدى عواصم المنطقة في ظل مجهول لم يعرفه النظام الإقليمي قبل ذلك.

وجد هذا القلق تجلياته في اجتماع عاجل دعى إليه الأردن  في مدينة العقبة في 14 كانون الأول (ديسمبر) 2024، أي بعد 6 أيام من سقوط نظام الأسد. ضمّ الاجتماع إضافة إلى وزير الخارجية الأردني، وزراء خارجية كل من السعودية والعراق ولبنان ومصر والإمارات والبحرين وقطر، إضافة إلى الأمين العام لجامعة الدول العربية. وقد أظهر البيان الختامي للاجتماع العناوين التي تقلق المنطقة والشروط التي تضعها للتعامل مع التحوّل الجديد واحتضانه. ولم تكن هواجس المنطقة بعيدة عن هواجس أوروبية عبّرت لدمشق الجديدة عما هو مطلوب في مسائل الحوكمة والتمثيل الشمولي ومكافحة الإرهاب واحترام التنوّع المجتمعي، من أجل أن تكون مقبولة من قبل البيئات السياسية العربية والإقليمية.

ورغم التطمينات التي صدرت من دمشق وتدخل أطراف داعمة مثل تركيا وسعودية لطمأنة العواصم العربية، فإن بعض البلدان العربية احتاجت إلى مراحل تجريبية لتذليل كثير من عقبات الثقة بالوافد الجديد إلى النظام العربي. ولئن ظهرت منذ اللحظات الأول للحدث السوري الجديد أعراض علاقة دعم تركي وسعودي لنظام دمشق الجديد، فإن الأردن الواقع على الحدود الجنوبية لسوريا استطاع بسرعة تجاوز مراحل التحفّظ والحذر والتعاون مع النظام الجديد على حسم معضلات أمنية، لا سيما مسألة تهريب المخدرات، التي كانت عمّان تتهم أساسا النظام السوري السابق بالوقوف خلفه وحمايته. وبدا لاحقا أن دمشق باتت رقما أساسيا في توفير حاضنة بدعم من المبعوث الأميركي توم بارّاك لتوفير بيئة تفاهم واتفاق بشأن مشكلة دمشق مع السويداء.

وقد عملت دمشق بصعوبة على تخفيف حدّة الهواجس التي عبّر عنها العراق وحكومة محمد شياع السوداني. وكان الشرع قد توجه باكرا برسالة مصورة إلى السوداني قبل أيام من سقوط نظام دمشق يطلب منه الإطمئنان إلى التحوّلات السورية وعدم التدخل في مجرياته، في تلميح إلى أنباء كانت تروج بشأن حشود لقوات “الحشد الشعبي” والجيش العراقي تتحرك صوب الحدود مع سوريا.

ورغم تبادل بغداد ودمشق الزيارات الأمنية والسياسية، إلا أن أجواء العلاقات بقيت متشنجة إلى درجة عزوف الرئيس السوري عن المشاركة في القمة العربية في بغداد في أيار (مايو) 2025، وسط تهديدات صدرت عن قوى عراقية شيعية قريبة من طهران معادية لنظام دمشق، منها ما صدر عن رئيس الحكومة الأسبق نوري المالكي من أنه لو كان في منصب رئاسة الحكومة لحرّك الجيش العراقي لمنع سقوط نظام الأسد.

ينسحب هذا الحذر على طبيعة العلاقة الجديدة بين دمشق وبيروت. فرغم تأكيد الرئيس السوري حرصه على سيادة واستقلال لبنان وعدم التدخل في شؤونه، في تلميح لحالة الوصاية التي فرضها وجود القوات السورية في لبنان (1976-2005)، وعلى الرغم من وعده بفتح صفحة جديدة مع كل لبنان رغم تورط حزب الله في ارتكاب ما تعتبره المعارضة السورية جرائم بحقها دعما لنظام الأسد، إلا أن لبنان، المنقسم بطبيعته، قارب التحوّل السوري بردود فعل متناقضة ما بين الترحيب والدعم من قبل شرائح اجتماعية وطائفية من جهة، والتحفّظ والعداء من جهة اخرى من قبل شرائح أخرى.

ومع ذلك فإن دمشق وبيروت تمكنتا برغبة مشتركة في الاعتراف بعقد العلاقة وعقباتها وبالتمسك بالتواصل والحوار على مستويات عسكرية وأمنية وقضائية وسياسية (بما في ذلك زيارة رئيسين لحكومات لبنانية لدمشق ولقاءات جمعت رئيسي البلدين في مناسبات خارجية إقليمية ودولية)، من أجل وضع قواعد لعلاقة سوية وندية تطمأن لها دمشق القلقة من أنشطة حزب الله في دعم فلول نظام الأسد، كما تطمئن لها كافة المكونات اللبنانية.

من ذلك المسار المثير للجدل تلاقي سوريا ما يتحوّل في الخرائط والاصطفافات الإقليمية والدولية. بات واضحا أن الدول التي دعمت التغيير في سوريا كبحت اندفاعاتها بانتظار أن يصنع النظام الجديد استقرارا أكثر انسجاما مع ما تطلبه العواصم القريبة قبل البعيدة. انتخبت سوريا برلمانا مؤقتا ما زال قيد التشكّل، وكتبت دستورا مؤقتا يحتاج إلى كثير من التحديثات لا سيما تلك التي تطمئِن لها كافة المكونات بين أغلبية وأقلية. وتحتاج سوريا إلى قيام تشريعات تنظم حياة الناس والمؤسسات، وإلى قوانين تنتشل الحياة الاقتصادية، وتقنع المستمثمرين الكبار، لا سيما الأجانب منهم، بضخّ التمويل في شرايين الاقتصاد السوري.

لم يمضِ على التحول إلا وقت قليل مقارنة بعقود حكم فيها النظام السابق البلد. غير أن العالم تغيّر وبات أكثر توترا، ما يتطلّب من الحكم السوري الجديد أن يكون أكثر حيوية ورشاقة في الاندماج مع النظامين الإقليمي والدولي، وسط أخطار حقيقية تهدد استقرار النظام وصون تحولاته من داخل البلاد وخارجها. وإذا ما صحّ أن سوريا باتت ميدان تقاطع لممرات الطاقة، فإن صراع الأمم سيصبح أشد شراسة وفتكا يحتاج إلى حصافة وأناة وحكمة وحذاقة في فن اللعب على تناقضات مشهد دولي غير مسبوق.

تعرف العواصم أنه لو لم يحصل التحوّل الذي قاده الشرع لكانت سوريا اليوم جبهة تقاتل إلى جانب إيران من قبل “مستشاري” الحرس الثوري الإيراني وميليشيات الفاطميين والزينبيين وأي ميليشيات أخرى تابعة لجمهورية الولي الفقيه.

طائرة تركية نقلت زيلنسكي ووفده إلى مطار دمشق الدولي مصحوبا بوزير الخارجية التركي حقان فيدان. وبدا أن إنزالا سياسيا تركيا أوكرانيا حطّ في دمشق لتفضح الاجتماعات الثلاثية عن أول ظهور لشيء يشبه محورا من نوع ما قيد التشكل بين أنقرة وكييف ودمشق.

جرى الهمس في دمشق أن سوريا قد تكون مكانا استراتيجيا لمصانع أوكرانيا ذات التمويل الخليجي. لا شيء رسميا تسرّب. غير أن ما أُعلن يفصح عن تعاون دفاعي قادم. بإمكان دمشق الاستعانة بأوكرانيا التي لطالما امتلكت بنى تحتية لصناعة السلاح الروسي لتكون بديلا عن أي تقاعس روسي يتخلّف عن الوفاء بالاتفاقات.

القصة من برلين إلى كييف مرورا بلندن قد تكون أكبر من ذلك. فرضت أزمة إغلاق مضيق هرمز بسبب الحرب على إيران إعادة اكتشاف طرق مرور للطاقة كانت مهملة، منها عبور الطاقة الخليجية من مصادرها مرورا بالأردن وسوريا صوب ميناء بانياس السوري أو جيهان التركي باتجا أوروبا.